‏إظهار الرسائل ذات التسميات فصول من الكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فصول من الكتب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 أبريل 2009

مقدمة كتاب هوس العبقرية: عن ماري كوري نتحدث

في العشرين من إبريل سنة 1995، وفي باريس في شارع سوفلو Soufflot امتداد بساط أبيض بطول الشارع لينتهي أمام البانيثون Pantheon ( مقبرة العظماء) الذي كان مكسوًا بالألوان الثلاثة ( ألوان العلم الفرنسي) من القبة وحتى الرصيف. وعلى أنغام المرسليزيه ( النشيد القومي الفرنسي) كان الحرس الجمهوري يسير على هذا البساط الأبيض. وكانت الآلاف الموجودة على جانبي الشارع ساكنة على غير العادة، وكان البعض ينثر الزهور عند مرور الموكب الذي كان يتكون من: أعضاء هيئة التدريس بمعهد كوري في المقدمة يتبعهم طلاب المرحلة الثانوية من باريس، وكان الطلاب يرفعون لوحة طولها أربعة أقدام عليها الأحرف الإغريقية ألفا وبيتا وجاما بالألوان الزرقاء والبيضاء والحمراء.
وعند اقتراب الموكب من البانثيون انتشر الطلاب وتطلعوا إلى المنطقة المقامة تحت القبة الكبرى والتي جلس إليها بعض الوجهاء وعلى رأسهم الرئيس فرنسوا ميتران. وعلى الرغم من أنه كان يعانى من مرض السرطان الذي اشتد عليه في الأسابيع الأخيرة من فترة رئاسته التي امتدت أربعة عشر عامًا، إلا أنه قرر أن يكرس خطابه الأخير على رمز المرأة الفرنسية في إشارة دراماتيكية حيث قرر أن يواري رماد مدام كوري وزوجها بيير في البانثيون، وبذلك جعل من ماري(ماريا سالومي سكلادوفسكا)
كوري أول امرأة تدفن في البانثيون لما قدمته من إنجازات. وهكذا تم إخراج رماد آل كوري من مقابرهم بضاحية سيو Sceax ليدفنوا بجوار بعض الخالدين أمثال أونوري جبرائيل ريكونيه وﭽان ﭽاك روسو وإميل زولا وفيكتور هوجو وفولتير ( فرانسوا ماري آرو) وجين بايتيس بيرين وبل لانجفين.
وكان لينح ڤاليسا – رئيس جمهورية بولندا الموطن الأصلي لمدام طوري – يجلس بجوار ميتران. وكانت أسرتا العالمين ماري وبيير موجودين كذلك وهم ابنتيها إيف وأولاد ابنتيها المتوفية أيرين وزوجها فريدريك جوليو –كوري- هيلين لا نجفن – جوليو، وبيير جوليو وكلاهما من العلماء البارزين.

كان أول المتحدثين في الحفل بيير – جيلس دي جين مدير المدرسة الصناعية للفيزياء والكيمياء بمنطقة باريس ( EPCI ) . وهو المكان الذي اكتشفت فيه ماري وبيير ظاهرة النشاط الإشعاعي وعنصري البولونيوم والراديوم، حيث قال، "إن آل كوري يمثلون الذاكرة الجماعية للأمة الفرنسية وروعة التضحية بالنفس". ثم تحدث لينح فاليسا عن الأصل البولندي لمدام كوري ووصفها بالبطلة الوطنية لكل من بولندا وفرنسا . عندئذ نهض الرئيس ميتران وقال:

" إن نقل رماد بيير وماري كوري لأكثر الأماكن قدسية بالنسبة لنا ليس مجرد عمل لذكرى، بل هو تأكيد على إيمان فرنسا بالعلم وبالبحث العلمي وعلى احترامنا للعلماء الذين نخلدهم هنا، وعلى تقديرنا لعزيمتهم ولحياتهم. واحتفالنا اليوم هو عمل متعمد من جانبنا للسيدة الأولى في تاريخنا المشرف. وهي رمز آخر يحوز انتباه أمتنا ومثال على نضال سيدة قررت أن تفرض قدراتها في مجتمع يحتفظ بقدراته واكتشافاته الذهبية والمسئولية العامة للرجال فقط"

كان من الممكن قراءة ما هو مكتوب على واجهة البانثيون فوق رأس الرئيس ميتران أثناء إلقاء خطابه، وكانت كالآتي: "إلى الرجال العظماء من بلد ممكن" وهي كلمات بادية السخرية.

وبعد هذه الكلمات دوت عاصفة هائلة من التصفيق من الجموع التي ملأت الشوارع. كانت رغبة بيير كوري المتواضع أن يدفن في سيو لأنه كان يكره تمامًا الشهرة والاحتفالات، ومن المؤكد أنه كان سيكره ما حدث في ذلك اليوم. وسواء رغب آل كوري في ذلك أم لا، وبالأخص مدام كوري، فقد تم تخليدهما. وقد أصبحت مدام كوري اليوم مثلاً أعلى لكل الأعمار وإلهامًا للنساء اللاتي يرون فيها تحقيق أحلامهن وطموحاتهن.
وقد كنت هناك .

وعندما كنت في سن المراهقة، كنت أضع صورة لمدام كوري وهي جالسة تحت شجرة دردار تحتضن ابنتها إيف ذات العامين وأيرين ذات الأعوام التسعة، وذلك بجوار صور لأحد أعمال فان جوخ ( ليلة ملأى بالنجوم) وبطاقة لعبة البولينج مساء يوم الجمعة. ولا أدرى لماذا كنت مشدودة إلى هذه الصورة، والأمر لم يكن بالقطع يتعلق بالعلم. وكانت مدام كوري ملهمتي، ومثل أي ملهمة أخرى فإنك لا تدري بالضبط سبب كل هذا التقديس. ربما أكون قد أنست لهذه الصورة حيث وجدت مارى بحضنها الحافى لابنتيها، وكانت أمي في ذلك الوقت بعيدة ترقد في إحدى المستشفيات مصابة إصابة خطيرة في حادث سيارة. من يدري؟

لم يكن بتلك الصورة أي من الوجوه المبتسمة عادة. كان يبدو على ثلاثتهن الحزن. لم أكن أعرف وقتها السبب، لكنى أعرف الآن. وكنت قد وضعت تحت هذه الصورة مقطعين لمدام كوري: " لا شيء يرهب في الحياة، وهي فقط لنفهمها" و "من المهم أن تصنع حلمًا من الحياة وأن نصنع واقعًا من الحلم". ولم اكتشف أن بيركوري هو الذي كتب المقطع الأخير وليست مارى إلا أثناء بحثي لكتابة هذا الكتاب.


وفي كل الأحوال لاشك أن حياة مدام كانت ملهمة في الواقع، فقد كانت نادرة كوحيد القرن في مجال العلم. جاءت من أسرة بولندية فقيرة وعملت لثمان سنوات لتقتصد النقود لتدرس في السوربون. وتغلبت على صعاب تفوق الخيال. وفي سنة 1893 كانت ماري كوري أول سيده تحصل على درجة علمية ثانية في الرياضيات. وكانت أول سيدة تحصل على منصب أستاذ في السوربون وأول سيدة لا تحصل فقط على جائزة نوبل واحدة بل اثنين، الأولى في الفيزياء بمشاركة زوجها وهذي بيكيريل لاكتشافهم ظاهرة النشاط الإشعاعي، أما الثانية فجاءت بعد ثماني سنوات في الكيمياء ( لفصلها لعنصري البولنيوم والراديوم). وهي أول سيدة يتم انتخابها في الأكاديمية الفرنسية للطب التي كان عمرها 224 سنة وقتها. وبالإضافة للنجاح المذهل في عملها فقد تمكنت من تربية ابنتيها وحدها معظم الوقت حتى حصلا على تعليم جيد وفي الوقت نفسه أصبحتا قويتين جسمانيًا ومستقلين.

هذه هي الحقائق التي تحولت إلى أسطورة رومانسية نسجت لتلائم ما يعتقده وما يتخيله كثير من الناس – الصحفيون والعلماء والأطباء ودعاة حقوق المرأة ورجال الأعمال ورجال الصناعة وحتى مدام كوري نفسها।

ويتذكرها الناس مثل جان دارك في العلم. وتحمل شوارع باريس اسمها واس م زوجها بيير، كما أن ورقة العمل فئة 500 فرنك ( أصبحت الآن من اهتمامات هواة جمع النقود وكتذكار) كانت تحمل صورتها ومعملها ( الكوخ البائس) وبعض المناظر من حياتها.

وصورتها على طوابع البريد والعملة المعدنية. وكان يطلق على السيارات التي عدلت لتحمل معدات الأشعة السينية باسم "كوري الصغيرة" أو "Les ptites Curie" كما شارك في صنع هذه الأسطورة الأفلام شبه الوثائقية والأفلام العادية. ولقد كنت مذهولة عندما شاهدت جرير جارسون في دور ماري وولتر بيدجون في دور زوجها بيير في فيلم مدام كوري سنة 1943. ومازالت أتذكر وجه من مثلث دور ماري وهو يتصبب عرقًا عندما كانت تقوم بتحريك وعاء يغلى بالخام. ولن أنسى ما حييت منظر يبدو مارى في ظلمات الليل وهما يدخلان إلى المعمل ليشاهدا بقعة الضوء الخافت تتوهج في قاع أحد الأطباق. صاحت مارى حينئذ بينما كانت دموعها تنهال على خديها، " اوه بيير، هل هذا ممكن؟ هل هذا هو الشيء؟" نعم لقد كان هو هذا الشيء – الراديوم.

مرت بعد ذلك سنوات عديدة منذ كنت الفتاة الساذجة الملهمة ببطلة هوليود، والتي تمثل النساء وتاريخ الوقت الذي عشن فيه الآن فوق كل ذلك الموضوع الأساسي في كتاباتي. لماذا تستسلم بعض النساء لأقدارهن بينما تهرب أخريات أو تلتف حول العقبات أو تتعارض عنها؟ كيف أثر المجتمع والأسرة في طموحاتهن؟ ولماذا تبحث بعض النساء عن الاستقلالية بينما تفضل الأخريات الامتثال لما هو مقدر لهن؟ وعلى أي الأوتار عزفت مدام كوري، وعلى الأخص بالنسبة للنساء؟ كانت كل هذه الأسئلة جزء من أمور كثيرة حيرتني.

وما يشغلني الآن بولع يقع في المسافة ما بين الخيال والواقع. وربما مازالت مدام كوري الأسطورة أشهر امرأة عالمة في العالم. ويعتبر الراديوم اكتشاف مدام كوري المذهل، وقد حظى باهتمام مهول في معالجة السرطان من خلال أشعته. لكن في الواقع، هل هذا صحيح، وهل كان ذلك هو مساهمتها الكبرى في العلم؟ لاشك أنه على مدار القرن الماضي تحولت سيرة حياة مدام كوري إلى قمة الكمال، لكن وراء هذه الصورة كانت هناك امرأة حقيقية. إنها الشخصية التي أرغب في تتبعها.

الاثنين، 13 أبريل 2009

فصل آخر من رواية "وراء الفردوس" في جريدة النهار


نشرت جريدة النهار اللبنانية فصلًا من رواية "وراء الفردوس" لمنصورة عز الدين . الرواية تصدر قريبًا عن دار العين وتجدون نص المقطع على هذا الرابط

الخميس، 9 أبريل 2009

علاء الأسواني.. من نموذج منتج الأفكار إلي صانع «البروباجاندا»

إبراهيم فرغلي يدعو لتأمل ظاهرته بعيداً عن أرقام المبيعات
تناولت عملي
ن من أعمال الكاتب علاء الأسواني (عمارة يعقوبيان، وشيكاغو)، في متن هذا الكتاب (المقال ينشر ضمن كتاب بعنوان شهوة الكتابة يصدر قريبا)، متوقفا أمام النصين نفسيهما، اللذين أظنهما بعيدين تماما عن مسار التجربة الحداثية في الكتابة الأدبية في مصر لأسباب ذكرتها بالتفصيل في المقالين المشار إليهما.
----------

وأضيف أن الشكل الكتابي الكلاسيكي الذي يعبر عن مكان منسجم، (عمارة يعقوبيان) هو شكل يكاد يكون بسيطا، ومناقضا. حقيقة إن المكان الجغرافي الذي تمثله مصر، لم يعد متجانسا بسبب التفاوتات المرعبة التي تحدث الآن، طبقيا وثقافيا، كما أن وسائل التقنية والاتصال الحديثة، بكل ما تتضمنه من أنماط التواصل الحداثية، قد أحدثت ثورة في معني الزمن، فلا يمكن أن يكون النص الآني معبرا عن زمن تقليدي بسيط متصل متقدم للأمام، إلا عن عدم وعي بالتطورات الحقيقية في الوعي البشري، وفي فكرة انضغاط الزمن، وتشظيه بسبب العديد من التطورات والمتغيرات القيمية والاجتماعية والثقافية في العالم، وفي البيئة المحلية المصرية.
فالمجتمع الم
صري الآن أيضا، بفضل ظروف عديدة، لم يعد بيئة واحدة ولا يعبر عن زمن واحد، فدخول حي عشوائي الآن في القاهرة، هو ولوج في زمن آخر، قيميا وزمنيا، بلا أدني مبالغة، في نفس الوقت الذي تختلف فيه مجتمعات أخري تمثلها مجتمعات الطبقات الأرستقراطية الجديدة، أو مجتمعات الفقر المدقع في أحياء شعبية، أو في الريف، أو في الصعيد، أو البدو في سيناء، وغيرها من مواقع استقرار البدو المصريين بشكل عام. وهو موضوع واسع يحتاج لمراجعات عديدة، من الجانب النقدي الأدبي والجمالي. ومحاولة الأسواني في هذا الصدد، مبتسرة لانحيازها لموقع جغرافي بسيط ومتجانس، لا يعبر بصدق عن البيئات المكانية الحقيقية للهامش الذي يحاول اقتحام المركز.
لكن ما أريد التوقف عنده هنا هو الدلالات التي تعكسها ظاهرة علاء الأسواني، بدءا من تمرير النصين بوصفهما عملين أدبيين مميزين، وإسباغ قيمة أدبية عليهما استنادا للمبيعات الهائلة، في مناخ نقدي أقل ما يمكن أن يوصف به أنه مناخ ضعيف وهش، مرورا، باستثمار الأسواني الظاهرة لمحاولة ترسيخ نموذج دعائي للكاتب، وصولا إلي استخدام الخطاب السياسي والإيديولوجي في تدعيم صورة الكاتب العربي كمناضل سياسي، وترسيخ نموذج النص الأدبي العربي كوثيقة اجتماعية يقدمها للغرب، بينما يستخدمها الأخير بمنطق المتلصص علي الثقافة العربية، كوسيلة إضافية لتأكيد الصورة المعدة سلفا عن العرب كشعوب متخلفة، وكمجتمعات لا يمكن أن تنتج سوي الإرهاب والتطرف، والتخلف، وأن كتّابها لا يمكن أن ينتجوا فنا بقدر ما يمكنهم إنتاج سرديات سياسية عن المجتمعات التي ينتمون إليها. ولعل هذا ما يبرر ابتعاد مؤسسات الترجمة عن النصوص التي تعبر عن نقلات حداثية وتجريبية في الكتابة العربية والسعي للترويج وترجمة نصوص تبرر هوجة الترجمة التي التفتت للنص العربي تأثرا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أعتقد، وفقا لشواهد عديدة، أن نصي علاء الأسواني، ليسا استثناء، وأن ظروف تمريرهما، خاصة نص يعقوبيان، لم تعتمد كثيرا علي المبرر الفني، بقدر ما كانت هناك، وباستمرار مبررات دعائية بامتياز.
فالمعروف أن نص "عمارة يعقوبيان" لم يجد طريقه للنشر بسهولة، لأسباب عديدة، بينها عدم تميز أعمال الأسواني الأولي التي نشرها قبل يعقوبيان، إضافة لأنه كان محسوبا، بشكل أو آخر، علي اليمين الإسلامي، حين كان يكتب في صحيفة الشعب ذات التوجه الإسلامي، في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، وروج لمفاهيم أخلاقية في قراءة النصوص الأدبية، آنذاك.
قبل شهرته تقدم الأسواني لهيئة قصور الثقافة، وتحديدا لسلسلة (أصوات أدبية) التي كان يشرف عليها آنذاك الكاتب الروائي محمد البساطي، بنص رأي فيه البساطي أنه لا يرقي للنشر، لكن الأسواني نشره في طبعة محدودة ثم بعد ذلك بسنوات نشر "يعقوبيان" لدي دار ميريت، وبدأت موجة من الدعاية للنص، بعضها جاء تشجيعا للكاتب، من قبل الصحافة الثقافية المصرية والمسئولين عنها، بسبب جرأته في بعض أجزاء الرواية في نقد مباشر للسلطة، ومن قبيل حمايته ودعمه، وربما تواطؤاً مع رجل استطاع أن يقول ما يرغب آخرون في قوله ولا يقوون عليه فيما يتعلق بنقد السلطة، واحتفاء برجل دمث له علاقات واسعة، ولأسباب أخري، بينها قدرة الأسواني نفسه علي الدعاية لأعماله بشكل جيد، بحديثه المستمر- استباقا- عن أرقام توزيع رواياته، وعبر سلوكيات دعائية عدة، بينها السبق في نهج لم يسبقه إليه كاتب آخر عن إعلان الكاتب لأرقام مبيعات كتبه، وإقامة حفل في الجامعة الأمريكية جاء فيه الفنان عادل إمام ليعلن أنه قارئ ممتاز لم يكن يترك ورقة صحيفة في الطريق إلا وقرأها! ليعلن لنا بعد ذلك أنه بعد قراءة يعقوبيان اكتشف أنه أمام رواية عظيمة، وكذلك فعلت الفنانة نادية لطفي في الحفل ذاته، وجلال أمين، وغيرهم.
ثم الإعلان عن بيع الكتاب للسيناريست وحيد حامد لتحويله لنص سينمائي، قبل فترة طويلة من إنتاج الفيلم، كما اتخذت الاستراتيجية الدعائية تحويل أفلام وثائقية تسجيلية عرضت في قناة النيل للأخبار، في بدايات صدور الرواية، من موضوعها الرئيسي وهو عمارة وسط البلد لتصبح، فجأة، مختصة بعمارة يعقوبيان، دون غيرها، وغير ذلك الكثير من وسائل الترويج والتسويق، دون إغفال أن النص، أو الحالة، وجدت هوي في نفوس متلقين كثر.
بينما أعتقد أن ما يكتبه الأسواني، من منظور تأريخ تطور النص السردي المعاصر، نص ينتمي لزمن قديم من زمن السرد المعاصر، ويتنافي تماما مع كل ما أنجزته معاول الحداثة الروائية علي يد جيل الستينيات وما بعدها.
فهو نص مشوق، يعتمد تتابع الحكاية، في بناء كلاسيكي، يعتمد مضمونا ينتمي لتصورات الرواية الرومانسية، من حيث تصوير شخصيات شريرة وأخري طيبة دون الولوج لعمق الشخصيات ومحاولة كشف تعقد النفس البشرية كما يجب أن يعكسه الأدب، وتغيب عنه الرؤي الفلسفية التأملية، وهو ما يكشف عن وعي ذي بعد واحد بمفهوم الرواية التي يقول عنها الروائي الفرنسي التشيكي ميلان كونديرا:"روح الرواية هي روح التعقيد. كل رواية تقول إلي القارئ ليست الأمور بسيطة كما تتخيل، وتلك هي الحقيقة الخالدة، لكن أصبح من الصعب سماعها وسط ضوضاء الإجابات السهلة السريعة التي تأتي أسرع من السؤال وتمنعه من القيام بدوره".
أما القراءات الاجتماعية التي تطوع بها بعض المثقفين، أو بعض القراء الأخلاقيين للأدب، فلا تقدم كثيرا لمدلول النص جماليا، وهذا بيت القصيد، وأضرب المثل بيعقوبيان لأنه النموذج الأبرز لظاهرة تسويق الكاتب لنفسه في أكثر أنماطها فجاجة.
هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، أن الأسواني قد بذل جهدا في كتابة نص مشوق لجمهور بسيط واسع، عن وعي كامل بما يفعله. ولعله، علي قناعة بأن ما يكتبه أدب كبير، أو لعله أقنع نفسه بذلك متخذا من شواهد "البيست سيللر" دليلا دامغا، لكن ذلك لا يكفي، مهما بلغ الضجيج الإعلامي، ومهما تفنن المسوقون والمروجون. بل بالعكس، فقد كان الأكثر مبيعا علي مدي تاريخه الأكثر مدعاة للريبة والشك لخضوعه لشبهة التجارية، لأن الأدب الكبير يعتمد أولا وتاليا علي إنجاز الكاتب في نحت لغة خاصة به، وأسلوب خاص، وفكرة عميقة، ولا أظن ذلك قد تحقق في نصوص الأسواني. أما التواجد الإعلامي والحضور الجماهيري فلا يعني كثيرا لمسيرة النص الفني.
في الولايات المتحدة سنجد أن كاتبا مثل دان براون صاحب "شفرة دافنشي" قد باع من كتبه عشرات الملايين، لكنه لا يصنف أدبيا مع كبار الكتاب أمثال فيليب روث، أو بول أوستر، كما لا يقارن أيضا بهيمنجواي أو ميللر، ولا يزعم هو أكثر مما يفعله.
الشاعر اللبناني أنسي الحاج له مقولة يقول فيها :"وغداً، بعد أن تختفي أصوات كثيرة وينحسر الموج، سيماط اللثام عن جواهر قليلة في قعر الجرّة المقدّسة". وأزعم أن كثيرا مما يطنطن له الآن لن يكون في قعر تلك الجرة».
ظاهرة علاء الأسواني، في الوقت نفسه، تستحق التوقف، لدلالاتها، في تغيرات صورة الكاتب، التي كان أبرز تجلياتها نموذجين أساسيين في مصر هما نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وقد كان لكل منهما أشياع وأنصار، يتحمس الفريق الأول لكاتب دءوب، يعتبر الكتابة جزءا من معني وجوده، يكرس لها حياته وينظم إيقاع الحياة لأجلها، بينما أشياع الثاني ينتصرون لما يسمونه وحشية الموهبة، والقدرة علي التقاط الأفكار الكبيرة من مشاهد الإنسانية وتكثيفها بروح الفن، والتقاط لحظات التناقض العميق في التركيبة النفسية للبشر، وصوغها قصصيا.
وأيا ما كان أمر الكاتبين فقد كان كل منهما امتداداً لتراث طويل من الكتاب الذين قدموا صورتهم كمنتجين للأفكار، وداعين للقيم العقلية والليبرالية، وتحرير العقل المصري من أوهام الغيبيات، ولم يكن أي منهم مسوقا لنفسه كصاحب سلعة، فهذه تركوها للناشرين والجهات المختصة، وإنما كان كل منهم يعي جيدا أنه مفكر في المقام الأول، ومنتج أفكار، وليس خبيرا في التسويق. فلم نسمع يوما أن ذكر محفوظ أن كتابا من كتبه طبع أكثر من 14 أو 15 مرة، مثلا، رغم أن ذلك تكرر كثيرا لعدد كبير من أعماله في وقت كانت الطبعة من الكتاب تتجاوز 5000 نسخة.
فمحفوظ وأمثاله كانوا امتدادا لجيل ذهبي من منتجي الثقافة والفكر، من أمثال سلامة موسي، عباس العقاد، طه حسين، توفيق الحكيم، يحيي حقي، وزكي نجيب محمود وغيرهم من كبار الكتاب والمفكرين. وكان أي لقاء إعلامي مع أي منهم بمثابة مساحة للتعرف علي أفكار جديدة، لا تخلو من العمق، وليس مجرد خطاب دعائي، وسياسي مباشر.
امتدت الظاهرة لتخلق حالة من التشوش الإبداعي التي أسهمت في دخول حقل الكتابة يوميا من قبل مدعين يكتبون نصوصا صدرت وتم الاحتفاء بها، واختلط حابلها بنابلها، بينما لا ترقي للمنافسة مع أي نص إبداعي كبير مما يشيع في الغرب، ومما تناوله هذا الكتاب من مثل أعمال بول أوستر أو يوليا فرانك أو فريدون زايموجلو وغيرهم.
إن الظاهرة، في الحقيقة، تكشف زمنا يسعي فيه البعض من المحسوبين علي الوسط الثقافي لتحويل دور الكاتب من كونه صاحب دور طليعي، ورؤي كاشفة، وعميقة، إلي واجهة إعلامية، وسيلتها صورة كاتب يستخدم خطابا ليس مهما محتواه، أو مدي عمقه، ويستخدم نسيجا لغويا دعائيا يداعب مشاعر الجمهور.
كما أنها تروج لفكرة ربط الخفة والبساطة والحكي المباشر بانتشار العمل الأدبي، وتقدم نموذجا فجا للدعائية، صورتها نجومية الكاتب بأسلوب مستدعي من نجوم الفن والسينما، بعيدا عن صورة الكاتب الأصيلة، كمفكر، مطلع علي آداب العالم، قادر علي التقاط المعاني مما يراه.
فعلي مدي تاريخ الأدب المعاصر، كان هناك رواج لكتاب من أمثال إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ثم إسماعيل ولي الدين في عمله التجاري حمام الملاطيلي، وكان محفوظ وإدريس موجودين، لكن المناخ النقدي كان يضع كل نوع من تلك الأعمال في مكانه الطبيعي، ولم يفسر انتشار أعمال إحسان بين الجمهور خاصة المراهقات، أو رواية ولي الدين، بأنه دليل أو معيار قيمة، وهذا ما نبتغيه الآن وهنا.
صحيح أن ظاهرة الأسواني لها ميزة إيجابية تمثلت في استعادة الجمهور للقراءة، وهو جمهور كان موجودا ينتظر مناخا يوفر له الكتاب عموما، لكني أظن أن الأدب الرفيع هو الذي سيستفيد مما قدمه علاء الأسواني بترويجه لرواياته.
لا أعني هنا أنني أنفي حق أي شخص أن يصبح مليونيرا أو مليارديرا لو شاء، من الكتابة أو غيرها، فهذا شأنه، وحقه أيضا، كما أنني لست ضد أن يوزع مئات الملايين من النسخ، فليستمتع من يرغب من القراء بقراءة هذا النص أو ذاك، وليروج هو كما شاء، لكني فقط ضد ترجمة الشعبوية بالقيمة.
......

ابراهيم فرغلي

(مجتزأ من كتاب شهوة الكتابة لابراهيم فرغلي )

والذي يصدر قريبًا عن دار العين للنشر

نشر مؤخرًا في جريدة البديل

عدد 30 مارس 2009


الثلاثاء، 7 أبريل 2009

مقدمة كتاب"احترس .. مصر ترجع إلى الخلف"

قارئي العزيز.. تحية طيبة.. وحشتني.. رغم لقاءاتي الدائمة بك على صفحات الجرائد وفي الندوات العامة أو حتى في محاضراتي..المهم وحشتني والسلام.. وبالمناسبة أهدى كتابي الجديد إليك.. لأنك صاحب الحق الأول والدائم في الاطلاع على ما أكتب.. وصاحب الحق "كمان" في قراءة كلمة مخلصة يحاول صاحبها جهده ما استطاع كشف وتحليل ما يمكن أن يغمض علينا فيما يجري لنا وما يحدث حولنا في مصرنا..!
مصرنا التي دائمًا ما كانت تتغنى بها "أمي" أمامي وأنا طفل صغير في مقاطع شعرية مازلت أذكر بعضًا من كلماتها تقول.. (مصر العزيزة لي وطن.. وهي الحمى وهي السكن..).. ترى لو عاشت"أمي" ليومنا هذا ورأت ما نراه من لخبطة وأحست بما نحسه من تشتت داخل الوطن وشمت ما نشمه من فساد في الحمى والسكن.. فساد نعرف جميعًا أوله ولا ندري آخره.. أكانت سوف تردد نفس المقاطع الشعرية في حب الوطن؟!.. أظن أنها كانت ستفعلها وتردد نفس المقاطع وتحاول معنا.. كما نحاول جميعًا أن تعود مصر وطنًا للجميع وحمى وسكنًا لكل من يعيش تحت سمائها..!
قارئي العزيز.. كتابي هذا يبدو تتمة لما بدأته في كتابي السابق" مصر المفروسة" محاولة لرصد وتحليل ما يموج به بطن الشارع المصري من سلوكيات طفت على وجه الحياة المصرية وكنا نظن أننا أبعد الناس عنها.. وتعليقات على أحداث وقرارات وأقوال حكوماتنا.. المتعاقبة علينا بلا سبب واضح لمجيئها أو لرحيلها.. وتسجيل ما يردده العامة قبل الخاصة عن أحوالنا وهم يضعون أيديهم على قلوبهم منتظرين مصيرًا لنا جميعًا لا يتفاءل الكثيرون به..رغم أننا لا نملك رفاهية عدم التفاؤل.. فالتشاؤم عملة ليس لها رصيد وإن بدا في أحيان كثيرة ضرورة للفت الانتباه وأخذ الاحتياطات لمواجهة الفساد والقصور البيّن في محاربته حتى لا يودي بنا جميعًا ويوردنا مورد التهلكة..!
ولا أخفي عليك قارئي العزيز فأحداث الشارع المصري متلاحقة ومتباينة ولا تنتهي.. أثبتُّ منها ما تبين فيه وجه الفساد جليًا واضحًا وما لا يتطرق إليه الشك من أنه "ضحك على الدقون".. وتركت قضايا فساد جد عظيمة لكنها ما زالت حتى الانتهاء من كتابي هذا أمام القضاء..ومع ما تركته من ظواهر وأحداث خفت من الاسترسال في رصد ما رصدته ومتابعة ما تبعته من الظواهر التي يموج بها الشارع وأربكت عقولنا حتى لا يثقل بها الكتاب نتيجة الاسترسال فيها ويؤول أمره إلى ما يشبه سفينة "نوح" لتخمتها وتنوع ما عليها والحاجة إلى إنقاذهم..كما خشيت جدًا أن يصبح الكتاب موسوعة لأوجاعنا ينوء بقراءتها أولو العزم من قرائنا..فاكتفيت بأن يكون دفتر أحوال مصريًا خفيف الظل في عرضه لقضايانا.. ورغم ما فيه من رصد على البارد لمفاسد جرت في حياتنا مجرى الدم في عروقنا وسلوكيات يبدو في الظاهر أننا نرفضها لكننا لسبب أو لآخر نفعلها.. أظن سوف يسعد القارئ بعرضها بأسلوب لا يخلو من سخرية وفكاهة تساعدنا على تقبل عيوبنا وتصلح ما يمكننا إصلاحه.. وما أتعس ألا يهدي إلينا أحدهم عيوب أنفسنا..!
وحاولت جهد المستطاع في كتابي هذا لملمة ما دونته ونشرته يومًا، وما وضعته خصيصًا لهذا الكتاب.. شارحًا ومبينًا وناقدًا للعديد من ظواهر حياتنا التي تقلقنا جميعًا، وإن تخوف البعض قائلاً:إننا اكتفينا بالقلق ونسينا الفعل حتى نبدد به قلقنا.. وحين جمعت ما دونت وما كتبته خصيصًا لك قارئي العزيز وللكتاب الذي استقبلته بين يديك الكريمتين الآن.. أحسست كأن كتابي هذا "جمل الغجر" جمع وحوى كل ما يمكن جمعه واحتواؤه فوق ظهره من ظواهر سوف يراها البعض غير مترابطة.. لكنها تشد بعضها بعضًا.. ولو أطلنا البال قليلاً.. وأمعنا القراءة طويلاً فيما حواه الكتاب من ظواهر مصرية خالصة متباينة.. فسنجد أنه لا توجد ظاهرة نحياها تسبب فيها عامل واحد.. وإنما تتضافر فيها عديد من العوامل والأسباب لتنتج لنا مجتمعًا متماسكًا من الفساد يشدنا للرجوع والتقهقر إلى الخلف..حتى ما بدا أنني كتبته بعيدًا عن ظواهر الحياة المصرية وما تموج به، لو أمعنا النظر فيه سنرى أنه يساهم بشكل أو بآخر في تعقد ما نحن فيه.. ونسأل الله العفو والعافية لتحمل ما يجري باسم التقدم والتنمية وتشجيع الاستثمار وتعمير الصحراء بالمدن الجديدة والديمقراطية الآتية على متن البوارج..!
ويظل أنقى وأجمل ما في ظاهرة الفساد- أي والله أجمل- أنها تتجلى في عدة صور أمامنا يستحيل إخفاؤها.. ولو أحضرنا "طاقية الإخفاء" من قبرها القديم ما استطعنا حجب آثار الفساد ولا حتى رائحته التي تزكم الأنوف وتشرد الملايين..كما أننا لا نحتاج في بحثنا عن الفساد إلى الرجوع لملفات البعض ممن أصبحوا "غصب عنا" من كبراء قومنا.. فقراءة الواقع والتمعن في مناصبهم وثرواتهم التي تنامت في ظل مناصبهم، وفي ظل فقر مدقع رفرف بجناحيه علينا غالبية شعب المحروسة.. تدلنا إلى أين وصل بنا الفساد وبرك على أنفاسنا وبلا رحمة..!
من هنا سجلت ما رأيته من فساد وما عشته وما زلت أعيش فيه وكأنني أنبه وبأعلى صوت " احترس..مصر ترجع إلى الخلف"..ترجع عن كل منجزاتها ومكاسبها بقوة فساد ثلاثية.. لذا ندعوكم للوقوف دقيقة حدادًا وترحمًا على من قضى أمرهم وضاعت أرواحهم الطاهرة بسبب الفساد في البر وفي البحر.. ولنلتفت ونحترس لما يدبر لنا وفي وضح النهار.. ومن
لا يلتفت ويحترس فسوف يتركهم يعيثون فينا فسادًا، ونصبح عبرة لمن لم يعتبر॥ فأرجو أن نحترس ونقرأ ونعتبر حتى لا نصبح عبرة.. وحتى لا يكون ما نحياه ومكرهين عليه مقدمة بلا مؤخرة تحاسب من يستأهل المحاسبة وتعوضنا عن سنوات الهوان والفساد..!

...
مقدمة كتاب "مصر ترجع إلى الخلف"
لد.محمود عطية
وقد وردت تحت عنوان"مقدمة بلا مؤخرة"
الكتاب يصدر قريبًا عن دار العين للنشر

الأربعاء، 1 أبريل 2009

مجتزأ من رواية "وراء الفردوس" .. لمنصورة عز الدين

"لا أمل فيك ِ. لن تنضجى أبدًا. لن تصيرى شخصية واقعية على الإطلاق".
اعتاد أن يقول لها في السنة الأخيرة من عمر زواجهما القصير. أصبح يتعامل معها كأنما تمثل الشرق بينما يمثل هو الغرب، والشرق والغرب لا يلتقيان كما أكد كيبلنج!!
- ظيا أنت مش غربى أصلاً، وأنا مش بأمثل غير نفسى. أنا حتى مش بأمثلها ولا فهماها.
لا يرد عليها رغم انزعاجه من تأكيدها أنه ليس غربيًا. هو يكره من يذّكره بشرقيته، يقدم نفسه دومًا باعتباره بريطانيًا، ويجهد نفسه طوال الوقت للتخلص من أى لكنة باكستانية قد تشوب إنجليزيته التي ينطقها بلهجة أكسفورد المترفعة، وحين يندهش من أمامه من ملامحه الشرقية وسمرته الجميلة، يوضح مضطرًا أن والديه من باكستان. أمه من الباشتو وأبوه كشميرى.

هو الذي غادر كشمير الباكستانية في عمر الخامسة مع والديه إلى إنجلترا يقول أن لغة الباشتو التي اعتاد أن يسمعها من عائلة أمه حين كان يزورهم معها قبل الهجرة ما يزال صداها يتردد في ذاكرته كموسيقى غامضة. من وقت لآخر يسمعها في ذهنه كأغنية شجية تذكره بسنواته الخمس الأولى.

أحبت فيه سلمى تلك النعومة الخفيفة التي تؤكد ذكورته ولا تنفيها، شغفه بها الذي لم يحاول أن يداريه منذ أن وقع بصره عليها لأول مرة. لم تكن قد انتبهت بعد لتناقضاته العديدة.
معه تعرفت على جسدها واقتربت من نزواته ونوبات شغفه وشهوته. انغمس كلاهما في الآخر بسرعة أدهشتهما معًا.
حين أخبرت والدها برغبة ظيا في التقدم لطلب يدها، انزعج بشدة وصرخ في وجهها، بل حتى هم أن يضربها. إذ كيف تجرؤ على الزواج من شخص أجنبى على غير ديانتها؟ شرحت له بالتفصيل الممل أن ظيا مسلم من باكستان، وأنه فقط يعيش مع والديه في إنجلترا ويحمل جنسيتها. قالت له أن اسمه ظيا هوالتحريف الباكستانى لاسم "ضياء" العربى. فطلب أن يراه ويتحدث معه أولاً.
وافق على الزواج عندما لمس إصرار ابنته المدللة على الرغم من المعارضة الشديدة لشقيقها خالد. تعاطف رشيد مع الحب العنيف الذي لمسه بين ابنته وذلك الأجنبى الغامض بالنسبة له، ظن مثل آخرين أن الحب هو أكثر الأشياء قوة في العالم، لم يخبره أحد من قبل أنه أيضا أكثر الأشياء هشاشة.

كانت سلمى معوقة بطريقتها الخاصة. تمثلت إعاقتها في عدم وعيها بجسدها أو إحساسها به. امرأة في الثلاثين بجسد مثير عامر بالمنحنيات والاستدارات، إلا أن وعيها به كان وعى طفلة صغيرة بجسدها الغض. بدت دائمًا كأنما نما جسدها ونضج في غفلة منها ومن إحساسها به.
كانت ترتبك إذا أطال أحدهم النظر له، تشعر أنه يلسعها بنيران غير مرئية، لكنها حامية. ترتبك بالأساس لأن ذلك يؤذى تلقائيتها في التعامل مع نفسها، يخرجها عن طفولة حواس ارتضتها وتواءمت معها.

لم يكن هذا يضايقها، إلى أن بدأت علاقتها بظيا، في البداية أعجبه ذلك. ظنه نابعًا من تحرر شديد ومن عدم الوقوع في أسر فكرة الجمال بشكل مطلق. رآها غير منتشية بجمالها أو حتى مكترثة به، هي جميلة لأنها لا تدرك أنها كذلك، كما أخبرها.
غير أنه فيما بعد بدأ يدرك مشكلتها بشكل أعمق، كونها حالة فرويدية بامتياز مثلما اعتاد أن يردد بيقينية تجرحها.

بعد انطفاء جذوة الشغف الأولى التي أنستها مشاكلها مؤقتًا، تحولت العلاقة بينهما تدريجيًا إلى شىء مقيت يضغط عليها، كان جسدها يتمرد، بخرسه وحياده وبروده. لا يستجيب للمساته أو مداعباته، تحول إلى جسد ميت، كأنما ينتقم منها ومنه على طريقته الخاصة. بموته كان يحيل جسد ظيا هو الآخر لجثة غير قادرة على إشعال الرغبة فيها.
في السابق كان يكفي أن تراه أو تتابع حركات يده وأصابعه التي يمررها من وقت لأخر فوق رأسه كى تشتعل رغبتها. ربما سيندهش ظيا إذا عرف أن أصابعه الطويلة الرشيقة إضافة لنظراته المفتونة بها كانا أول ما جذبها إليه.
أما الآن فلم تعد حتى قادرة على استعادة ذكرى النيران التي كانت تشتعل في جسدها بمجرد أن يلمسها.
تستعيده فقط عبر ابتسامته اللطيفة، والهدوء الذي يتعامل به مع أعقد المواقف. عبر قراءته لأشعار أبى نواس بعربيته التي تضحكها من فرط ركاكتها. تستعيده قبل كل شىء بروائح القرفة، الكركم، العُصفر، والزعفران وبهارات الماسالا.. بالنكهة الحريفة للأطعمة الكشميرية والباكستانية التي اعتاد أن يتفنن في إعدادها مستخدما زيت الخردل معها جميعًا: دجاج جالفريزى، مرقة الباذنجان باللوز، ماسالا الدجاج.

أخبرها ذات مرة أن المطبخ وروائح البهارات المميزة هما أشد ما يربطه بثقافته الأولى. حين يقف في المطبخ كعادته لإعداد أحد أصنافه المفضلة، يشعر أنه في بيت والديه في مانشستر، بل حتى في بيوت أقارب أبيه في كشمير، تلك البيوت التي لا يتذكرها، إنما تتسرب إليه من وقت لآخر عبر روائحها المميزة.

كان يندهش من كرهها لرائحة القرفة، والكركم، ولمذاق الشاى الأخضر والزنجبيل، من توجسها من المأكولات الغريبة عما اعتادت عليه. بالنسبة له الرائحة والمذاق هما المدخل الأول لجنة الحواس، وهي لن تتعرف على جسدها ورغباتها بشكل صحيح، إذا لم تفتح كل مسامها للمذاقات الغنية وروائح الطعام المثيرة.

كانت تقف بجواره وهو يطهو، فتتعجب من استغراقه التام فيما يقوم به، ينسى وجودها أحيانًا، ويندمج بكليته في طهي مكلل بموسيقى شوبان المنبعثة من الكاسيت في حجرة المكتب. فور زواجهما سافرت معه إلى مانشستر للتعرف على أسرته. ذكرتها والدته بعمتها نظله، الهدوء نفسه، والقراءة المستمرة في القرآن، والطرحة البيضاء التي تغطى بها شعرها.

أعدت لهما الأسرة بمناسبة الزواج وليمة "وازوان" ، أحبت سلمى الطقس المصاحب لأكلها، في مجموعات من أربعة أشخاص. أعجبها أن تشارك في هذا التقليد الكشميرى البحت في آخر مكان تتوقع فيه ذلك وهو إنجلترا. تغلبت مؤقتا على توجسها من الأكلات الغريبة عليها، ربما بسبب طابع المرح الذي غلّف المناسبة.
أحبت من بين أصناف الوازوان الريستا بشكل خاص، أو كرات لحم الضأن المطبوخة في صلصة مرق اللحم، وحين جاء دور الجوشتابا في نهاية الوجبة كانت قد أتخمت من الأصناف السابقة، كما لم تستسغ كون كرات لحم الضأن في الجوشتابا مطهوة في صلصة مرق اللحم المغطاة باللبن المتخثر. بدا لها خلط لحم الضأن مع اللبن المتخثر أمرًا مثيرًا للغثيان.
كانت على وشك إعلان انتهائها من الأكل مع تقديم الجوشتابا، إلا أن ظيا همس لها بأن رفضها الأكل من الجوشتابا يُعد إهانة تجرح مشاعر من قام بإعداد الوازوان. فضغطت على نفسها وأكملت تناول الطعام من دون رغبة حقيقية.

ربما كان ظيا سيصبر على سلمى لو اقتصرت المسألة على برودها معه في السنة الأخيرة من عمر زواجها، لكن ما عجّل بنهاية علاقتهما هو عدوانيتها الشديدة تجاهه، رفضها لأى كلمة يقولها، تمسكها بأوهامها، وتصديقها لها أكثر من الحقائق نفسها.
كان من الطبيعى بالنسبة لها أن تحاسبه حتى على أحلامها، إذا حلمت بأنه يخونها مع أخرى، تقضى الصباح في استجوابه، والتشكيك في إخلاصه لها. وينتهي الأمر ببكاء هستيرى أصبح لا يطيقه، ولا يفهمه.

وعلى الرغم من انفصالهما قبل عودته نهائيا إلى مانشستر، أخفت سلمى خبر الانفصال عن والدتها وعمتها، أخبرت الجميع أنهما يمران فقط ببعض المشاكل، وأنها سوف تلحق به في أقرب فرصة.
وهي في بيت أبيها منغمسة فيما اعتبرته رواية تكتبها، حلمت به ذات ليلة، كان يصلى في صالة البيت، على الرغم من أنه لا يصلى في الحقيقة. كان الحلم مغلفًا بروائح البهارات التي اعتاد أن يستخدمها في الطهي، وكانت تشعر براحة عجيبة، تشبه تلك الراحة التي كانت تحسها في بداية علاقتهما. وفجأة بدأ وجهه يتبدل ليحل محله وجه خالها مصطفي. في لحظة يكون الشخص المصلى هو ظيا، وفي التي تليها يصير مصطفي.

حكت سلمى لعمتها نظلة حلمها مع إغفال التفصيلة الأخيرة، فأخبرتها عمتها أن ظيا سوف يعود لها قريبا، وسوف يعيشان معًا حياة مستقرة. فصلاته في بيت أبيها تشير إلى هذا. تذكرت سلمى تفصيلة تحوله إلى خالها مصطفي في نهاية الحلم، فأخبرت عمتها بها. قطبت نظله حاجبيها، وأخبرت سلمى بحزن أن هذا التحول يعكس معنى الحلم تماما. لأن"الخال" في الحلم ينبع من "التخلى"، وهذا معناه أن ظيا سيتخلى عنها.
........
رواية جديدة لمنصورة عز الدين
تصدر قريبًا عن دار العين للنشر

مجتزأ من رواية أبناء الجبلاوي لابراهيم فرغلي


شقت الصرخة صمت الليل، فانتفضتُ. صرخة كئيبة ملتاعة، مثل ومضة في سماء معتمة. انتبهت حواسي جميعًا، وسرعان ما رعَدَت الصرخة مرة أخرى. لكنها بددت انطباعاتي الأولى عنها. ليست صرخة ألم؛ بل لغة شهوانية لروح ترفل في نشوتها، إشارة حسية تكتسي صوت امرأة، شهقة جسد يكتشف لذته، متوسلاً صوتًا بدائيًا ضاربًا في القدم، تعود جذوره إلى بذرة اللذة الأولى. نعم ليس هذا الصوت سوى آهات حارة تطلقها امرأة في أوج لذتها.
من أين يأتي الصوت؟ من جهة نافذة غرفة النوم على الأرجح. توجهت صوب الغرفة، ببطء، بينما أسترق السمع. اختلست النظر عبر فتحات الشيش المتتابعة. نوافذ البناية المقابلة كلها مغلقة، ومعتمة. كيف استطاعت هذه السيدة أن تتخلى عن خجلها وأصول اللياقة، مطلقة العنان لشهوتها الفضائحية على هذا النحو؟
لكن أليست نبرة الصراخ هذه مألوفة على نحو ما؟ أليس هذا هو صوت....؟! لا، لا. الأصوات تتشابه، خاصة تأوهات النساء في غلمتهن.
ألقى بي الصوت في لهيب الشهوة، ونيران الغضب المتراكم من فقدان الصبر. خرجت إلى الصالة. نظرتُ باتجاه ساعة الحائط الخشبية العتيقة على الجدار. بدأتْ متوالية: القلق، التوتر، ثم الغضب. هذه هي المرة الثانية، على التوالي، التي تتأخر فيها على الموعد دون أن تعتذر.
ليس لديَّ طاقة لتبرير غيابها هذه المرة. الفعل الوحيد الذي استطعته هو إشعال سيجارة، بينما أواجه الوقت الضائع بانتظار عجول يفتقر لفضيلة الصبر.
للحظة أدركت إمكانية مقاومة الزمن الضائع، والتعامل معه بوصفه زمنًا حقيقيًا، وشحذت مخيلتي:
بدأتُ بتخيل الثياب التي قد يروق لها أن ترتديها. اخترتُ لها تَنُّورتَها "الجينز" القصيرة؛ التي تبرز جمال ساقيها؛ ذاتا السمانتين المدملجتين، "تي شيرت" ملون بالأرجواني والأبيض والأزرق والأخضر، بلا أكمام؛ ما يتيح لي تأمل كتفيها العاجيين، بتكوينهما الفاتن. ستعقص شعرها الأسود الطويل، وتترك خصلات من أطرافه تنسدل على الكتف.
تخطو الخطوات القليلة الفاصلة بين الباب والأريكة المواجهة لباب الشقة، بتؤدة وهي تلهث. تغمض عينيها وتقول بنبرة عتاب هامسة: "مش هتصلحوا الأسانسير بتاعكم ده؟"، وقبل أن أجيب ستسألني أن أحضر لها كوب ماء. سأقترب منها لأداعب وجنتيها، لكنها، ستمسك يدي بحسم، وتؤكد لي أنها عطشانة.
بوصولي للثلاجة سيأتيني صوتها بكلمات مبهمة. أحاول كتم ضحكتي في أثناء إجابتي عليها بأنني لا أسمعها جيدًا؛ إذ أعرف أنها تحاول إثبات معاناتي متاعب في السمع، منذ مازحتها مرة، بقولي أن سمعها ضعيف، في إحدى سهراتنا الصاخبة.
لم تقبل الدعابة. اعتبرتها محاولة للسخرية منها. وتحولت السهرة من المرح إلى العتاب. لاحقًا، وفي مناسبات عديدة، كانت تتعمد أن أبتعد عنها، لترفع عقيرتها بكلمات بلا معنى، وإذا طلبت منها أن تكرر ما تقوله، تهز كتفيها بلا اكتراث وتقول، وملامح الضيق مرسومة على وجهها: أنها ليست مستعدة لتكرر ما تقوله عشرات المرات حتى أسمعها.
ستتردد ضحكتي في الطرقة الطويلة الخالية من أي أثاث. سأندهش قليلاً من وقع صوت الضحكة التي تنتهي بقعقعة يعقبها صرير. أعود بالكوب الزجاجي، وزجاجة المياه. أصب لها الماء في الكوب وأقدمه إليها فتلتقطه متحاشية تلاقي عينانا.
ستمد لي يدها بالكوب الفارغ. سأسألها بينما أتأمل جمال ساقها المرفوعة فوق الأخرى: "عايزة مايَّه تاني؟" فتسدد لي نظرة عتاب قاسية. عندئذ سأدرك أنني نقضت عهدنا بالتحدث باللغة الإنجليزية فقط، وهذه قصة يطول شرحها على أي حال. ولعلني سأعاود السؤال بصيغته المثلى بالنسبة لها: "هل تريدين مزيدًا من الماء؟" وستهز رأسها بالنفي.
تدرك أنني بسؤالي أتعجل انتقالها من مكانها هذا إلى الغرفة في الداخل. فهي تعرف كراهيتي للانتظار المتلكئ في الركن المواجه للباب؛ متوترًا، بلا أدنى قدرة على التجاوب معها، خوفًا من الجيران، الذين لا أشك في أنهم يتنصتون علىّ كلما سمعوا صوتًا نسائيًا يتردد في الشقة، خاصة بعد انتقال أمي لدار المسنين.
لكنها ستستمر جالسة في مكانها حتى يصيبني الملل. لن أبدي تذمرًا، حتى لا تستفزني بأي كلمة. سيتوتر الموقف. أتجه للغرفة مستفزًا، فتقرر المغادرة من دون أن تودعني أو تنطق بحرف.
بطرقة الباب الصاخبة المستفزة تعلن رحيلها. وتنطلق إشارة البدء لمرحلة من التوتر والترقب، ومحاولات الصلح العبثية، بعد يومين كاملين لا ترد خلالهما على هاتفي.
ما الذي يجعلني ألتصق بها طالما أنها تتقمص دور القنبلة الموقوتة هذا، توشك على الانفجار في كل لحظة؟ أستمتع معها بممارسة الجنس؟ لا أعتقد، لأنني لا أمارس معها سوى حالة من مراقبة جسدها العاري، كأنني فيتيشي تلصص، وهذه قصة أخرى.

لأكن أكثر دقة وأقول أنني أحب جسمها. كنت أظن أنني أحب النحيفات، لكني تبينت؛ أن جسدها المدملج المكتنز، هو الجسد النموذجي. ثمة مسحة عاطفية في تعريها، فيض من تيار عاطفي خفي يشع من الجسد، ويستفز التعاطف والحنو، مع حس إيروتيكي، تفصله شعرة عن الاهتياج الشهواني. فكرت كثيرًا في ذلك، خاصة وأنني استسلمت لقانونها الذي يمنع اللمس بلا كثير من الجدل.
ربما لأن روحها تتحرك في مساحة أكبر، قد لا تتاح لأرواح النحيفات. أو لأن الجسد المبطن بالدهون يشحن صاحبته عاطفيا بدرجة أكبر من الجسم الجاف الخالي من الدهون. سمعت هذه الجملة في أحد الأفلام. لم أعد أذكر منه شيئًا سوى هذه الجملة.
استهواني التناقض الحاد بين لون بشرتها القمري، ولون شعرها الذي يذكرني بلون الكحل، والليل. هل يكون للتناقض في شخصيتها دور في إجابة السؤال؟ لماذا أحبها؟ يظل سؤالاً استثنائيًا، ليس في حالتي معها فقط، وإنما في تاريخ العواطف البشرية. وإجاباته، على تنوعها ليست سوى محض افتراضات.
هل أنتظرها الآن لاشتياقي إلى فعل الحب معها؟ لكي أستمع إلى صرختها الأخيرة التي تكتمها طوال فعل الحب الاستعرائي، الذي تفرضه علينا، ولا تطلقها إلا بعد وصول جسدينا -افتراضيا- إلى الذروة؟ الإجابة هنا بالنفي التام. فغريبة أطوار مثلها؛ لها دائمًا شروطها الخاصة، وفي هذه الحالة هو"ممنوع اللمس"؛ أي أن فعل الحب معها ليس سوى عملية افتراضية محضة.
أم تراني أشتاق لعريها؟ لجوع عيني وهما تلتهمان جمال الجسد العاري. للألفة التي لم أعرفها مع غيرها؛ حيث أستمع لثرثراتها التافهة بشغف، وبالحوارات المطولة بيننا التي قد تبدأ بالشكوى من مشكلات العمل، ثم نمائم الصحف، وطرائف الفضائيات أو عجائبها، وتمر على الترجمة والأدب، وتطل على السياسة، ومنها إلى الحب والجنس.
هل أحبها؟ كان السؤال ملحًا. لكني ابتسمت لأنني لم أسأله لنفسي في مواجهة مرآة الحمام، التي أدقق فيها النظر، عادة، مواجهًا نفسي بالأسئلة الصعبة التي أجيب عنها بلا مراوغة.
هي الآن تعرف، بيقين كامل، أنني أنتظرها؛ متوترًا. أذرع الشقة يمينًا ويسارًا، أحترق بخيبة الأمل، بينما هي، من مكان قصي، تنتشي باحتراقي في شهوتي وقلقي.
انتقلت إلى غرفة المعيشة القريبة لمدخل الشقة، رفعت صوت التليفزيون. كانت الشاشة تعرض برنامجًا حواريًا على قناة الجزيرة. قلبت القنوات حتى لمحت "روبرت دي نيرو"، فانتبهت، وقررت أن أتابع الفيلم حتى النهاية.
غفوت في أثناء عرض الفيلم. استيقظت على رنين الهاتف الموجود في غرفة النوم، فاتجهت إليها بخطوات متعثرة. رفعت السماعة وكان صوتها الناعس مفاجئًا ومربكًا ببحته المثيرة. هذا ما يحدث لصوتها عندما تكون مستثارة. برق في ذهني خاطر أنها مرت بعلاقة جسدية مع شخص غامض لا أعرفه.
قالت: "مساء الخير". "مساء الخير". "إنت كنت نايم؟". "أيوه". "آسفة إني صحيتك، بس أنا راحت عليَّ نومة، أصل كنت تعبانة شوية، ماعرفتش إنك اتصلت إلا لما صحيت". "سلامتك". "الله يسلمك". "أنا آسفة، بس كان لازم اعتذر لك، وكمان في حاجة غريبة حصلت". "خير.. إيه اللي حصل؟". "إنت ما شفتش تليفزيون النهاردة؟". "لأ". "معقولة؟". "ما كانش عندي وقت، خير؟ قولي لي إيه اللي حصل". "أصلهم بيقولوا إن روايات نجيب محفوظ اختفت من البلد!". "إيه ؟ يعني إيه اختفت من البلد؟". "مش عارفة.. بس بيقولوا إن المكتبات كلها اتفاجئت إن مافيش أي واحدة عندها نسخة من أي كتاب لمحفوظ".
ضحكتُ، وكنت بدأت أشعر باستعادة وعيي.. قالت: "بتضحك على إيه؟". "مش عارف.. أصل الموضوع غريب قوي.. إنت صاحية شوية؟". "أيوه". "طيب أنا هاعمل قهوة في خمس دقايق وأكلمك على طول". "أوكي بس ما تتأخرش". "خمس دقايق". "أوكي". "باي". "باي".

الأحد، 29 مارس 2009

الرسالة الأولى: طعم التفاحة

حبيبتي،
اشتقت، كأننا لم نكن معاً بالأمس.
أصابعي تسرح بحثاً عنك، تتحرك بوحشة، تتحرش بالهواء، متطلعة، متوجسة، كأصابع كفيف. ولم أجد غير كتاب ألبرتو مانجويل أسليها به. كانت فكرة حلوة أنك لم تشتر لي نسخة خاصة. أقرأ الآن نسختك، أتتبع مثل قصاص أثر علامات أصابعك: الفقرات التي وضعت أمامها نجومك الخضراء، انكسار الورقة الذي يحدد أماكن توقفك عن القراءة واستئنافك لها.

وسط حمى البحث عن رائحتك في الكتاب، صدمني فخر مانجويل بكونه قارئاً ساخن الدم، لا يقر بحق الليلة الأولى لقاريء غيره.
الحرص على عذرية الكتاب وطقس "الافتضاض" ولع لايخص مانجويل وحده، إنما يشاركه فيه ملايين القراء الرجال، ممن يعتبرون القراءة فعلاً ذكورياً محضاً. لكن ماذا عن النساء؟ لا أستطيع أن أتبين على وجه اليقين موقف القارئات. هل يمكن أن تكتبي لي موقفك الشخصي في الرسالة القادمة؟

أعود إلى مانجويل أو مانغويل، الذي لم نجد بعد حلاً لاسمه وللأسماء المشابهة في الترجمة إلى العربية، هل من الصعب أن يتفق العرب على اعتماد أو إلغاء الجيم المصرية غير المعطشة؟!
على أية حال، مانغويل كان أو مانجويل، الرجل الذي بنى شهرته على كونه قارئاً على ذوق قاريء آخر، لن يعرف أن قارئاً عربياً واصل قراءة كتابه هو بالذات، متحملاً الكثير من لحظات الملل والإطالة، لأنه كان يتتبع أثر الأصابع الحبيبة على صفحات الكتاب، بأكثر مما يتتبع رؤيته حول القراءة، التي اجتهد لتقديمها.
ولا أستطيع اتهامه بالادعاء أو عدم الوفاء لمبدأه؛ فاللهجة التي يتحدث بها عن بورخيس تقول إنه كان يستشعر الغيرة من الرجل الأعمى، حتى من دون أن تسبق أصابعه أصابع مانجويل في افتضاض الكتاب: " القراءة على الرجل المكفوف المسن كانت تجربة غريبة بالنسبة إليّ، لأنه كان، كمستمع، سيد النص (...) بورخيس كان يختار الكتاب، وبورخيس كان يمنحني الدعم اللازم، أوكان يطلب الاسترسال في القراءة، وبورخيس كان يقاطعني للإدلاء بتعليق، وبورخيس كان يترك الكلمات تتوجه صوبه، أما أنا فكنت غير منظور". 1
هل شغلتك بمانجويل أكثر من اللازم؟
أعتذر، لكنني أظن أن هذا يعود إلى أهمية كتابه، وكم هو موح. فكرت أيضاً في المقارنة بين قراءته لبورخيس وقراءة الأم لطفلها في المهد.
الطفل مثل الكاتب الأعمى، يقرأ على هواه؛ فيطلب إعادة هذه القصة أو تلك من بين محفوظات الأم.
جميعنا قرأنا في المهد، بل إن الدراسات الحديثة تؤكد أن أجنة الأمهات الشغوفات بأمومتهن يستمتعن بأغنيات وحكايات ما قبل الولادة.
باستثناء غير المرغوب فيهم من ثمرات التشرد ومجهولي النسب، الذين يلقى بهم قطعاً زرقاء من اللحم الغض مع الحبل السري ودماء المخاض، يواصل كل المواليد القراءة في المهد، حريراً كان أوخوصاً.
وكل أم هي شهرزاد مولودها، تهدهده بهديل يتردد صداه في حيواتنا فيما بعد. كل أثر للحضارة في سلوكنا، يعزى إلى هذه القراءة المبكرة، التي إن لم تصلح أساساً لقراءات تالية، فقد قامت على الأقل بدورها في تهذيب الكائن.

لاشيء يعوض حنان هذه القراءات الأولى، ولا حتى النشأة في دير التي تلقاها اللقيط "جرونوي" بطل باتريك زوسكند في "العطر". ستقولين لي إنه غرونوي، لا بأس!
هذا الشقي نال حظه من حليب أمهات بديلات كن يحسدنه على شهيته، وهويجبد من أثدائهن في نهم. ولكنه افتقد هديل الأم، وهذا برأيي هو سبب مواصلته خنق العذارى بلا رحمة!

بعد المرحلة الإلزامية في المهد، تتواصل القراءة بشروط ثقافية وطبقية معينة، بينما تقلع معظم الأمهات عن هذه العادة، بسبب إعاقات الأمية والجري على الرزق، تاركات أطفالهن لمصائرهم.
ولاأحد يعرف أيهم أكثر حظاً: الطفل الذي تتواصل وصاية الأم عليه فتلازمه القراءة بوصفها عادة سلوكية ومتعة مشروعة، أم ذلك الذي ينفطم قسراً، وبدلاً من استمرار هوى القراءة في السرير، يعود إلى اكتشافها بنفسه؛ فتصير ولهاً سرياً بديلاً عن السرير أوعن الحياة ذاتها؟
مازلت أذكر هدهدات أمي، التي انصرفت سريعاً إلى المولود التالي. كما أذكر الكتاب الأول الذي سعيت إليه بديلاً للمتعة الحسية.
حدثتك عنه، ألم أفعل؟!
رواية عن يوسف وزليخة. كانت أول كتاب وقع في يدي، خارج مناهج المدرسة المسورة جيداً بما لايدع مجالاً لنفاذ المتعة.
ويبدوأن الكتاب كان ضمن سلسلة تتوخى تقديم العبر من القصص القرآني للفتيان. لا أذكر المؤلف ولا عنوان القصة، ليس لضعف الذاكرة الضعيفة فعلاً، بل لأن النسخة التي قرأتها كانت منزوعة الغلاف والصفحات الأولى، لكنني أتذكر تماماً رائحة الورق، التي صرت أعول عليها كثيراً في قراءاتي التالية.
لم أنتبه في قصة يوسف وزليخة إلى أي من وجوه القداسة أوالورع التعليمي، الذي يُفترض أن تتركه القصة.
ومثل الحب الأول ـ القابل للتكرار في مرات نادرة ـ لم ألتق بذات النوع من القراءة التي تقوم بديلاً كاملاً لفعل الحب سوى مرتين بعد ذلك: في قصة الحمال والثلاث بنات في ألف ليلة، وعشيق الليدي شاترلى. ربما لأن القصص الثلاث تشترك في تقديم إناث يقدن الذكر إلى أقاليم المتعة، بينما تتفوق قصة يوسف وزليخة بحجم ما تركته من غموض.
ومن حسن حظ البشرية أن وجدت من يبدع قصصاً بهذه العذوبة، يمكنها أن تؤنس المتوحدين والمتوحدات، ممن يفتقدون الفرصة في العثور على شريك، وكبار السن ممن يفتقدون القدرة على المشاركة.
وما كان لهذه القصص أن تعيش، لولا ما تنطوي عليه من نقصان، تدعو القاريء إلى إكماله. وهذا هو وجه التشابه الأعمق بين القراءة وفعل الحب: المشاركة.
النقصان والخوف من النفاد هما أصل كل شبق، والمشاركة طريق كل متعة. ينقل بورخيس عن القس بيركلي قوله:"إن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها ـ فالتفاحة بذاتها لاطعم لها ـ وليس في فم من يأكلها، وإنما هو في التواصل بين الاثنين". 3
هذا المثال عن طعم الثمرة المحرمة؛ هو أقصى قدر من الاختراق يستطيعه قس، وينقله عنه بحماس كاتب غير موفق مع النساء كما تقول سيرته التعيسة. وعلينا أن نتقبله فيما يتعلق بالقراءة وفعل الحب؛ فلا معنى لامرأة بغير عاشق، ولا لنص مهمل في كتاب مهجور، أو نص مكتمل، يجيب على كل أسئلته ولايترك شيئاً لمشاركة القاريء.
ذلك النوع من الكتب الخنثى يشبه محار البحر؛ يلقح نفسه بنفسه من دون حاجة إلى قاريء.
لا أريد أن أتركك، ولن أفعل شيئاً غير تصيد النوم، لأحلم بأنني عدت طفلاً، تقرأين لي، بينما تسرح أصابعك بين خصلات شعري.
.....
مقتطف من "كتاب الغواية"
لعزت القمحاوي
يصدر قريبًا عن دار العين للنشر

صلاح جاهين.. المتسمى على اسم مصر


كانت مصر غرام جاهين الأكبر والأجمل، عشقها وغنى لها، ودافع عنها، ووعدها وبر بوعوده كلها، لكن الزمان أخلف وعده. كانت القاهرة "صاحبته"، كما دعاها في قصيدة له (صاحبتي – ديوان قصاقيص ورق)، وكان عبد الناصر ابن طيبة الذي استرد تاج الفرعون بعد ثلاثة آلاف سنة من الاحتلال، حبيبه وصفيه وإن كان على بُعد.

وكان الفن مزاجه وملعبه؛ فقد آمن أن الفن نوع من اللعب مهما احتوى أفكارًا ومشاعر ومواقف سياسية أو اجتماعية أو فلسفية، وكان يرى أن الفن لو كان مجرد تعبير لكانت المقالة هي الوعاء الأمثل لتلك المهمة، وإلا لماذا يتجشم الشاعر جهد البحث عن قواف في نهاية كل سطر، ويحرص على انضباط الإيقاع، إن لم يكن كل هذا نوعًا من اللعب اللذيذ الممتع للاعبه ولمتفرجه (أي القارئ).

ولم يكن اختيار صلاح جاهين للعامية لغة لشعره مجرد انحياز للفقراء وغير المتعلمين؛ بل كان في الأساس فرضًا علميًا أراد أن يثبته وهو: أن العامية قادرة على التعبير الفني الراقي مثلها مثل الفصحى ومثل أي لغة في العالم، وكانت هذه الفرضية نابعة من واقع محدود للتعبير العامي في الشعر وكان هذا المجال المحدود هو الزجل الاجتماعي الساخر الذي كان بيرم معلمه الأكبر، والذي ارتفع به لأنه كان أكبر من زجال بكثير، كان شاعرًا عبقريًا محبوسًا في إطار الزجل وتقاليده، وقد استطاع جاهين أن يثبت فرضيته وازداد إيمانًا بصحتها حين اطلع على قصيدة عامية لفؤاد حداد في إحدى الجرائد اليسارية قبيل الثورة.

وكانت له نظرية مازلت أعجب لها منذ أن أعرب لي عنها وأنا بعد مراهق قال: الفن جوهر واحد، ومن يمارس نوعًا منه يستطيع إذا ركز أن يمارس الأنواع الأخرى، وربما كان هذا الاعتقاد نابعًا من حالته الفريدة كظاهرة إبداعية شاملة ومتنوعة.

عقيدة فنية أخرى كانت لديه: أن الفنان ينبغي ألا يكرر نجاحه؛ بل بعد كل نجاح ينسى الوصفة الفنية التي حققته وينتقل إلى نقطة بداية جديدة نحو شكل آخر مختلف تمامًا، على سبيل المثال "الليلة الكبيرة" التي حققت نجاحًا ساحقًا لم يحاول جاهين أن يكتب شيئًا يشبهها، وفى فترة توهجه الشعري(1959 – 1963) كتب جاهين إلى جانب الرباعيات عدة قصائد تعد علامات مهمة في شعره على سبيل المثال : قصاقيص ورق، المقابر، غنوة برمهات، تراب دخان، سيد درويش، فنان (مرثية لفاخر فاخر) وأخرى بعنوان "قصيدة" كل تلك القصائد – كما أسر لي – كتبها ليثبت أن الشعر يمكن أن يكتب هكذا: فكل قصيدة منها كانت فتحًا و"سكة" في الشعر كما يقال.

وكان العمل بالنسبة له هو القيمة العليا والأولوية الكبرى في حياته، وحين تزوج والدتي قال لها منذ البداية: عملي أولاً، ثم أولادي ثم أنت. ولولا هذا التركيز في العمل والولاء المطلق له لما استطاع صلاح جاهين أن ينجح في كل المجالات التي طرقها.. وبعد كانت هذه ملامح عامة سريعة لهذا الفنان الضخم، ولأترك الكتاب يحكي بالتفصيل.
.......
بهاء جاهين
مقدمة كتاب "ايام صلاح جاهين.. حكاية شعب وسيرة فنان "
لمحمد توفيق
يصر قريبًا عن دار العين للنشر

الأحد، 8 فبراير 2009

البديل تنشر فصلا من الأرملة

نشرت جريدة البديل في عددها الصادر يوم 6 فبراير 2009، فصلُا من رواية طارق إمام الجديدة " الأرملة تكتب الخطابات سرًا والصادرة عن العين وذلك في صفحتها الثقافية. وهذا رابط الصفحة.
................
عندما استيقظت ووجدته ملتصقاً ببطنها ارتعبت. لمت ملابسها بسرعة. ورغم أنها تحسسته مراراً في منامها الطويل إلا أنها ظنته حينها جزءاً من رؤياها. نهضت من علي سريرها بشعور غامر بالذنب حين اكتشفت أنه شاركها سريرها كل هذا الوقت، كأنه رجل أكيد.
عبرت النافذة المستطيلة ذات الضلفتين إلي البلكونة، وشعرت بأنها مكتملة حتي أنها مهيأة للموت. كانت سارحةً، تتطلع للبيوت المظلمة، وتفكر أن يداً امتدت من إحدي هذه النوافذ بورقة تكفلت الريح بإيصالها. بدأت تراقب الظلمة، غارقةً في أحلامِ يقظةٍ تخص زمناً لم تعد تملكه، وهي تفكر في السنوات الثلاثة التي قضتها تحت هذا السقف، لا تفكر في شيء سوي الموت.
كانت تمطر بالخارج، وراحت زخات المطر المائلة تجد لنفسها مكاناً داخل غرفة نومها. وقبل أن تتحرك باتجاه النوافذ لتغلقها تذكرت أنها رأت في منامها شبحَ رجلٍ يتجول في الشقة ويتحرك في غرفتها. في هذه اللحظة فقط شكت أن يكون مارأته في حلمها شيئا واقعياً، وأن لصاً قد يكون تسلل للشقة في عتمة المساء الشتوي. بسرعة بدأت تفتش عما يمكن أن يسرق منها.. ولكنها وجدت الذهب في مكانه والملابس كما هي.
بدأت الطرقات علي الباب.
دخلت التلميذات مستغربات، كأنهن في مكان آخر غير الذي يأتين له كل يوم. كانت رائحة الشقة عطنة. شعرت ملك أنها رائحة أنفاسها الخائفة. «رجاء» أيضاً ليست موجودة. يوم جديد شعرت المرأة أنه ثقيل. تذكرت الحلم، كان يخص هؤلاء الفتيات ويشير لحياتها، كأنه علامة غامضة. جلست علي المنضدة الدائرية وجلسن حولها، صامتات علي غير عادتهن، ينظرن لها باستغراب.. كأنها امرأة أخري.
أكمل هنا .....

السبت، 31 يناير 2009

مجتزأ .. من " الأرملة تكتب الخطابات سرًا"


الحلم لا يختلف كثيرا عما تفعله الأرملةُ المسنة .. فقبل ثلاث سنوات اتخذت مهنتها المعلنة كمدرسةٍ للغة العربية شكلاً آخر .. منح حياتها رعشة كانت بحاجة إليها ، كما منح يدها الفرصة لتعبِّر عن بلاغتها القديمة التي لم تسنح لها الفرصة من قبل للتعبير عنها .
في وقت متأخر جداً من حياتها ، اكتشفت ما يتعين عليها فعله حقيقةً في هذه الدنيا : أن تكتب خطابات غرامية ملتهبة لمُراهقات المدينة .. ليرسلنها إلى المُحبين ، مشفوعةً بأمنياتها الصادقة بحسن الطالع .
" بعد أن أستمع إلى حكاية كل واحدة ، و أحدد ـ بدقة ـ ما الذي عليها أن تكتبه .. و الأسلوب الملائم لشخصيتها و للشخص الذي تحبه ..سأشرع في كتابة الخطابات أولاً بخطي المنمق الجميل ، ثم أعطيها للفتيات ليُعِدن كتابتها بخطهن ".
هذا ما قالته الأرملة لنفسها . فكرت أن هذه المهنة تشبه ـ إلى حد بعيد ـ مهنتها كمدرسة ، مع فارق واحد يجعلها أمتع ..أنها هذه المرة في الخفاء .
بطريقة تفكير عملية بدأت تحصي الأشياء القليلة التي كانت لا تزال تربطها بالحياة : أنفاسها ، و صَفَّيْ أسنان مكتملين ناصعي البياض ، و يداً لا تزال تعمل .
كانت في نظر الجيران مجرد امرأة تنتظر الموت ، ترتدي على الدوام فساتين حداد سوداء ، لا تخلو من زهور لم تكن مرئية ـ رغم أنها مطرزةٌ بعناية ودقة ـ ذلك أن الزهور كانت سوداء أيضاً . لم يكن يخطر على بال أحد أن مثل هذه المرأة لا تزال تحتفظ بقلب مراهقةٍ تتهيأ للحب .. و لم يلحظ أحد أنها على الرغم من جسدها الشائخ ، فإن شفتيها كانتا لا تزالان مشدودتين .
كانت تعمل في رتابة ، مع مجموعات البنات غير المنتهية و التي أثارت حسد الجيران ، و في المساء تفتح الكراريس لتتسلى بتقييم تلميذاتها الصغيرات. ذات ليلة، وجدت خطاباً نائماً في كراسة فتاة . قرأته مندهشة ، و رغم ذلك أزعجتها ركاكته و عباراته غير المعبرة . كانت ملك امرأة لا تتهاون أبداً مع جمال الأسلوب و رصانته. لكي تتسلى ، بدأت تكتبه بالطريقة التي وجدتها مثالية ، محافظةً على المعاني الماثلة فيه. استغرق ذلك وقتاً ليس بالقليل .. و لكنها شعرت بمتعة سوداء. و نامت لأول مرة دون أن تنهي تصحيح الكراسات .
في الصباح التالي استيقظت ممتلئةً بما حدث. خرجت إلى البلكونة ، كان الصباح مظلما كأنه الليل . رأت أسراب فتيات في ملابس كحلية و بيضاء ، يتضاحكن ، و على شعورهن أحجبة مرتجلة . تحسست شعرها المطلق بقدر من الخجل .
قالت : بعضهن يحملن تلك التليفونات الصغيرة ، يتحدثن في أي وقت ، و يكتبن الرسائل أيضاً . أصابها حديثها ذاك لنفسها بشيء من الإحباط ، و لكنها عادت : ليس هناك ما يعوض خطابا كتبته يدك تلك ، وفردت كف يدها اليمنى أمامها في الشبورة الصباحية، فلم تر سوى بريق الخاتم الذهبي الغليظ. قربتها قليلا ، ورأتها مزرقة وشاحبة كأنها سبقت جسدها إلى الموت. غالبت الحسرة قائلة : هل تستطيع واحدة من هؤلاء أن تكتب ثلاث أو أربع ورقات على هذه الشاشة البخيلة ؟ إنها تصلح فقط للاتفاق على موعد أو لتوضيح موقف عابر. هؤلاء الفتيات بحاجة لمساعدة.. و لعلهن يفعلن ذلك بالفعل . داخل هذه الحقائب تنام أشواقهن .
قالت لنفسها : لقد كنت أرى أشياء مثل تلك في شبابي.. في فصول البنات ، عندما ألمح خطابات غرامية في الكراريس ، و في طيات الحقائب المدرسية .. غير أنني كنت قاسية للغاية . كنت أعاقبهن أو على أفضل تقدير أطالبهن بالاقلاع عن ذلك . رغم أنني كنت أتبادل خطابات لا تقل سذاجة مع شاب ! . لقد أحبطت آمال كثيرات بتمزيق أوراقهن و باستدعاء الآباء ، و لو فعلت ذلك الآن ، فسيكون تكفيراً غريباً مع حفيدات هؤلاء الطالبات بالذات ! .
غابت في وجل غامض ، و امتلأت عيناها الواسعتان بالدموع : كثيرات منهن عشن مع رجال لم يكن يحببهن .. و رغم أن القدر هو من يتسبب في ذلك .. إلا أنني ساعدته بكل الطرق ! .
في هذه اللحظة فقط تجرأت، و قررت أن تفض الحقيبة الصغيرة التي لم تفتحها منذ سنوات طويلة ، منذ تزوجت .
استبقت الفتاة بعد أن أنهت الحصة التالية ، ووبختها ، و لكنها كافأتها سراً .. فقد كان خطابها النموذجي نائماً في كراستها . أدركت الفتاة ذلك الجميل الأمومي ، و استمرت في فعلتها مانحة الأرملة الفرصة التي كانت تموت من أجلها. و لم ينقض وقت طويل حتى كانت العدوى السرية تنتقل لكراسات أخرى ، و التواطؤ الخفي يتخذ ــ يوماً بعد آخر ــ شكل اتفاق معلن .
ظهرت الشمس في اليوم التالي ، و جف الخطاب.
عندما اقتربت منه تأكدت أنه تحول إلى حطام .. و لكنها بمجرد أن أمسكت به و قربته من عينيها ارتعدت و كادت تقع .
ماالذي حدث ؟ لقد ظنت ملك أن ماتفعله منذ سنوات سيكون سرها الأخير الذي يجب أن تحافظ عليه إلى أن تغادر العالم . الآن هناك هذا الخطاب الذي باغتها هذا الصباح ، فقط ليوقظ الذكرى .
من أرسله ؟ و لماذا فعل ذلك ؟ . كانت الأسئلة تقتل ملك . و كان سؤال آخر يسيطر عليها منذ عادت للمدينة : أين هذا الحبيب ؟ . فتشت عنه في كل ركن ، وسألت كل من يمكن أن تسأله . و لكن أحدا لم يجبها .. كأنه تبخر.
جاء الخطاب ليكمل ماضيها فجأة ، و ليجعلها تتأمل من جديد خطاباتها القديمة بعين أخرى. كانت مدينة لمهنتها الجديدة بإخراج هذه الخطابات من حقيبة اليد المهملة، والتي ظلت دائما نائمة في عتمة دولاب زواجها .
عندما بدأت عملها ، و لكي لا تقع في أخطائها القديمة ، أخرجت كل خطابات غرامها المفقود و أعادت قراءتها . كاد الحنين أن يهزمها ، بينما تستنشق رائحة الخسارات التي غادرت الحقيبة المهترئة لتغمر غرفة نومها ..و لكنها قاومته بالنظرة الصارمة لامرأة ستحدد مصير أخريات .
بعد دقائق كانت الخطابات تفترش الملاءة ، بكل تراب السنوات التي علقت بتجاعيد الوريقات المسطرة .هالها ما وجدته في الخطابات من سذاجة وقلة حيلة وافتقاد لأبسط مباديء الحكمة و حسن التصرف .. و حمدت الله أن حبيبها الأول ـ والوحيد في الحقيقة ـ أعادها لها عند الفراق كنوع من الشرف .. كما حمدت الله أنها لم تحرقها انتقاماً من قلبها ، و احتفظت بها دائماً كعبء حقيقي كان هو المسئولية الوحيدة التي نجحت في تحملها بامتداد عمر عامر بالإخفاقات .اكتفت دائماً بقراءتها كطقسٍ سري أثناء زواجها من رجل لم تحبه أبداً ـ و لم تكرهه أيضاً ـ و هو ، من وجهة نظرها ، الأسوأ . لذا ، قررت أن تكون أول نصيحة تهديها لفتاة هي : " إذا فشلتِ في الزواج من رجل تحبيه ॥ تزوجي من رجل تكرهيه .. لكن إياك و الزواج من رجل لا تحملين له مشاعر خاصة .. لأن يوماً سيأتي عليك لتكتشفي أنك لاتملكين في حياتك ما يصلح للتذكر " .
.........
مجتزأ من رواية " الأرملة تكتب الخطابات سرًا"
طارق إمام
صادرة حديثًا عن العين للنشر
يناير 2009

الخميس، 22 يناير 2009

عندما تختزل كل حضارة شرق آسيا في الكونفوشية :من مقدمة كتاب الصدام داخل الحضارات

انطلقت على مدى السنوات القليلة الماضية داخل المجتمع الأكاديمي تكهنات بشأن الصراع الثقافي الدولي الوشيك أو المحتمل। وجاءت هذه التكهنات بوجه خاص على لسان جوهان جالتونج وصمويل هنتنجتون. ونلاحظ هنا أن الثقافات أو المناطق الثقافية أي الحضارات يجري تصويرها دائمًا باعتبارها مناطق اجتماعية مستقلة أو حتى قوى فاعلة رئيسية في السياسة الدولية. والملاحظ أيضًا أن تلك الافتراضات الزاعمة بأن الثقافة تمثل جوهرًا ثابتًا هي التي تحدد طابع الخطاب حتى في الحوار الثقافي اليومي المعني بالصراع بين الثقافات بدرجة أقل من اهتمامه بشن غزوة تعاونية دفاعا عن نقاط التماس الثقافي. وهكذا فإن معالجة الثقافات باعتبارها هياكل جامدة هو ما يفسر لماذا يجري التعامل في كل من الخطاب الأكاديمي والخطاب اليومي مع "الكونفوشية" و"الهندوسية" و"الإسلام" وكذا "الثقافة الغربية" باعتبارها وبشكل مطلق حضارات متمايزة أو مناطق ثقافية متمايزة، وكأنها ظواهر يمكن تحديدها والتعرف عليها في سهولة ويسر. وأكثر من هذا أننا نجد داخل المحافل الدبلوماسية الدولية، أن الافتراضات الزاعمة بجوهرية الثقافة هي السائدة دائمًٍا وأبدًا في الحوار الثقافي الدائر بشأن القيم "الآسيوية" و"الإسلامية" وكذا الغربية. وتجري مقارنة الكيانات الثقافية التي تبدو في ظاهرها متجانسة ومتسقة؛ بل وإبراز أحدها ضد الآخر – بأسلوب لا يختلف عن الأسلوب المتبع في الحوار الدولي بشأن حقوق الإنسان.
وهذا التناول يمكن فهمه في حدود أنه ييسر استطلاع وبيان ما من شأنه أن يكون بدون ذلك خليطًا من معلومات توضيحية يتعذر سير تحدرها بالكامل – أي بيانات وفيرة للغاية عن شواهد ثقافية بارزة هي حصاد التاريخ البشري برمته – أي أن هذا التناول يساعدنا على تصنيف ما هو غير مألوف في صورة فئات أبسط وأيسر للفهم قدر الإمكان.
وكم هو مغر في هذا الإطار أن نستخدم مصطلحًا مثل "الكونفوشية" الذي يقال إنه يمثل كل حضارة شرق آسيا، ومن ثم "نتجاوز" كل سلسلة المعتقدات المتناقضة والمحددة للثقافات والتي كانت يومًا ما سبب عداوات مرة (والتي لا تزال آثارها باقية جزئيًا ومحسوسة حتى اليوم)، وهكذا يصبح مصطلح الهندوسية مصطلحًا جامعًا؛ أي تعسفيًا بصورة واضحة ومصطنعًا في ضوء ما له من خلفية ثقافية غنية. ويصبح الإسلام بدوره كتلة متجانسة صماء (ولهذا السبب وحده يجري تفسيره على أنه خطر) على الرغم أنه من المسلَّم به لدى أصحاب النظرة المحايدة أنه يتألف من فرق وأحزاب غلب التطاحن بينها على علاقاتها الودية. واللافت للنظر هنا أيضًا الصورة الذاتية التقليدية عن "الغرب" والتي طالما تبناها غير الغربيين كثيرًا دون تأمل وتفكير؛ إذ يجري تصوير الغرب على أنه ثقافة يجسدها، حسب الزعم السائد، التنوير والنزعة الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الكلمة والتعبير والتعددية وحرية الضمير والمساواة بين الجنسين وغير ذلك. بيد أن النزعتين العقلانية والليبرالية في أوروبا كان لزامًا عليهما الصراع ضد التقليد، ولم تتحقق لهما السيادة إلا في فترة متأخرة نسبيًا وبصعوبة بالغة. وهذه حقيقة يغفلها كل من الأوروبيين وغير الأوروبيين في تصورهم للواقع والتاريخ مثل حقيقة أن التنوير أفضى إلى ظهور تيارات فكرية وسياسية قوية مناهضة للتنوير ومناهضة للحداثة. ويمثل هذا كله جزءًا من الواقع الأوروبي مثلما هو جزء من التنوير نفسه.
وتأسيسًا على هذه المقدمات سيبدو واضحًا أن الجدل الثقافي الدولي الدائر حاليًا غير مثمر، ذلك لأن الفرض القائل بوجود رؤى عن الكون ونواميسه (رؤى كوزمولوجية) راسخة مكينة ومختلفة عن بعضها أشد الاختلاف داخل الأعماق الروحية لكل حضارة إنما هو فرض غير واقعي تمامًا(2). وجدير بالذكر أن الحقيقة الواقعة تتجلى للمراقب المحايد في صورة مختلفة للغاية بوسائل عدة:
أولًا: الاختلافات، إن لم نقل الصراعات الداخلية، كانت قسمة مميزة لجميع الثقافات التقليدية قبل أن تعاني، وبزمن طويل، من ضغوط الحداثة الواردة من الخارج أو النابعة من الداخل. مثال ذلك أن الفلسفة الصينية، وقبل اختزالها فكريًا إلى "كونفوشية" الدولة، ازدهرت في داخلها بنية لمدرسة فكرية. كذلك الفكر البوذي الأصيل ما كان له أن تتضح صورته قبل تنوعه على نطاق واسع من خلال انتشار تعاليمه. كذلك الحال بالنسبة للهندوسية؛ إذ منذ بداية ظهورها وتعددية الآراء، خاصة ما يتعلق منها بالإلهيات تمثل قسمة أصيلة فيها. وجدير بالذكر أن مثل هذه التعددية لا يعرفها الإسلام؛ إذ أنه دين قائم على الوحي. ولكن هذا الدين اتسم أيضا وعلى نحو دائمً بوجود انشقاقات عميقة وتعدد واختلاف المدارس الفقهية. وبدأت في الغرب أيضًا منذ مرحلة باكرة عملية اختلاف روحاني بلغت ذروتها في النصف الثاني من القرن العشرين، ودعم الاختلاف بقوة ما شهده الغرب من نتائج لمرحلة غير مسبوقة من التحديث المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.
ولم تكن عملية الاختلاف في الأشكال التقليدية لكل ثقافة على حدة مجرد عملية عرضية أو هامشية بأي حال من الأحوال؛ بل كانت تمثل عنصرًا جوهريًا في عملية تأكيد الذات ثقافيًا ودينامية تطورها؛ إذ بدون المواجهات الثقافية الحادة بشأن المبادئ الأساسية لكل ثقافة من هذه الثقافات – والتي تتجلى في صورة نزاعات بين مدارس الفكر المختلفة لأبنائها، كان من الممكن للبيِّنات الثقافية الأصلية التي تشكل النواة البللورية للعمليات التالية أن تبقى مجرد رؤى ذات أهمية محلية خالصة أو ربما غيبها النسيان. لذلك كان الصراع جزءًا متكاملًا، ونتيجة لها آثارها وتجلياتها بعيدة المدى بالنسبة لجميع الثقافات البارزة. إذ ساهم الصراع – وإن بدرجات متفاوتة – في تطور الوعي بالذات داخل الثقافات التقليدية، كما ساهم أيضًا بمعنى ما في تأمل واستبطان الذات(3). وخير مثال يوضح هذا بصورة مذهلة، وإن بدت غير شاملة، هو الفلسفة الصينية الكلاسيكية التي يمكن وصفها بأنها خلاف دائم أبدًا بشأن القضايا الأساسية المتعلقة بالنظام العام.
ثانيًا: أوروبا هي أول حضارة تواجه تحديات التحديث المادية والفكرية معًا. وإذا نظرنا إلى التطور التاريخي للحضارة الأوروبية، أو للجزء الغربي من أوروبا على الأقل من منظور مقارن سيظهر لنا وكأنه حالة استثنائية – حتى ليكاد المرء أن يقول إنه معجزة(4). إذ يلاحظ أن أوروبا على خلاف الحضارات الكبرى غير الأوروبية لم تمض في مسارها عبر الطريق المسدود النمطي للتطور الذي سارت فيه الإمبراطوريات القديمة وثقافاتها .نمت دينامية أوروبا من القاعدة إلى القمة من خلال أعداد كبيرة من قوى اجتماعية صغيرة ومتنافسة. ولم تكن القوى ذات الهيمنة والقدرة على الجذب تحت سلطتها تتمتع بقوة أكبر، إلا بصورة متقطعة بين الحين والآخر. وظلت كقاعدة ضعيفة نسبيًا مما ساعد الأمة – الدولة الكلاسيكية على الوصول إلى إنجازها الأخير ولكن بعد مئات السنين. وبذلت كل من هذه القوى الدينية أو الدنيوية التي كانت إلى حد ما صغيرة مفتَّتة جهودًا مميزة لتحقيق الاستقلال الذاتي سواء منها الأسر الإمبراطورية أو الملكية والارستقراطيات الرفيعة أو الدنيا وطبقات الفلاحين والمحليات والقوى الاقليمية أو الأوسع نطاقًا من الإقليمية والقوى الدينية المحلية (مثل من يشغلون مناصب بابوية أو أسقفية أو رهبانية). وجدير بالذكر أن تقسيم القوى السياسية والمنافسات الناجمة عن ذلك ساعد في مرحلة باكرة على الحيلولة دون ظهور حالات المركزية المفرطة غير الملائمة التي كان بالإمكان مشاهدتها (ولو على نحو دوري في أغلب الحالات) في الإمبراطوريات القديمة غير الأوروبية. ويعتبر هيكل أوروبا في فتراته الباكرة والكلاسيكية والإقطاعية حسب المعايير السائدة آنذاك هيكلًا متخلفًا وهامشيًا(6). والملاحظ أنه قبل أن يهيمن الاقتصاد التنافسي الحديث بقرون (وهو الرأسمالية التنافسية) كانت المنافسة السياسية هي التي تصوغ شكل التطور الأوروبي وذلك من خلال المعارك الكثيرة التي بدأت في صورة نزاعات وصراعات صغيرة ثم تحولت تدريجيًا إلى صراعات سياسية إقصائية(7). ولكن لم تقع هذه الصراعات على مستوى القارة كلها أبدًا وإنما ظلت على مستوى محلي، وكانت تفضي بين حين وآخر إلى انتصار الطرف الأقوى. وحدث كثيرًا جدًا حين كانت الانتصارات محدودة ويعقبها تعادل بين القوى المتصارعة أن أدت إلى سياسة مصالحة وتوفيق سياسي – أي إلى مجموعة من "الضوابط والموازنات" على نحو ما نرى في الوثائق الأوروبية الشهيرة مثل الماجنا كارتا عام 1215م، وهكذا كانت التعددية قبل الحداثة، وقبل التنوير بزمن طويل هي جوهر وروح الواقع الأوروبي.
ويمكن القول إلى حد ما إن المنافسة السياسية في أوروبا قبل الحداثة كانت لها أيضًا آثار إيجابية على الإمكانات الإبداعية للمجتمعات المعنيّة. وصادف الإبداع تشجيعًا من التطور الذي حدث بعد هذا للاقتصاد التنافسي الذي امتد ليشمل كل المعمورة وليصبح أخيرًا ظاهرة كوكبية، بحيث جعل المنافسة الاقتصادية المنطق الجوهري الأصيل للمنظومات الاجتماعية. وهكذا ظهر تدريجيًا، خطوة بخطوة، نمط المجتمع الحديث الذي يحدد اليوم طبيعة الحياة في جميع المجتمعات الغربية وإن كان من المحتمل أنه الآن في سبيله إلى التفكك.
وتتجلى نتيجة هذا التحول الممتد من المجتمعات الأوروبية التقليدية إلى المجتمعات الحديثة في موجة شاملة من التحرر البشري ليس لها نظير في تاريخ الإنسانية. وهذا أيضًا من الناحية التاريخية حدث تنفرد به أوروبا. ولزم عن هذا التحرر اختلاف متسارع وغير مسبوق في الثقافة الأوروبية. وهذه نتيجة منطقية تعادل الآثار المهمة التي كانت لعملية الاختلاف الثقافي السابقة على التحديث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ومن ثم يبدو الانتقال إلى الحداثة أشبه بسلسلة سببية دورانية وتراكمية.
وإذا نظرنا إلى هذا التحول الذي شهدته أوروبا من منظور بعيد المدى نجد أن له آثاره العميقة والشاملة بحيث كان من المستحيل التكهن بتطور أوروبا خلال الفترة التالية في ضوء تاريخها السابق. وإذا نظرنا إلى الأحداث الماضية بعد وقوعها نجد ما يغرينا بقوة لافتراض حدوث تطور خطي المسار للثقافة الأوروبية – ولكن الشيء الذي لا خلاف عليه هو أن التطور الأوروبي اتسم بالانقطاعات والابتكارات.
ثالثًا: حققت أوروبا في مسارها الحداثي توسعًا استعماريًا وإمبرياليًا مما ترتب عليه نشوء هياكل تابعة لها. ونتيجة لهذا وقع العالم غير الأوروبي تحت ضغوط تحديثية من الخارج وإن تباينت أزمنتها ودرجاتها ذلك أن البعض وقع تحت هذه الضغوط في فترة باكرة بينما بعضها الآخر في فترة متأخرة(10). واستطاعت ضغوط التحديث هذه أن تسود نظرًا لضعف قوة مقاومة المجتمعات التقليدية. ومع هذا كانت المقاومة لافتة للأنظار على الرغم من قمعها بالقوة عادة.
إذ يلاحظ في كل أنحاء العالم غير الأوروبي أن الهزائم الفعلية والوشيكة أثارت ردود أفعال مضادة فكرية وسياسية।وتباينت نتيجة لذلك من حيث القضايا التي تؤكد عليها. ونجد أن من بين الخيارات المطروحة قضية محاكاة الغرب. وانعقد الأمل بذلك على اللحاق بالتطور الأوروبي، ثم إلحاق الهزيمة بعد ذلك بالغرب مستعينين بأسلحته. ونجد في مجتمعات كثيرة خيارًا آخر وهو إعادة التفكير من جديد في تراثها الخاص ومحاولة إحيائه وتجديده. وثمة خيار ثالث يتمثل في الجمع بين الاثنين الأولين بهدف الحفاظ على القيم الخاصة للمجتمعات مع العمل في الوقت نفسه على تبني التكنولوجيات والخبرات الجديدة. والخيار الرابع يعود إلى الظروف المواتية أكثر مما يعود إلى إرادة أصحابه: الابتكار باعتباره استجابة غير مسبوقة إزاء تحديات لا نظير لها.
وطبيعي أن الاستجابات في الواقع لم تكن كقاعدة عامة استجابات أحادية الخط والمسار؛ بل مزيجًا من المشروعات الفكرية المناهضة والممارسة السياسية. وكانت تعني جميعها من حيث الإدراك الذاتي للمجتمعات المعنيّة تحولًا عامًا للمجتمع. ويصدق هذا بخاصة بالنسبة للخيار الثاني أعني محاولة إحياء التراث ذلك لأن قيمة التراث هنا، على عكس الحال في المجتمعات التقليدية تخضع للفحص والتدقيق؛ مما يعني أنه لم يعد بالإمكان أخذها مأخذ التسليم. ونظرًا لأن أنصار كل اختيار من هذه الخيارات الثلاثة قيموا الموقف على نحو مختلف وحددوا لأنفسهم أهدافًا مختلفة فقد تصارعوا بالضرورة مع بعضهم بعضًا. وأشعل هذا فتيل الصراع الثقافي بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ حيث دارت حوارات ومعارك بشأن التنظيم الحديث للنظام العام، وأثارت بالحتم تساؤلات وقضايا خاصة بالثوابت الثقافية للمجتمعات التقليدية(12).
رابعًا: أصبح الجدل أكثر حدة واحتداما حيث جرت عمليات تحديث داخلية – أي اجتماعية واقتصادية نابعة من الداخل أو جرى عن عمد تقسيمها إلى مراحل نتيجة تحديات من الخارج। إذ أن هذه العمليات، حتى وإن كانت في أول عهدها هشة للغاية في غالب الأحيان إنما تمثل تكرارًا للتجربة الأوروبية؛ أعنى استحداث إطار مجتمعي حديث بدلًا عن التقليدي وبخاصة الهيكل الزراعي(13). ويلاحظ أنه حيثما عانى المجتمع من انهيار كمي درامي طويل الأمد في الزراعة – يبدأ أولًا بكميات صغيرة، ولكنه في بعض الحالات يزداد بمعدل مثير – تظهر طبقات اجتماعية حداثية مطابقة للمجتمعات الصناعية أو مجتمعات الخدمات: الإدارة العامة، وطبقة موظفي الدولة، ومنظمي المشروعات الخاصة والطبقات الوسطى والطبقات العاملة الصناعية، والآن حديثًا جدًا الطبقات المهنية التي ظهرت مع عملية التقدم الصناعي. وتتوافق هذه الطبقات الاجتماعية الجديدة مع قطاعات اجتماعية مختلفة لا تختلف كثيرًا عمًا هو حادث في أوروبا؛ حيث لكل طبقة مصالحها وهويتها الخاصة. وتقترن هذه العملية مباشرة بالتباين الثقافي. ونرى هذا التباين الثقافي مثله مثل المجتمعات الأوروبية مجسدًا في مجتمع يحظى بحراك اجتماعي متزايد مع تقدم عملية التحديث ويكتسب زخمًا خاصًا به.
....
من مقدمة كتاب " الصدام داخل الحضارات"
لدييتر سنغاس
ترجمة"شوقي جلال"
صدر حديثًا عن دار العين للنشر

الأحد، 11 يناير 2009

مقتطف من " لأن الأشياء تحدث " لحاتم حافظ

المرسل: hi2006@yahoo.com

عنوان الرسالة: عودة إلى البدء
التاريخ: 12/8/2007

أكتب إليك رغم تأكدي من أن بريدك الإلكتروني قد أُغلق نهائيًا، فيبدو أنك لم تعد تستخدمه منذ زمن، (هل مت؟ هل أطلقت رصاصة في فمك كما كنت تقول؟..) أو ربما تكون قد أغلقت بريدك أمام رسائلي كما لو أن الشخص الذي كان يزعج الآخر بترهاته وخيالاته المريضة كان أنا. على كل فأنا أكتب إليك الآن فقط لأني أتأكد أن ما من أحد سوف يقرأ ما أكتبه، كما لو أنك تلقي بنفسك في فوهة بركان وأنت على يقين من أنك لن تنجو منها أبدًا، وأنت على يقين ـ كذلك ـ أن ما من أحد في عالمك الممل سوف يكتشف لعبتك السخيفة.

فكرت في أن أكتب للا أحد، أوراق تُملأ بسخافات ثم تلقى بأحد الأدراج، ولكن فكرة أن تسقط أوراقي في يد أحدهم كانت فكرة مرعبة، رغم أني في النهاية أعرف أني لن أكتب غير أشياء مملة، ولكني أكره الفضول، كما كنت أكره فضولك حين تسألني عن أشياء لا تهمك في شيء، كأن تسأل عن علاقتي بزوجتي، فما يهمك في علاقة لا تعرف طرفيها، أنت حتى لا تعرفني أنا، أنسيت أننا التقينا مصادفة، كنتَ ملولاً بعد علاقة فاشلة مع جارتك كما قلت لي وفكرت أن تفعل مثلما يفعل الصغار: chatting، وقررت أن تتحدث لأول شخص تلتقيه، رجل كان أم امرأة، (أخبرتني فيما بعد أنك كنت تتمنى لو ألقت المصادفة في طريقك بامرأة تكون مثلك عالقة بأطراف علاقة واهنة وتوشك أن تسقط فتلتقطها برفق) ولكن حظك الغريب أوقعك في رجل كان قد ملّ علاقته الزوجية تمامًا ويبحث عن طرف افتراضي يبادله الحديث دون أن يعيد مواعظ الدين والعرف والأخلاق. كنت قد مللت أصدقائي، مللتهم تمامًا، مللت كلامهم عن البيت والزواج والأطفال، وأشياء أخرى لم يكن أحدنا يتكلم عنها من قبل، كما لو كنت لم أعرفهم من قبل، مللت الطريقة التي صاروا يتكلمون بها كما لو أن الله لم يخلق العالم إلا ليملأونه أطفالاً، فما ذنبي أنا إن لم أسهم معهم في ازدحام الطريق.
هل كنتَ امرأة؟
فكرت كثيرًا أن أسألك هذا السؤال، ولكن لأنني الآن لا أنتظر ردًا من أحد فيمكنني سؤالك ببساطة، هل كنت امرأة؟ صحيح أنه ما من سبب معقول فيما أعرف يمكن أن يجعل امرأة تدّعي أنها رجل خصوصًا وهي تتحدث إلى رجل، ولكني كثيرًا ما شككت في كونك امرأة. أحيانًا ما كانت مشاعر تخص المرأة وحدها تفلت في حديثك رغمًا عنك. ولعُك أحيانًا بالتفاصيل الصغيرة جدًا والتي لا تهم أحدًا البتة؛ فالرجل لا تهمه التفاصيل أيًّا كانت، الرجل يتصور العالم كما لو كان مانشيتًا بصحيفة هزلية، أما المرأة فوحدها من تقرأ التفاصيل.
أتعرف.. لقد طلقت سهام.
هل تفاجأت؟
للأسف لن يمكنني معرفة رد فعلك على خبر كهذا. صحيح أنك لم تكن ـ على الرغم من فضولك ـ معنيًا جدًا بأن تنتهي علاقتنا أو أن تستمر؛ ولكني أعرف شغفك بالعلاقة أيًّا كان وضعها على الخريطة. وأي كانت درجة الطيف التي تمر بها. عمومًا لا تندهش ولا تحسب أن هذا الخبر هو ما يدفعني إلى الكتابة فلست حزينًا كما تتخيل، أطمئنك تمامًا أنا بخير جدًا جدًا، كما لم أكن بخير في يوم من الأيام.. ولكنك لست هناك الآن لتندهش أو لتطمئن أو لتثار رغبتك في معرفة التفاصيل.. على كل ما من تفاصيل على الإطلاق. لقد تطلقنا مثلما تزوجنا بالضبط، بلا رغبة، بلا أمل، بلا أحلام. حتى أنه كان المأذون نفسه، ولو أن الصيغة قد اختلفت قليلاً، ومع ذلك ألقيتها كصيغة الزواج تمامًا، كأنما تخص شخصًا آخر، لا أعرفه. وهكذا تزوج شخص لا أعرفه، وطلق شخص لا أعرفه. كما لو كنا ثلاثة دائمًا.. أنا وسهام وثالث غير مرئي ولا نعرفه.

لولعك بالتفاصيل الصغيرة أقول لك، إننا ببساطة: بينما كانت تقف سيارتنا في إشارة مرورية، وبينما ننتظر بفارغ صبر أن تنتهي فترة اعتقالنا في تقاطع غبي، وأنه فقط حين بدأتُ أتعرق من حرارة صيف أغسطس فوجئت بسهام تتكلم، ولأن سهام وأنا لم نكن معتاديْن على الكلام بينما نقف في إشارة؛ فقد تصورت أن الصوت لا يخصنا؛ ولذا فقد أعادت كلامها مرة أخرى، بنبرة من قرر أن يعيد ما قيل آلاف المرات مهما طالت الإشارة. لم تسألني إذا ما كنت سعيدًا معها، حتى أنها لم تسألني إذا ما كنت أتصور أنها سعيدة معي أم لا، لم تسألني ما إذا كانت خلافاتنا في الفترة الأخيرة قد أثَّرت على حبي لها، (حقيقة لم نكن نتبادل مثل هذا الكلام إلا نادرًا خصوصًا في الفترة الأخيرة)، لم تسألني إذا ما كنت قد مللت علاقتنا، أعني أنها لم تطرح سؤالاً كمواربة الباب برفق على شخص توشك أن تصدمه بنبأ مفجع، قالت كما لو كانت لم تفكر فيما تقوله من قبل، كفكرة طارئة وُلدت عفية ومستحكمة وواثقة، قالت ببساطة: طلقني يا حسام. (نسيت أن أقول إن اسمي ليس سامح كما أخبرتك، وكما كنت تكتب لي منذ أكثر من سنة.. عذري أني متأكد أنا الآخر أن اسمك ليس صبري كما أخبرتني، وكما كنت أكتب لك منذ أكثر من سنة.. فربما كنت تحمل أي اسم آخر، هذا إن لم تصدق ظنوني وكنت فعلاً امرأة .. هل كنت امرأة؟!).
المرسل:
hi2006@yahoo.com
عنوان الرسالة: سؤال ممنوع
التاريخ: 14/8/2007
أتعرف؟
تمت إجراءات الطلاق بسرعة وهدوء لم أكن أتخيلهما. جلست سهام أمامي في مكتب المأذون بملامح محايدة أكثر مما ينبغي، حتى بدت وكأنها ليست المرأة التي سوف تطلَّق لتوها.
أجابت أسئلة المأذون كلها ببساطة كما لو كانت تملأ استمارة لعميل في البنك الذي تعمل به منذ عام تقريبًا. وحين حاول المأذون فعل تلك الأشياء التي يفعلها عادة بدافع مهني بحت، كالحديث عن أبغض الحلال وعن ضرورة التأني وما إلى ذلك، وقبل حتى أن أفكر فيما عساني أجيب به المأذون كي يكف عن مواعظه ويسرع في الإجراءات كانت سهام ـ قد قاطعته ـ بابتسامة رائعة ـ "ليس هناك داع" ثم أردفت "الطلاق أفضل لكلينا". قالت الجملة الأخيرة برقة شديدة مصحوبة بأجمل ابتسامة رأيتها في حياتي، لدرجة أني وددت لو أنها أعادت جملتها مرة أخرى، وتماديت في مشاعري حتى نهايتها، تمنيت لو أبقى حتى نهاية عمري مع امرأة يمكنها النطق بهذه الجملة بكل هذا الجمال واللذة.
أتعرف لقد زيفتُ أشياء كثيرة عني وعن حياتي طوال السنة التي كنا نلتقي فيها عبر الشبكة الجهنمية الإنترنت، اسمي وعملي (لست رسامًا كما قلت لك.. ربما كان أملي أن أكون ولكني ـ اليوم أقول لك ـ إني لم أكن) وأشياء أخرى كثيرة كنت أخفيها لأسباب أحيانًا ولغير ما سبب أحيانًا أخرى. ما أثار حيرتي طويلاً أني لم أزيف اسم سهام، فحين كنت أتكلم عنها معك للمرة الأولى ذكرت اسمها ببساطة.. سهام. اليوم فحسب قد يكون لديَّ الإجابة. أنا حقًا أحب اسمها.. سهام. الغريب أن ذلك لم يكن له علاقة بصاحبته. أتظن أنه يمكن أن يحب أحدهم اسم زوجته أكثر مما يحب زوجته نفسها؟ هل تعتقد أن أزمتي مع سهام أني لم أتمكن من أن أحبها أكثر مما أحببت اسمها!
أنا اليوم أكثر ضيقًا مما سبق، كما لو أنني عائد لتوي من مكتب المأذون في يدي ورقة عليها اسمي واسم أحبه ولم أحب صاحبته كما ينبغي، أتعرف أكثر ما في الطلاق من قسوة أنه لا يتاح لك سؤال زوجتك مرة أخرى عما كانت تقصده بقولها شيء ما، أو لماذا ارتسمت على وجهها علامات غبية حين قيل شيء ما أمامها، أو لماذا غمزتك بعينها حين أوشكتَ أن تقول شيئًا عاديًا جدًا ـ من وجهة نظرك ـ بينما هو نفسه شيء رهيب جدًا ـ من وجهة نظرها ـ لا يصح أن يقال أمام شخص ما.
أنا حزين الآن لأن بابًا لن يُقفل مرة أخرى علينا كي نُلحق الإجابات بالأسئلة المعلقة، لن يقفل مرة أخرى حتى لكي نصرخ ونجرح سكون الحي الأحمق الذي نسكنه.
أنا حزين الآن لا لشيء سوى أنه لن يمكنني أن أسأل سهام عما كانت تعنيه بأن الطلاق أفضل لكلينا. لماذا لا نغلق علينا باب بيتنا ولو لمرة أخيرة لأعرف. هذه الأنانية، لقد سلبتني حقي الأخير في السؤال عن جملة لعينة. أنا أكرهها فعلاً، ولربما كرهتها طوال السنوات الثلاث التي أمضيناها نمثل أننا زوج وزوجة، ولكني ما زلت أحب اسمها .
......
حاتم حافظ
نشر هذا المقتطف في جريدة البديل المصرية
9\1\2009

الخميس، 8 يناير 2009

أحمد الفخراني يكتب عن شرط شروط دخول الجنة

" في كل قلب حكاية " كتاب جديد لأحمد الفخراني يصدر قريبًا عن دار العين للنشر على معرض القاهرة للكتاب يناير 2009. يجمع فيه أحمد مقالاته التي نشرت في صفحة المجتمع بجريدة البديل المصرية . وفيها يرسم بروتريهات لأناس في المجتمع المصري ، للوهلة الأولى لا تعرف ما الذي يمكن أن يكون مهمًا في حياتهم ليُكتب عنهم ، ولكن الفخراني الذي يبتعد تمامًا عن الاكليشيهات في أسلوبه يعرف أن هناك أشياء أخرى أهم من أن تكون مهمًا .
ونقدم لكم مقطع من الكتاب وكلمة ظهر الغلاف
"أدعيلك دعوة يجعل نهارك أبيض زي قلبي ..قول آمين يا أستاذ .. أنا والنعمة اللي في ايدك دي موصول باللي خلقك .. مش عشان تقوى في قلبي ولا زيادة صلاة .. بس أصل ربنا يحب اللي قلبهم خسران زي فانلة الزملكاوية ..مع ان شرط دخول الجنة إنك تكون اهلاوي .. أنا عشان كده بشجع الأهلاوية وما شجعش الأهلي .. الأهلي قلبه مش خسران واللي بيلعبوا فيه ما بيتمرمرطوش ولا ينظلموش .
يبقى فتح مخك معايا كده يا أستاذ .. مش عويصة الحسبة : عشان تدخل الجنة شرط الشروط تكون أهلاوي .. بس عشان تتواصل بربنا لا زم تكون أهلاوي بس قلبك خسران زي فانلة الزملكاوية .. يجعل نهارك أبيض زي قلبي .. قول آمين
".

الأحد، 4 يناير 2009

مقتطف من كتاب "توابع الفتنة الكبرى ": مقدمة جمال الغيطاني



حيدر آباد..
لكم أثار هذا الاسم مخيلتي، ليس لأنه اسم يقترب من أسماء المدن الأسطورية التي وردت في الف ليلة وليلة، ولكن للدور الثقافي الذي قامت به في خدمة الثقافة الإسلامية، العربية،
في مكتبتي عناوين نادرة من التراث العربي طبعت في دائرة المعارف الاسلامية، بعضها لم يصدر عن أي جهة نشر في العالم العربي حتى الآن، أكثر من خمسمائة عنوان نادرة، يكفي أن أذكر (رسائل ابن عربى) للشيخ الأكبر، و" الإلمام بما جاءت به الأحكام" لمحمد بن قاسم محمد النوري الإسكندراني، والذي يسجل وقائع غزوة القبارصة للمدينة في القرن الثامن الهجري، حققه الدكتور عزيز سوريال عطية وصدر من حيدر آباد في سبعة مجلدات، للأسف توقفت دائرة المعارف العثمانية عن الصدور لظروف متعددة، ويظل دورها مجهولاً للأسف عند الكثيرين من الناطقين بالعربية، خلال سفري إلى الصين قطعت الطائرة الهند من أقصاها إلى أقصاها، وأثناء التحليق فوق جنوب الهند، وقرب البحر الذي يفصل البلد الكبير عن سرى لانكا، فوجئت أننا نحلق فوق حيدر آباد، إنها في عمق الهند إلى الجنوب الشرقي ، تذكرت ما قاله صديق ممن خبروا الهند وعرفوها عن قرب أن أهم مراكز الثقافة الإسلامية موجودة في الهند. ثم فاجأني الصديق نائل الشافعي خبير الاتصالات المقيم في الولايات المتحدة، مؤسس موسوعة "المعرفة" الإلكترونية التي يوجد بها الآن كافة الإصدارات التي طبعتها دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد؛ فاجأني بهذا البحث القيم عن" المختار بن أبي عبيد الثقفي " عن ثورته ونتائجها ، وبالطبع أسبابها. بدأت على الفور قراءة المخطوط الذي تقدمه (دار العين) إلى القارئ لأول مرة بعد تسعة وخمسين عامًا من مناقشة هذه الرسالة العلمية الفريدة في جامعة القاهرة. من خلالها عشت مع شخصيتين تمثلتهما واستعدتهما مرارًا.

الأول: الباحث الذي جاء من الهند إلى القاهرة ليدرس العربية ويتقوى فيها، ثم يتقدم إلى جامعة القاهرة بموضوع هذه الرسالة التي أشرف عليها الدكتور حسن إبراهيم حسن ، أحد أكبر العلماء المتخصصين في التاريخ الإسلامى عامة. وتاريخ الدولة الفاطمية خاصة، وقد صدر بحثه القيم في ثلاثة مجلدات،

المؤلف هو الدكتور أبي النصر محمد الخالدي، طوال قراءتي للبحث كان ماثلاً أمامي، أحيانًا نشعر بوجود المؤلف في البحث العلمي الذي كتبه رغم أنه لا يذكر شيئًا عن نفسه، كنت أحاول تجسيد رحلته العلمية في المكان والزمان ؛ منذ أن ولد عام 1916 في حيدر آباد، ثم بدء رحلته العلمية ، أن التفاصيل موجودة في المقدمة الهامة التي كتبها ابنه الدكتور عمر الخالدي، وفيها يكشف عن مسار عالم كبير كان هدفه تحصيل العلم والتفوق فيه منذ أن التحق بالمدرسة، حتى وصوله إلى القاهرة عام 1946 ليبدأ دراسة الدكتوراه، أن التفاصيل العلمية والإنسانية التي نقرأها في مقدمة الابن الذي يعمل حاليًا ويقيم في الولايات المتحدة، تكشف عن جانب مهم من العلاقات الثقافية الذي بين القاهرة وحيدر آباد ، بين جامعة القاهرة والحياة الثقافية في المراكز الإسلامية الكبرى بالهند، والتأثير المتبادل والتفاعل ، ثمة نقطة هامة أشير إليها تتعلق بالابن عمر الخالدي الذي يشغل مكانة علمية هامة في معهد () بالولايات المتحدة ، وتتعلق بإصراره على إخراج هذه الرسالة العلمية الهامة إلى النور ونشرها في القاهرة، كم من الأبحاث الهامة تمت مناقشتها وحصل أصحابها على درجات علمية رفيعة؛ لكنها لم تخرج إلى القراء، لم تعم فائدتها، وكان ممكنًا لهذا البحث القيم أن يلقي نفس المصير لولا إصرار الابن، الذى وجد صدى عند الدكتورة فاطمة البودى مدير الدار، والتي تحمست لنشرها وإخراجها إلى القراء بعد ستين عامًا من مناقشتها في جامعة القاهرة، لقد تأثرت كثيرًا بتجسيد حياته من خلال هذه التفاصيل الدقيقة التي وردت في مقدمة الدكتور عمر الخالدي، عن حياة والده العلمية سواء في حيدر آباد ، أو القاهرة ، وأتمنى أن يكون نشر هذه الرسالة فاتحة لاستئناف الاهتمام بمراكز الثقافة الإسلامية الكبرى في الهند ، ومن أهمها حيدر آباد.

الشخصية الثانية التي توقفت أمامها طويلاً: هو المختار بن أبى عبيد الثقفى، وفي حدود ما قرأت، فتلك أول دراسة شاملة أطالعها عنه، بالنسبة لي كانت معرفته من خلال مصادر التاريخ الإسلامي المبكرة والتي اعتمد عليها الباحث في إعداد رسالته العلمية التي تحلل بعمق الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهور المختار على مسرح الأحداث الدامية التي أعقبت استشهاد الحسين عليه السلام، يتصل الأمر بما أطلق عليه عميد الأدب العربي طه حسين" الفتنة الكبرى" وتداعياتها المستمرة حتى عصرنا الحالي؛ بل ويبدو أن أمور المسلمين تزداد تعقيدًا بعد خمسة عشر قرنًا من نزول الرسالة ؛ فالفرقة تتسع والدعوات إلى تعميق التقسيم تتزايد بدلاً من الدعوة إلى التقارب وردم الفجوات خاصة بين أهل السنة والشيعة، ويوجد من لديه الأسباب لتعميق الهوة। غير أن العناصر الداخلية الفاعلة تظل أخطر وأقوى، خاصة مع الجنوح إلى التطرف، وعدم فهم روح العصر وما يجري في العالم، من هنا تبدو هذه الدراسة هامة لأنها تسلط الضوء على فترة حساسة، كثير من تفاصيلها ما زال ممتدًا حتى الآن أو نطالع ما يشبه، هذا ما يضفي قيمة إضافية وبُعدًا حيويًا على ظهورها الآن؛ إضافة إلى قيمتها العلمية، جزى الله العلامة أبو النصر محمد الخالدي خيرًا على علمه وجهده.


مقدمة جمال الغيطاني
لكتاب توابع الفتنة الكبرى لمؤلفه الدكتور أبو النصر محمد الخالدي

من كتاب "توابع الفتنة الكبرى " : مقدمة المؤلف


اخترت لرسالتي لنيل درجة الدكتوراه موضوع قصة المختار وأسباب ثورته ونتائجها، اخترت هذا الموضوع لأني أردت الكشف عن جزء غامض في تاريخ الحوادث التي مرت بالعراق في العصر الأموي، ولأنه مع صغره يشبه المركز الذي تتجمع حوله أشعة الحياة التي اضطرب فيها المسلمون في العصر الأول.

يعرف كل منا أن المسلمين فتحوا بلاد الدولة الفارسية بأجمعها كما فتحوا أطرافًا من بلاد الدولة الرومانية الشرقية في عهد أبي بكر وعمر، ثم جاء عهد عثمان، وسرعان ما تطورت الحوادث فقتل هو وانقسم المسلمون فرقًا، فريق مع علي في العراق وفريق بزعامة معاوية في الشام

وكتب على العراق أن يصبح موطن المعارضة للدولة الأموية طوال عهدها تارة بالقلم وتارة بالسيف، ونحن نعرف مقتل حجر بن عدي كما نعرف مقتل الحسين بن علي، وقد كان هناك الخوارج يشهرون سيوفهم في وجوههم ووجوه ولاتهم؛ فحجر بن عدي من أصحاب علي والحسين قد قتل لأنه كان يريد الخروج على رأي الأمويين فحسب بل على كل الأحزاب السياسية؛ فثورتهم إذن واضحة المعالم لا اعوجاج فيها ولا التباس.

أما ثورة المختار فإنها إلى الآن لم تحلل ولم تدرس درسًا علميًا منظمًا، وأقصد بالدرس العلمي أن تبحث أسبابها القريبة والبعيدة بحثًا يقوم على استقصاء الأسباب والعلل، ويعتمد على الحقائق كما يعتمد على البيئة والثقافة أو بعبارة أدق أن هذه الدراسة ينبغي أن تعتمد على الحقائق التاريخية والجغرافية، وعلى وصف المجتمع العراقي وحياته الاقتصادية والنظر في الحركات السياسية التي انبعثت منها هذه الثورة ليس في العراق فقط بل في الشام والحجاز أيضًا.

وإذا عرفنا أن المختار قد قام بدور هام في العراق أثناء دعوة عبد الله بن الزبير وأنه جهر بالدعوة أولاً ثم دعا إلى محمد بن الحنفية سرًا عرفنا إلى أي حد اتصلت ثورته بمبادئ الأحزاب الثلاثة الهامة في العصر الأموي وهي حرب الزبيريين وحزب الشيعة وحزب بني أمية، وذلك بحكم اتصاله وتمثيله بالحزبين الأوليين بل الخوارج أنفسهم، فقد قيل أنه بدأ حياته على مذهبهم، ومعنى ذلك أن شخصيته كانت مستودعًا إن صح ما يقول المؤرخون للحزبين الأوليين ثم لحزب الخوارج من ناحية، كما كانت ميدانًا للصراع مع الحزب الأموي من ناحية أخرى.

فالمختار بهذه الصورة كان ملتقى للآراء المختلفة في عصره، كما كان صورة ناطقة لهذه الآراء وما كان يسودها من الاختلاط والاضطراب بين العناصر جنسيًا ولغويًا ودينيًا؛ لذلك ظهرت ثورته في فترة اضطراب من الوجهة الزمنية والمكانية والشخصية.

لذلك أردت أن أبين أسباب ثورة المختار وعواملها ونتائجها وتوفرت على دراسة هذه الثورة بما تواضع عليه الباحثون في درس المسائل التاريخية دراسة علمية؛ ولهذا قدمت للبحث بتمهيد تحدثت فيه عن التاريخ ومكانه بين الفنون والعلوم وما يمتاز به من سمات وخصائص.

ثم تحدثت عن التاريخ الإسلامي ومراجعه التي تتصل بهذه الثورة مباشرة، وحللت هذه المراجع وبينت مدى قيمتها في الاعتماد عليها حتى إذا استوفيت ذلك انتقلت إلى الباب الأول من البحث؛ فحللت عوامل الثورة ولاحظت أنها تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين: العوامل المباشرة والعوامل غير المباشرة. أما العوامل غير المباشرة فقد انتظمت ثلاثة عوامل: العامل الجغرافي والعامل التاريخي والعامل الزمني؛ فتكلمت عن العراق جغرافيًا وأنثروبولجيًا وثقافيًا ولغويًا واجتماعيًا، ثم انتقلت إلى ما قام قديمًا من صراع بينه وبين الشام وبين الفرس والروم وبين عرب الحيرة والغساسنة، ثم بحثت ما وقع من حوادث بعد وفاة يزيد بن معاوية وما سادها من الاضطرابات وهو ما سميته بالعامل الزمني، وتركت ذلك إلى الحديث عن العوامل المباشرة ولخصتها في أربعة عوامل: وهي العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي؛ فدرست في إسهاب العناصر التي كونت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في العراق قبيل الثورة، وفي أثنائها. أما العامل الثاني وهو العامل المباشر فيتعلق بالموالي، ثم ذكرت موقف الأتقياء من الأحزاب السياسية حتى ظهور حركة التوابين الذين مهدوا السبيل لثورة المختار.

ثم انتقلت إلى الباب الثاني وفصلت فيه الحديث عن ثورة المختار وحوادثها وبدأته بالكلام عن أسرة المختار وبيئته وثقافته، ثم تحدثت عن علاقته بابن الزبير وابن الحنفية، كما تحدثت عن أعوانه، ثم فصلت الكلام عن ثورته واستيلائه على الكوفة وموقف أهلها منه، وموقف هؤلاء الثائرين ممن قتلوا الحسين وما آل إليه أمرهم في موقعة خاذر.

ولما انتهيت من هذا الباب تحدثت في الباب الثالث عن النتائج المباشرة لثورة المختار فتحدثت أولاً عن محاولة جعل إمارته على الكوفة شرعية، ودعاني ذلك إلى أن أتحدث عن علاقة عبد الله بن الزبير مع بني هاشم الذين كانوا يصطفون وراء المختار ويحثونه على الثورة، ثم تكلمت عن موقف العرب من حكومته التي كانت تعني بشئون الموالي وتعطف عليهم، ثم تحدثت عن الحرب بين مصعب بن الزبير والمختار، وما كان من موقف العرب العدائي من الثوار، وانتهيت من هذا الباب بالحديث عن الدور الذي قام به ابن الأشتر وابن الحنفية وحاولت أن أحلل عمل كل منهما.

ولما صورت ذلك كله أخذت في بيان نتائج الثورة فبحثت أولاً في مذهب المختار السياسي وتساءلت عما إذا كان قد ادعى النبوة، وهنا وقفت قليلاً فتحدثت عن نظرية الإسلام السياسية بالإجمال واستطردت من ذلك إلى الحديث عن فرقة الكيسانية، وحققت ذلك كله مستندًا في ذلك إلى الوثائق وتطور الحوادث، ثم تحدثت عن تأثير الثورة في السياسة والدين وأخيرًا نظرت في الثورة نظرة عامة لكي استخرج منها العظة والعبرة.

وأنا في هذه الدراسة كلها أرجع دائمًا إلى المراجع العربية التاريخية والأدبية والدينية، وإلى المراجع الفارسية والأردوية والإفرنكية،وما تركت شيئًا يمكن الانتفاع به في هذا البحث إلا رجعت له لاستقصاء هذا الموضوع.

والحق أن المرجع الأساسي، وفي رأيي مرجع المراجع في كل هذا هو العلامة حسن إبراهيم حسن، دام فيضه، وقد بذل لي الكثير من وقته ونفسه في كل ما صادفني من الصعوبات والعقبات في سبيلي، وأنا أقدم له شكري الجزيل الخالص من صميم فؤادي.

مقدمة المؤلف :أبو النصر محمد الخالدي