‏إظهار الرسائل ذات التسميات يصدر قريباً. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يصدر قريباً. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 9 أبريل 2009

السيد يسين متحدثأ عن "شهوة الكتابة "لدى ابراهيم فرغلي

في عموده بجريدة القاهرة ،تناول السيد يسين كتاب "شهوة الكتابة " لابراهيم فرغلي والذي يصدر قريبًا عن دار العين للنشر،بقدر من الاحتفاء .
وكان كلام يسين مستندًا إلى مجتزأ من الكتاب نشر في جريدة البديل المصرية بعدد 30 مارس 2009 ،وكان يتناول ظاهرة علاء الأسواني الذي أعتبره فرغلي صانع للبروباجندا أكثر من منتج أفكار."
يقول السيد يسين في مقاله:



علاء الأسواني.. من نموذج منتج الأفكار إلي صانع «البروباجاندا»

إبراهيم فرغلي يدعو لتأمل ظاهرته بعيداً عن أرقام المبيعات
تناولت عملي
ن من أعمال الكاتب علاء الأسواني (عمارة يعقوبيان، وشيكاغو)، في متن هذا الكتاب (المقال ينشر ضمن كتاب بعنوان شهوة الكتابة يصدر قريبا)، متوقفا أمام النصين نفسيهما، اللذين أظنهما بعيدين تماما عن مسار التجربة الحداثية في الكتابة الأدبية في مصر لأسباب ذكرتها بالتفصيل في المقالين المشار إليهما.
----------

وأضيف أن الشكل الكتابي الكلاسيكي الذي يعبر عن مكان منسجم، (عمارة يعقوبيان) هو شكل يكاد يكون بسيطا، ومناقضا. حقيقة إن المكان الجغرافي الذي تمثله مصر، لم يعد متجانسا بسبب التفاوتات المرعبة التي تحدث الآن، طبقيا وثقافيا، كما أن وسائل التقنية والاتصال الحديثة، بكل ما تتضمنه من أنماط التواصل الحداثية، قد أحدثت ثورة في معني الزمن، فلا يمكن أن يكون النص الآني معبرا عن زمن تقليدي بسيط متصل متقدم للأمام، إلا عن عدم وعي بالتطورات الحقيقية في الوعي البشري، وفي فكرة انضغاط الزمن، وتشظيه بسبب العديد من التطورات والمتغيرات القيمية والاجتماعية والثقافية في العالم، وفي البيئة المحلية المصرية.
فالمجتمع الم
صري الآن أيضا، بفضل ظروف عديدة، لم يعد بيئة واحدة ولا يعبر عن زمن واحد، فدخول حي عشوائي الآن في القاهرة، هو ولوج في زمن آخر، قيميا وزمنيا، بلا أدني مبالغة، في نفس الوقت الذي تختلف فيه مجتمعات أخري تمثلها مجتمعات الطبقات الأرستقراطية الجديدة، أو مجتمعات الفقر المدقع في أحياء شعبية، أو في الريف، أو في الصعيد، أو البدو في سيناء، وغيرها من مواقع استقرار البدو المصريين بشكل عام. وهو موضوع واسع يحتاج لمراجعات عديدة، من الجانب النقدي الأدبي والجمالي. ومحاولة الأسواني في هذا الصدد، مبتسرة لانحيازها لموقع جغرافي بسيط ومتجانس، لا يعبر بصدق عن البيئات المكانية الحقيقية للهامش الذي يحاول اقتحام المركز.
لكن ما أريد التوقف عنده هنا هو الدلالات التي تعكسها ظاهرة علاء الأسواني، بدءا من تمرير النصين بوصفهما عملين أدبيين مميزين، وإسباغ قيمة أدبية عليهما استنادا للمبيعات الهائلة، في مناخ نقدي أقل ما يمكن أن يوصف به أنه مناخ ضعيف وهش، مرورا، باستثمار الأسواني الظاهرة لمحاولة ترسيخ نموذج دعائي للكاتب، وصولا إلي استخدام الخطاب السياسي والإيديولوجي في تدعيم صورة الكاتب العربي كمناضل سياسي، وترسيخ نموذج النص الأدبي العربي كوثيقة اجتماعية يقدمها للغرب، بينما يستخدمها الأخير بمنطق المتلصص علي الثقافة العربية، كوسيلة إضافية لتأكيد الصورة المعدة سلفا عن العرب كشعوب متخلفة، وكمجتمعات لا يمكن أن تنتج سوي الإرهاب والتطرف، والتخلف، وأن كتّابها لا يمكن أن ينتجوا فنا بقدر ما يمكنهم إنتاج سرديات سياسية عن المجتمعات التي ينتمون إليها. ولعل هذا ما يبرر ابتعاد مؤسسات الترجمة عن النصوص التي تعبر عن نقلات حداثية وتجريبية في الكتابة العربية والسعي للترويج وترجمة نصوص تبرر هوجة الترجمة التي التفتت للنص العربي تأثرا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أعتقد، وفقا لشواهد عديدة، أن نصي علاء الأسواني، ليسا استثناء، وأن ظروف تمريرهما، خاصة نص يعقوبيان، لم تعتمد كثيرا علي المبرر الفني، بقدر ما كانت هناك، وباستمرار مبررات دعائية بامتياز.
فالمعروف أن نص "عمارة يعقوبيان" لم يجد طريقه للنشر بسهولة، لأسباب عديدة، بينها عدم تميز أعمال الأسواني الأولي التي نشرها قبل يعقوبيان، إضافة لأنه كان محسوبا، بشكل أو آخر، علي اليمين الإسلامي، حين كان يكتب في صحيفة الشعب ذات التوجه الإسلامي، في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، وروج لمفاهيم أخلاقية في قراءة النصوص الأدبية، آنذاك.
قبل شهرته تقدم الأسواني لهيئة قصور الثقافة، وتحديدا لسلسلة (أصوات أدبية) التي كان يشرف عليها آنذاك الكاتب الروائي محمد البساطي، بنص رأي فيه البساطي أنه لا يرقي للنشر، لكن الأسواني نشره في طبعة محدودة ثم بعد ذلك بسنوات نشر "يعقوبيان" لدي دار ميريت، وبدأت موجة من الدعاية للنص، بعضها جاء تشجيعا للكاتب، من قبل الصحافة الثقافية المصرية والمسئولين عنها، بسبب جرأته في بعض أجزاء الرواية في نقد مباشر للسلطة، ومن قبيل حمايته ودعمه، وربما تواطؤاً مع رجل استطاع أن يقول ما يرغب آخرون في قوله ولا يقوون عليه فيما يتعلق بنقد السلطة، واحتفاء برجل دمث له علاقات واسعة، ولأسباب أخري، بينها قدرة الأسواني نفسه علي الدعاية لأعماله بشكل جيد، بحديثه المستمر- استباقا- عن أرقام توزيع رواياته، وعبر سلوكيات دعائية عدة، بينها السبق في نهج لم يسبقه إليه كاتب آخر عن إعلان الكاتب لأرقام مبيعات كتبه، وإقامة حفل في الجامعة الأمريكية جاء فيه الفنان عادل إمام ليعلن أنه قارئ ممتاز لم يكن يترك ورقة صحيفة في الطريق إلا وقرأها! ليعلن لنا بعد ذلك أنه بعد قراءة يعقوبيان اكتشف أنه أمام رواية عظيمة، وكذلك فعلت الفنانة نادية لطفي في الحفل ذاته، وجلال أمين، وغيرهم.
ثم الإعلان عن بيع الكتاب للسيناريست وحيد حامد لتحويله لنص سينمائي، قبل فترة طويلة من إنتاج الفيلم، كما اتخذت الاستراتيجية الدعائية تحويل أفلام وثائقية تسجيلية عرضت في قناة النيل للأخبار، في بدايات صدور الرواية، من موضوعها الرئيسي وهو عمارة وسط البلد لتصبح، فجأة، مختصة بعمارة يعقوبيان، دون غيرها، وغير ذلك الكثير من وسائل الترويج والتسويق، دون إغفال أن النص، أو الحالة، وجدت هوي في نفوس متلقين كثر.
بينما أعتقد أن ما يكتبه الأسواني، من منظور تأريخ تطور النص السردي المعاصر، نص ينتمي لزمن قديم من زمن السرد المعاصر، ويتنافي تماما مع كل ما أنجزته معاول الحداثة الروائية علي يد جيل الستينيات وما بعدها.
فهو نص مشوق، يعتمد تتابع الحكاية، في بناء كلاسيكي، يعتمد مضمونا ينتمي لتصورات الرواية الرومانسية، من حيث تصوير شخصيات شريرة وأخري طيبة دون الولوج لعمق الشخصيات ومحاولة كشف تعقد النفس البشرية كما يجب أن يعكسه الأدب، وتغيب عنه الرؤي الفلسفية التأملية، وهو ما يكشف عن وعي ذي بعد واحد بمفهوم الرواية التي يقول عنها الروائي الفرنسي التشيكي ميلان كونديرا:"روح الرواية هي روح التعقيد. كل رواية تقول إلي القارئ ليست الأمور بسيطة كما تتخيل، وتلك هي الحقيقة الخالدة، لكن أصبح من الصعب سماعها وسط ضوضاء الإجابات السهلة السريعة التي تأتي أسرع من السؤال وتمنعه من القيام بدوره".
أما القراءات الاجتماعية التي تطوع بها بعض المثقفين، أو بعض القراء الأخلاقيين للأدب، فلا تقدم كثيرا لمدلول النص جماليا، وهذا بيت القصيد، وأضرب المثل بيعقوبيان لأنه النموذج الأبرز لظاهرة تسويق الكاتب لنفسه في أكثر أنماطها فجاجة.
هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، أن الأسواني قد بذل جهدا في كتابة نص مشوق لجمهور بسيط واسع، عن وعي كامل بما يفعله. ولعله، علي قناعة بأن ما يكتبه أدب كبير، أو لعله أقنع نفسه بذلك متخذا من شواهد "البيست سيللر" دليلا دامغا، لكن ذلك لا يكفي، مهما بلغ الضجيج الإعلامي، ومهما تفنن المسوقون والمروجون. بل بالعكس، فقد كان الأكثر مبيعا علي مدي تاريخه الأكثر مدعاة للريبة والشك لخضوعه لشبهة التجارية، لأن الأدب الكبير يعتمد أولا وتاليا علي إنجاز الكاتب في نحت لغة خاصة به، وأسلوب خاص، وفكرة عميقة، ولا أظن ذلك قد تحقق في نصوص الأسواني. أما التواجد الإعلامي والحضور الجماهيري فلا يعني كثيرا لمسيرة النص الفني.
في الولايات المتحدة سنجد أن كاتبا مثل دان براون صاحب "شفرة دافنشي" قد باع من كتبه عشرات الملايين، لكنه لا يصنف أدبيا مع كبار الكتاب أمثال فيليب روث، أو بول أوستر، كما لا يقارن أيضا بهيمنجواي أو ميللر، ولا يزعم هو أكثر مما يفعله.
الشاعر اللبناني أنسي الحاج له مقولة يقول فيها :"وغداً، بعد أن تختفي أصوات كثيرة وينحسر الموج، سيماط اللثام عن جواهر قليلة في قعر الجرّة المقدّسة". وأزعم أن كثيرا مما يطنطن له الآن لن يكون في قعر تلك الجرة».
ظاهرة علاء الأسواني، في الوقت نفسه، تستحق التوقف، لدلالاتها، في تغيرات صورة الكاتب، التي كان أبرز تجلياتها نموذجين أساسيين في مصر هما نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وقد كان لكل منهما أشياع وأنصار، يتحمس الفريق الأول لكاتب دءوب، يعتبر الكتابة جزءا من معني وجوده، يكرس لها حياته وينظم إيقاع الحياة لأجلها، بينما أشياع الثاني ينتصرون لما يسمونه وحشية الموهبة، والقدرة علي التقاط الأفكار الكبيرة من مشاهد الإنسانية وتكثيفها بروح الفن، والتقاط لحظات التناقض العميق في التركيبة النفسية للبشر، وصوغها قصصيا.
وأيا ما كان أمر الكاتبين فقد كان كل منهما امتداداً لتراث طويل من الكتاب الذين قدموا صورتهم كمنتجين للأفكار، وداعين للقيم العقلية والليبرالية، وتحرير العقل المصري من أوهام الغيبيات، ولم يكن أي منهم مسوقا لنفسه كصاحب سلعة، فهذه تركوها للناشرين والجهات المختصة، وإنما كان كل منهم يعي جيدا أنه مفكر في المقام الأول، ومنتج أفكار، وليس خبيرا في التسويق. فلم نسمع يوما أن ذكر محفوظ أن كتابا من كتبه طبع أكثر من 14 أو 15 مرة، مثلا، رغم أن ذلك تكرر كثيرا لعدد كبير من أعماله في وقت كانت الطبعة من الكتاب تتجاوز 5000 نسخة.
فمحفوظ وأمثاله كانوا امتدادا لجيل ذهبي من منتجي الثقافة والفكر، من أمثال سلامة موسي، عباس العقاد، طه حسين، توفيق الحكيم، يحيي حقي، وزكي نجيب محمود وغيرهم من كبار الكتاب والمفكرين. وكان أي لقاء إعلامي مع أي منهم بمثابة مساحة للتعرف علي أفكار جديدة، لا تخلو من العمق، وليس مجرد خطاب دعائي، وسياسي مباشر.
امتدت الظاهرة لتخلق حالة من التشوش الإبداعي التي أسهمت في دخول حقل الكتابة يوميا من قبل مدعين يكتبون نصوصا صدرت وتم الاحتفاء بها، واختلط حابلها بنابلها، بينما لا ترقي للمنافسة مع أي نص إبداعي كبير مما يشيع في الغرب، ومما تناوله هذا الكتاب من مثل أعمال بول أوستر أو يوليا فرانك أو فريدون زايموجلو وغيرهم.
إن الظاهرة، في الحقيقة، تكشف زمنا يسعي فيه البعض من المحسوبين علي الوسط الثقافي لتحويل دور الكاتب من كونه صاحب دور طليعي، ورؤي كاشفة، وعميقة، إلي واجهة إعلامية، وسيلتها صورة كاتب يستخدم خطابا ليس مهما محتواه، أو مدي عمقه، ويستخدم نسيجا لغويا دعائيا يداعب مشاعر الجمهور.
كما أنها تروج لفكرة ربط الخفة والبساطة والحكي المباشر بانتشار العمل الأدبي، وتقدم نموذجا فجا للدعائية، صورتها نجومية الكاتب بأسلوب مستدعي من نجوم الفن والسينما، بعيدا عن صورة الكاتب الأصيلة، كمفكر، مطلع علي آداب العالم، قادر علي التقاط المعاني مما يراه.
فعلي مدي تاريخ الأدب المعاصر، كان هناك رواج لكتاب من أمثال إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ثم إسماعيل ولي الدين في عمله التجاري حمام الملاطيلي، وكان محفوظ وإدريس موجودين، لكن المناخ النقدي كان يضع كل نوع من تلك الأعمال في مكانه الطبيعي، ولم يفسر انتشار أعمال إحسان بين الجمهور خاصة المراهقات، أو رواية ولي الدين، بأنه دليل أو معيار قيمة، وهذا ما نبتغيه الآن وهنا.
صحيح أن ظاهرة الأسواني لها ميزة إيجابية تمثلت في استعادة الجمهور للقراءة، وهو جمهور كان موجودا ينتظر مناخا يوفر له الكتاب عموما، لكني أظن أن الأدب الرفيع هو الذي سيستفيد مما قدمه علاء الأسواني بترويجه لرواياته.
لا أعني هنا أنني أنفي حق أي شخص أن يصبح مليونيرا أو مليارديرا لو شاء، من الكتابة أو غيرها، فهذا شأنه، وحقه أيضا، كما أنني لست ضد أن يوزع مئات الملايين من النسخ، فليستمتع من يرغب من القراء بقراءة هذا النص أو ذاك، وليروج هو كما شاء، لكني فقط ضد ترجمة الشعبوية بالقيمة.
......

ابراهيم فرغلي

(مجتزأ من كتاب شهوة الكتابة لابراهيم فرغلي )

والذي يصدر قريبًا عن دار العين للنشر

نشر مؤخرًا في جريدة البديل

عدد 30 مارس 2009


الثلاثاء، 7 أبريل 2009

احترس.. مصر ترجع إلى الخلف

يصدر قريبًا عن دار العين لنشر كتاب" احترس .. مصر ترجع إلى الخلف" لد.محمود عطية وهو بالمناسبة صاحب كتاب"مصر المفروسة" والذي صدرت الطبعة الثالثة منه منذ فترة.
لا يعتبر عطية كتابته أدبًا ساخرًا بشكل محض ،بل يعتبرها_كما جاء في تصدير الغلاف_"كتابات تبدو ساخرة" يستمدها من " الهم المصري اللي يضحك".
يقول عطية عن كتابه " كتابي هذا يبدو تتمة لما بدأته في كتابي السابق" مصر المفروسة" محاولة لرصد وتحليل ما يموج به بطن الشارع المصري من سلوكيات طفت على وجه الحياة المصرية وكنا نظن أننا أبعد الناس عنها.. وتعليقات على أحداث وقرارات وأقوال حكوماتنا.. المتعاقبة علينا بلا سبب واضح لمجيئها أو لرحيلها.. وتسجيل ما يردده العامة قبل الخاصة عن أحوالنا وهم يضعون أيديهم على قلوبهم منتظرين مصيرًا لنا جميعًا لا يتفاءل الكثيرون به..رغم أننا لا نملك رفاهية عدم التفاؤل.. فالتشاؤم عملة ليس لها رصيد وإن بدا في أحيان كثيرة ضرورة للفت الانتباه وأخذ الاحتياطات لمواجهة الفساد والقصور البيّن في محاربته حتى لا يودي بنا جميعًا ويوردنا مورد التهلكة..!

الأربعاء، 1 أبريل 2009

مجتزأ من رواية "وراء الفردوس" .. لمنصورة عز الدين

"لا أمل فيك ِ. لن تنضجى أبدًا. لن تصيرى شخصية واقعية على الإطلاق".
اعتاد أن يقول لها في السنة الأخيرة من عمر زواجهما القصير. أصبح يتعامل معها كأنما تمثل الشرق بينما يمثل هو الغرب، والشرق والغرب لا يلتقيان كما أكد كيبلنج!!
- ظيا أنت مش غربى أصلاً، وأنا مش بأمثل غير نفسى. أنا حتى مش بأمثلها ولا فهماها.
لا يرد عليها رغم انزعاجه من تأكيدها أنه ليس غربيًا. هو يكره من يذّكره بشرقيته، يقدم نفسه دومًا باعتباره بريطانيًا، ويجهد نفسه طوال الوقت للتخلص من أى لكنة باكستانية قد تشوب إنجليزيته التي ينطقها بلهجة أكسفورد المترفعة، وحين يندهش من أمامه من ملامحه الشرقية وسمرته الجميلة، يوضح مضطرًا أن والديه من باكستان. أمه من الباشتو وأبوه كشميرى.

هو الذي غادر كشمير الباكستانية في عمر الخامسة مع والديه إلى إنجلترا يقول أن لغة الباشتو التي اعتاد أن يسمعها من عائلة أمه حين كان يزورهم معها قبل الهجرة ما يزال صداها يتردد في ذاكرته كموسيقى غامضة. من وقت لآخر يسمعها في ذهنه كأغنية شجية تذكره بسنواته الخمس الأولى.

أحبت فيه سلمى تلك النعومة الخفيفة التي تؤكد ذكورته ولا تنفيها، شغفه بها الذي لم يحاول أن يداريه منذ أن وقع بصره عليها لأول مرة. لم تكن قد انتبهت بعد لتناقضاته العديدة.
معه تعرفت على جسدها واقتربت من نزواته ونوبات شغفه وشهوته. انغمس كلاهما في الآخر بسرعة أدهشتهما معًا.
حين أخبرت والدها برغبة ظيا في التقدم لطلب يدها، انزعج بشدة وصرخ في وجهها، بل حتى هم أن يضربها. إذ كيف تجرؤ على الزواج من شخص أجنبى على غير ديانتها؟ شرحت له بالتفصيل الممل أن ظيا مسلم من باكستان، وأنه فقط يعيش مع والديه في إنجلترا ويحمل جنسيتها. قالت له أن اسمه ظيا هوالتحريف الباكستانى لاسم "ضياء" العربى. فطلب أن يراه ويتحدث معه أولاً.
وافق على الزواج عندما لمس إصرار ابنته المدللة على الرغم من المعارضة الشديدة لشقيقها خالد. تعاطف رشيد مع الحب العنيف الذي لمسه بين ابنته وذلك الأجنبى الغامض بالنسبة له، ظن مثل آخرين أن الحب هو أكثر الأشياء قوة في العالم، لم يخبره أحد من قبل أنه أيضا أكثر الأشياء هشاشة.

كانت سلمى معوقة بطريقتها الخاصة. تمثلت إعاقتها في عدم وعيها بجسدها أو إحساسها به. امرأة في الثلاثين بجسد مثير عامر بالمنحنيات والاستدارات، إلا أن وعيها به كان وعى طفلة صغيرة بجسدها الغض. بدت دائمًا كأنما نما جسدها ونضج في غفلة منها ومن إحساسها به.
كانت ترتبك إذا أطال أحدهم النظر له، تشعر أنه يلسعها بنيران غير مرئية، لكنها حامية. ترتبك بالأساس لأن ذلك يؤذى تلقائيتها في التعامل مع نفسها، يخرجها عن طفولة حواس ارتضتها وتواءمت معها.

لم يكن هذا يضايقها، إلى أن بدأت علاقتها بظيا، في البداية أعجبه ذلك. ظنه نابعًا من تحرر شديد ومن عدم الوقوع في أسر فكرة الجمال بشكل مطلق. رآها غير منتشية بجمالها أو حتى مكترثة به، هي جميلة لأنها لا تدرك أنها كذلك، كما أخبرها.
غير أنه فيما بعد بدأ يدرك مشكلتها بشكل أعمق، كونها حالة فرويدية بامتياز مثلما اعتاد أن يردد بيقينية تجرحها.

بعد انطفاء جذوة الشغف الأولى التي أنستها مشاكلها مؤقتًا، تحولت العلاقة بينهما تدريجيًا إلى شىء مقيت يضغط عليها، كان جسدها يتمرد، بخرسه وحياده وبروده. لا يستجيب للمساته أو مداعباته، تحول إلى جسد ميت، كأنما ينتقم منها ومنه على طريقته الخاصة. بموته كان يحيل جسد ظيا هو الآخر لجثة غير قادرة على إشعال الرغبة فيها.
في السابق كان يكفي أن تراه أو تتابع حركات يده وأصابعه التي يمررها من وقت لأخر فوق رأسه كى تشتعل رغبتها. ربما سيندهش ظيا إذا عرف أن أصابعه الطويلة الرشيقة إضافة لنظراته المفتونة بها كانا أول ما جذبها إليه.
أما الآن فلم تعد حتى قادرة على استعادة ذكرى النيران التي كانت تشتعل في جسدها بمجرد أن يلمسها.
تستعيده فقط عبر ابتسامته اللطيفة، والهدوء الذي يتعامل به مع أعقد المواقف. عبر قراءته لأشعار أبى نواس بعربيته التي تضحكها من فرط ركاكتها. تستعيده قبل كل شىء بروائح القرفة، الكركم، العُصفر، والزعفران وبهارات الماسالا.. بالنكهة الحريفة للأطعمة الكشميرية والباكستانية التي اعتاد أن يتفنن في إعدادها مستخدما زيت الخردل معها جميعًا: دجاج جالفريزى، مرقة الباذنجان باللوز، ماسالا الدجاج.

أخبرها ذات مرة أن المطبخ وروائح البهارات المميزة هما أشد ما يربطه بثقافته الأولى. حين يقف في المطبخ كعادته لإعداد أحد أصنافه المفضلة، يشعر أنه في بيت والديه في مانشستر، بل حتى في بيوت أقارب أبيه في كشمير، تلك البيوت التي لا يتذكرها، إنما تتسرب إليه من وقت لآخر عبر روائحها المميزة.

كان يندهش من كرهها لرائحة القرفة، والكركم، ولمذاق الشاى الأخضر والزنجبيل، من توجسها من المأكولات الغريبة عما اعتادت عليه. بالنسبة له الرائحة والمذاق هما المدخل الأول لجنة الحواس، وهي لن تتعرف على جسدها ورغباتها بشكل صحيح، إذا لم تفتح كل مسامها للمذاقات الغنية وروائح الطعام المثيرة.

كانت تقف بجواره وهو يطهو، فتتعجب من استغراقه التام فيما يقوم به، ينسى وجودها أحيانًا، ويندمج بكليته في طهي مكلل بموسيقى شوبان المنبعثة من الكاسيت في حجرة المكتب. فور زواجهما سافرت معه إلى مانشستر للتعرف على أسرته. ذكرتها والدته بعمتها نظله، الهدوء نفسه، والقراءة المستمرة في القرآن، والطرحة البيضاء التي تغطى بها شعرها.

أعدت لهما الأسرة بمناسبة الزواج وليمة "وازوان" ، أحبت سلمى الطقس المصاحب لأكلها، في مجموعات من أربعة أشخاص. أعجبها أن تشارك في هذا التقليد الكشميرى البحت في آخر مكان تتوقع فيه ذلك وهو إنجلترا. تغلبت مؤقتا على توجسها من الأكلات الغريبة عليها، ربما بسبب طابع المرح الذي غلّف المناسبة.
أحبت من بين أصناف الوازوان الريستا بشكل خاص، أو كرات لحم الضأن المطبوخة في صلصة مرق اللحم، وحين جاء دور الجوشتابا في نهاية الوجبة كانت قد أتخمت من الأصناف السابقة، كما لم تستسغ كون كرات لحم الضأن في الجوشتابا مطهوة في صلصة مرق اللحم المغطاة باللبن المتخثر. بدا لها خلط لحم الضأن مع اللبن المتخثر أمرًا مثيرًا للغثيان.
كانت على وشك إعلان انتهائها من الأكل مع تقديم الجوشتابا، إلا أن ظيا همس لها بأن رفضها الأكل من الجوشتابا يُعد إهانة تجرح مشاعر من قام بإعداد الوازوان. فضغطت على نفسها وأكملت تناول الطعام من دون رغبة حقيقية.

ربما كان ظيا سيصبر على سلمى لو اقتصرت المسألة على برودها معه في السنة الأخيرة من عمر زواجها، لكن ما عجّل بنهاية علاقتهما هو عدوانيتها الشديدة تجاهه، رفضها لأى كلمة يقولها، تمسكها بأوهامها، وتصديقها لها أكثر من الحقائق نفسها.
كان من الطبيعى بالنسبة لها أن تحاسبه حتى على أحلامها، إذا حلمت بأنه يخونها مع أخرى، تقضى الصباح في استجوابه، والتشكيك في إخلاصه لها. وينتهي الأمر ببكاء هستيرى أصبح لا يطيقه، ولا يفهمه.

وعلى الرغم من انفصالهما قبل عودته نهائيا إلى مانشستر، أخفت سلمى خبر الانفصال عن والدتها وعمتها، أخبرت الجميع أنهما يمران فقط ببعض المشاكل، وأنها سوف تلحق به في أقرب فرصة.
وهي في بيت أبيها منغمسة فيما اعتبرته رواية تكتبها، حلمت به ذات ليلة، كان يصلى في صالة البيت، على الرغم من أنه لا يصلى في الحقيقة. كان الحلم مغلفًا بروائح البهارات التي اعتاد أن يستخدمها في الطهي، وكانت تشعر براحة عجيبة، تشبه تلك الراحة التي كانت تحسها في بداية علاقتهما. وفجأة بدأ وجهه يتبدل ليحل محله وجه خالها مصطفي. في لحظة يكون الشخص المصلى هو ظيا، وفي التي تليها يصير مصطفي.

حكت سلمى لعمتها نظلة حلمها مع إغفال التفصيلة الأخيرة، فأخبرتها عمتها أن ظيا سوف يعود لها قريبا، وسوف يعيشان معًا حياة مستقرة. فصلاته في بيت أبيها تشير إلى هذا. تذكرت سلمى تفصيلة تحوله إلى خالها مصطفي في نهاية الحلم، فأخبرت عمتها بها. قطبت نظله حاجبيها، وأخبرت سلمى بحزن أن هذا التحول يعكس معنى الحلم تماما. لأن"الخال" في الحلم ينبع من "التخلى"، وهذا معناه أن ظيا سيتخلى عنها.
........
رواية جديدة لمنصورة عز الدين
تصدر قريبًا عن دار العين للنشر

وراء الفردوس .. رواية جديدة لمنصورة عز الدين

يصدر قريبًا عن دار العين للنشر رواية " وراء الفردوس" لمنصورة عز الدين وهي ثاني رواياتها بعد "متاهة مريم".
ذكريات تختلط بالأحلام بالحقائق مضفرة بفن واعي بما يفعله، هكذا تمضي الرواية بعذوبة وسلاسة.
تقول الراوية في مقطع من الرواية " لا أعرف لماذا استحضر ذلك العالم وتلك الشخصيات الآن، الحنين ليس دافعى على أية حال، ولم يكن أبدا كذلك، إنما محاولة استكناه وجودى ذاته، لمسه والتحقق منه، تحسس حوافه المدببة الخشنة، محاولة التأكد من أن الطفلة الصغيرة ذات الشعر البنى المجعد والعينين البراقتين هي نفسها المرأة التي تخطو فوق الثلاثين بوجل، وهي تراكم الأيام فوق بعضها البعض دون أن تعيشها فعلا.
أن أتيقن من أن تلك الأحداث التي تلاشت ولم تعد هناك حدثت بالفعل، وليست من بنات أوهامى وخيالاتى، أنا البارعة حد الموت في خلط الوقائع بالأوهام، والحقائق بالضلالات، والعائشة دوما بوعى غائم.
غير أنى أعود فألعن الواقع والحقيقة، إذ ماذا تعنى هذه الكلمات في عالم كهذا، ومع حيوات مستلبة كهذه؟
استعذب الاختلاق وخلط الأوراق ببعضها البعض، وأهوى المقامرة التي غرسها أبى في نفسى بمهارة التجار ومكرهم.
حين كنت في الثانية عشرة من عمرى قرأت "واإسلاماه" لعلى أحمد باكثير، وامتزجت بشخصياتها: جهاد، قطز، والظاهر بيبرس، وعندما شاهدت الفيلم المأخوذ عن الرواية نفسها في العام التالى، ظللت أردد بهستيريا أنه مخالف للحقيقة، وأن هناك رواية أخرى أمينة للأحداث، كانوا ينظرون إلىّ كما لو كنت بلهاء.
ظللت لمدة طويلة بعدها أظن أن ما هكذا يٌعالج التاريخ، وأنه يجب أن تٌروَى الأحداث كما وقعت بالفعل.
لم أكن أدرى أنى حين أكبر ستكون مهمتى اختلاق ما لم يحدث، وخلط الواقع بالأوهام، وسد ثغرات الذاكرة عبر الاختلاق والمراوغة. الذاكرة تلك الآلة المخاتلة التي تخذلنى كلما اعتمدت عليها".

قريبًا .. أبناء الجبلاوي


يصدر قريبًا عن دار العين للنشر رواية" أبناء الجبلاوي" لابراهيم فرغلي ،وهو التعاون الثالث بين الدار والكاتب حيث أصدرت له من قبل كتابه "مداد الحوار" وروايته " جنية في قارورة".عنوان الرواية مقتبس من رواية"أبناء حارتنا" لنجيب محفوظ الذي يحتل جزءًا رئيسيًا من الأحداث التي تحمل سمة من الفانتازية والتي ينوه لها الكاتب في تمهيد الكتاب خشية حصول نوع من اللبس أو سوء التفاهم بينه وبين القراء.
يقول فرغلي في تمهيده للرواية" هذه رواية، مختلقة بالكامل من الخيال، بكل ما يدور بها من وقائع، وكل ما فيها من شخصيات، باستثناء بعض أسماء الأحياء أو المكتبات، وهي مذكورة بأسمائها للإيهام، بينما الوقائع والأشخاص متخيلة في إطار من الفانتازيا، ولو صودف تشابه أي مما جاء بها من وقائع أو أسماء مع نظائر من الواقع فسيكون ذلك بمحض الصدفة"
كما يصدر أيضًا روايته ببعض الاقتباسات من رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ. وجملتين حواريتين مقتبستين من حوارين لجمانة حداد مع "ماريو فارجاس يوسا" و" بول أوستر".وهو بهذه التصديرات يمعن في تأكيد الجو الخيالي للعمل الفني.

الأحد، 29 مارس 2009

الرسالة الأولى: طعم التفاحة

حبيبتي،
اشتقت، كأننا لم نكن معاً بالأمس.
أصابعي تسرح بحثاً عنك، تتحرك بوحشة، تتحرش بالهواء، متطلعة، متوجسة، كأصابع كفيف. ولم أجد غير كتاب ألبرتو مانجويل أسليها به. كانت فكرة حلوة أنك لم تشتر لي نسخة خاصة. أقرأ الآن نسختك، أتتبع مثل قصاص أثر علامات أصابعك: الفقرات التي وضعت أمامها نجومك الخضراء، انكسار الورقة الذي يحدد أماكن توقفك عن القراءة واستئنافك لها.

وسط حمى البحث عن رائحتك في الكتاب، صدمني فخر مانجويل بكونه قارئاً ساخن الدم، لا يقر بحق الليلة الأولى لقاريء غيره.
الحرص على عذرية الكتاب وطقس "الافتضاض" ولع لايخص مانجويل وحده، إنما يشاركه فيه ملايين القراء الرجال، ممن يعتبرون القراءة فعلاً ذكورياً محضاً. لكن ماذا عن النساء؟ لا أستطيع أن أتبين على وجه اليقين موقف القارئات. هل يمكن أن تكتبي لي موقفك الشخصي في الرسالة القادمة؟

أعود إلى مانجويل أو مانغويل، الذي لم نجد بعد حلاً لاسمه وللأسماء المشابهة في الترجمة إلى العربية، هل من الصعب أن يتفق العرب على اعتماد أو إلغاء الجيم المصرية غير المعطشة؟!
على أية حال، مانغويل كان أو مانجويل، الرجل الذي بنى شهرته على كونه قارئاً على ذوق قاريء آخر، لن يعرف أن قارئاً عربياً واصل قراءة كتابه هو بالذات، متحملاً الكثير من لحظات الملل والإطالة، لأنه كان يتتبع أثر الأصابع الحبيبة على صفحات الكتاب، بأكثر مما يتتبع رؤيته حول القراءة، التي اجتهد لتقديمها.
ولا أستطيع اتهامه بالادعاء أو عدم الوفاء لمبدأه؛ فاللهجة التي يتحدث بها عن بورخيس تقول إنه كان يستشعر الغيرة من الرجل الأعمى، حتى من دون أن تسبق أصابعه أصابع مانجويل في افتضاض الكتاب: " القراءة على الرجل المكفوف المسن كانت تجربة غريبة بالنسبة إليّ، لأنه كان، كمستمع، سيد النص (...) بورخيس كان يختار الكتاب، وبورخيس كان يمنحني الدعم اللازم، أوكان يطلب الاسترسال في القراءة، وبورخيس كان يقاطعني للإدلاء بتعليق، وبورخيس كان يترك الكلمات تتوجه صوبه، أما أنا فكنت غير منظور". 1
هل شغلتك بمانجويل أكثر من اللازم؟
أعتذر، لكنني أظن أن هذا يعود إلى أهمية كتابه، وكم هو موح. فكرت أيضاً في المقارنة بين قراءته لبورخيس وقراءة الأم لطفلها في المهد.
الطفل مثل الكاتب الأعمى، يقرأ على هواه؛ فيطلب إعادة هذه القصة أو تلك من بين محفوظات الأم.
جميعنا قرأنا في المهد، بل إن الدراسات الحديثة تؤكد أن أجنة الأمهات الشغوفات بأمومتهن يستمتعن بأغنيات وحكايات ما قبل الولادة.
باستثناء غير المرغوب فيهم من ثمرات التشرد ومجهولي النسب، الذين يلقى بهم قطعاً زرقاء من اللحم الغض مع الحبل السري ودماء المخاض، يواصل كل المواليد القراءة في المهد، حريراً كان أوخوصاً.
وكل أم هي شهرزاد مولودها، تهدهده بهديل يتردد صداه في حيواتنا فيما بعد. كل أثر للحضارة في سلوكنا، يعزى إلى هذه القراءة المبكرة، التي إن لم تصلح أساساً لقراءات تالية، فقد قامت على الأقل بدورها في تهذيب الكائن.

لاشيء يعوض حنان هذه القراءات الأولى، ولا حتى النشأة في دير التي تلقاها اللقيط "جرونوي" بطل باتريك زوسكند في "العطر". ستقولين لي إنه غرونوي، لا بأس!
هذا الشقي نال حظه من حليب أمهات بديلات كن يحسدنه على شهيته، وهويجبد من أثدائهن في نهم. ولكنه افتقد هديل الأم، وهذا برأيي هو سبب مواصلته خنق العذارى بلا رحمة!

بعد المرحلة الإلزامية في المهد، تتواصل القراءة بشروط ثقافية وطبقية معينة، بينما تقلع معظم الأمهات عن هذه العادة، بسبب إعاقات الأمية والجري على الرزق، تاركات أطفالهن لمصائرهم.
ولاأحد يعرف أيهم أكثر حظاً: الطفل الذي تتواصل وصاية الأم عليه فتلازمه القراءة بوصفها عادة سلوكية ومتعة مشروعة، أم ذلك الذي ينفطم قسراً، وبدلاً من استمرار هوى القراءة في السرير، يعود إلى اكتشافها بنفسه؛ فتصير ولهاً سرياً بديلاً عن السرير أوعن الحياة ذاتها؟
مازلت أذكر هدهدات أمي، التي انصرفت سريعاً إلى المولود التالي. كما أذكر الكتاب الأول الذي سعيت إليه بديلاً للمتعة الحسية.
حدثتك عنه، ألم أفعل؟!
رواية عن يوسف وزليخة. كانت أول كتاب وقع في يدي، خارج مناهج المدرسة المسورة جيداً بما لايدع مجالاً لنفاذ المتعة.
ويبدوأن الكتاب كان ضمن سلسلة تتوخى تقديم العبر من القصص القرآني للفتيان. لا أذكر المؤلف ولا عنوان القصة، ليس لضعف الذاكرة الضعيفة فعلاً، بل لأن النسخة التي قرأتها كانت منزوعة الغلاف والصفحات الأولى، لكنني أتذكر تماماً رائحة الورق، التي صرت أعول عليها كثيراً في قراءاتي التالية.
لم أنتبه في قصة يوسف وزليخة إلى أي من وجوه القداسة أوالورع التعليمي، الذي يُفترض أن تتركه القصة.
ومثل الحب الأول ـ القابل للتكرار في مرات نادرة ـ لم ألتق بذات النوع من القراءة التي تقوم بديلاً كاملاً لفعل الحب سوى مرتين بعد ذلك: في قصة الحمال والثلاث بنات في ألف ليلة، وعشيق الليدي شاترلى. ربما لأن القصص الثلاث تشترك في تقديم إناث يقدن الذكر إلى أقاليم المتعة، بينما تتفوق قصة يوسف وزليخة بحجم ما تركته من غموض.
ومن حسن حظ البشرية أن وجدت من يبدع قصصاً بهذه العذوبة، يمكنها أن تؤنس المتوحدين والمتوحدات، ممن يفتقدون الفرصة في العثور على شريك، وكبار السن ممن يفتقدون القدرة على المشاركة.
وما كان لهذه القصص أن تعيش، لولا ما تنطوي عليه من نقصان، تدعو القاريء إلى إكماله. وهذا هو وجه التشابه الأعمق بين القراءة وفعل الحب: المشاركة.
النقصان والخوف من النفاد هما أصل كل شبق، والمشاركة طريق كل متعة. ينقل بورخيس عن القس بيركلي قوله:"إن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها ـ فالتفاحة بذاتها لاطعم لها ـ وليس في فم من يأكلها، وإنما هو في التواصل بين الاثنين". 3
هذا المثال عن طعم الثمرة المحرمة؛ هو أقصى قدر من الاختراق يستطيعه قس، وينقله عنه بحماس كاتب غير موفق مع النساء كما تقول سيرته التعيسة. وعلينا أن نتقبله فيما يتعلق بالقراءة وفعل الحب؛ فلا معنى لامرأة بغير عاشق، ولا لنص مهمل في كتاب مهجور، أو نص مكتمل، يجيب على كل أسئلته ولايترك شيئاً لمشاركة القاريء.
ذلك النوع من الكتب الخنثى يشبه محار البحر؛ يلقح نفسه بنفسه من دون حاجة إلى قاريء.
لا أريد أن أتركك، ولن أفعل شيئاً غير تصيد النوم، لأحلم بأنني عدت طفلاً، تقرأين لي، بينما تسرح أصابعك بين خصلات شعري.
.....
مقتطف من "كتاب الغواية"
لعزت القمحاوي
يصدر قريبًا عن دار العين للنشر

صلاح جاهين.. المتسمى على اسم مصر


كانت مصر غرام جاهين الأكبر والأجمل، عشقها وغنى لها، ودافع عنها، ووعدها وبر بوعوده كلها، لكن الزمان أخلف وعده. كانت القاهرة "صاحبته"، كما دعاها في قصيدة له (صاحبتي – ديوان قصاقيص ورق)، وكان عبد الناصر ابن طيبة الذي استرد تاج الفرعون بعد ثلاثة آلاف سنة من الاحتلال، حبيبه وصفيه وإن كان على بُعد.

وكان الفن مزاجه وملعبه؛ فقد آمن أن الفن نوع من اللعب مهما احتوى أفكارًا ومشاعر ومواقف سياسية أو اجتماعية أو فلسفية، وكان يرى أن الفن لو كان مجرد تعبير لكانت المقالة هي الوعاء الأمثل لتلك المهمة، وإلا لماذا يتجشم الشاعر جهد البحث عن قواف في نهاية كل سطر، ويحرص على انضباط الإيقاع، إن لم يكن كل هذا نوعًا من اللعب اللذيذ الممتع للاعبه ولمتفرجه (أي القارئ).

ولم يكن اختيار صلاح جاهين للعامية لغة لشعره مجرد انحياز للفقراء وغير المتعلمين؛ بل كان في الأساس فرضًا علميًا أراد أن يثبته وهو: أن العامية قادرة على التعبير الفني الراقي مثلها مثل الفصحى ومثل أي لغة في العالم، وكانت هذه الفرضية نابعة من واقع محدود للتعبير العامي في الشعر وكان هذا المجال المحدود هو الزجل الاجتماعي الساخر الذي كان بيرم معلمه الأكبر، والذي ارتفع به لأنه كان أكبر من زجال بكثير، كان شاعرًا عبقريًا محبوسًا في إطار الزجل وتقاليده، وقد استطاع جاهين أن يثبت فرضيته وازداد إيمانًا بصحتها حين اطلع على قصيدة عامية لفؤاد حداد في إحدى الجرائد اليسارية قبيل الثورة.

وكانت له نظرية مازلت أعجب لها منذ أن أعرب لي عنها وأنا بعد مراهق قال: الفن جوهر واحد، ومن يمارس نوعًا منه يستطيع إذا ركز أن يمارس الأنواع الأخرى، وربما كان هذا الاعتقاد نابعًا من حالته الفريدة كظاهرة إبداعية شاملة ومتنوعة.

عقيدة فنية أخرى كانت لديه: أن الفنان ينبغي ألا يكرر نجاحه؛ بل بعد كل نجاح ينسى الوصفة الفنية التي حققته وينتقل إلى نقطة بداية جديدة نحو شكل آخر مختلف تمامًا، على سبيل المثال "الليلة الكبيرة" التي حققت نجاحًا ساحقًا لم يحاول جاهين أن يكتب شيئًا يشبهها، وفى فترة توهجه الشعري(1959 – 1963) كتب جاهين إلى جانب الرباعيات عدة قصائد تعد علامات مهمة في شعره على سبيل المثال : قصاقيص ورق، المقابر، غنوة برمهات، تراب دخان، سيد درويش، فنان (مرثية لفاخر فاخر) وأخرى بعنوان "قصيدة" كل تلك القصائد – كما أسر لي – كتبها ليثبت أن الشعر يمكن أن يكتب هكذا: فكل قصيدة منها كانت فتحًا و"سكة" في الشعر كما يقال.

وكان العمل بالنسبة له هو القيمة العليا والأولوية الكبرى في حياته، وحين تزوج والدتي قال لها منذ البداية: عملي أولاً، ثم أولادي ثم أنت. ولولا هذا التركيز في العمل والولاء المطلق له لما استطاع صلاح جاهين أن ينجح في كل المجالات التي طرقها.. وبعد كانت هذه ملامح عامة سريعة لهذا الفنان الضخم، ولأترك الكتاب يحكي بالتفصيل.
.......
بهاء جاهين
مقدمة كتاب "ايام صلاح جاهين.. حكاية شعب وسيرة فنان "
لمحمد توفيق
يصر قريبًا عن دار العين للنشر

الثلاثاء، 24 مارس 2009

أيام صلاح جاهين .. كتاب جديد عن حياة شاعر مصر

بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لوفاة "صلاح جاهين" أحد أعظم شعراء العامية المصريين ،تقوم دار العين بنشر كتاب عن حياته من تأليف" محمد توفيق" تحت عنوان " أيام صلاح جاهين .. حكاية شعب وسيرة فنان " ومن تقديم ابنه الشاعر "بهاء جاهين " والذي عنون مقدمته ب" صلاح جاهين .. المتسمي على اسم مصر" .وسيكون الكتاب بالفعل متوافرًا إبان حلول هذه الذكرى في 21 ابريل القادم.
ولد صلاح جاهين فى 25 / 12 / 1930 م بحى بشبرا فى شارع جميل باشا و استطاع ببساطته وتلقائيته التعبير عن كل ما يشغل البسطاء بأسلوب يسهل فهمهه واستيعابه، وهو ما جعله فارساً يحلق برسومه وكلماته ويطوف بها بين مختلف طبقات الشعب المصرى، بل كانت جواز سفره لمختلف البلدان العربية التى رددت كلماته حَفْزاً للعمل والانجاز.

كتاب الغواية .. نص إبداعي جديد لعزت القمحاوي

يصدر قريبًا عن دار العين للنشر "كتاب الغواية" وهو من تأليف الروائي الكبير عزت القمحاوي" ،يذكر أن آخر أعمال القمحاوي الإبداعية كانت روايته" الحارس" والتي صدرت أيضًا عن العين.
يقول القمحاوي عن الكتاب" هذه الرسائل كتبت في فترة يمكن للقراء أن يتبينوها، من خلال بعض التواريخ التي استعصت على جهودي في الحذف.
لم أكتبها بهدف النشر؛ كانت مجرد رسائل إلكترونية، أستنفد فيها هذيان أصابعي، كلما افتقدت ملمس حبيبتي.
وبالإضافة إلى كونها بديلاً للتواصل الحميم، كانت هذه الرسائل محاولة لتدعيم بنيان الحب، إذ اعترفت لي بشكل عابر: إنني أغوى بالكتابة.
بعد ذلك كانت فكرة النشر في كتاب فكرتها. وليس من الفطنة دائماً الاستجابة لرغبات الحبيبات، ولكنني جربت مقاطع من الرسائل في شكل مقالات لم تلق الكثير من الاستهجان؛ مما شجعني على نشرها في كتاب؛ فإن أعجبكم فيها شيء، فالفضل يرجع إليّ وحدي، وأي تقصير يعود إليها، فلولاها لظلت هذه المخاطبات طي الكتمان!
".

الأحد، 1 مارس 2009

كتب علمية مترجمة ...قريبًا عن العين للنشر

كتأكيد على التوجه العلمي الذي افتتحت به دار العين طريقها في النشر ،تصدر العين هذا الشهر كتابين علميين مترجمين هما
1_"اللولب المزدوج:رواية شخصية عن اكتشاف بنية الحمض النووي" لجيمس واطسون ،ومن ترجمة دكتورأحمد مستجير.
2_"لعنة آدم: العلم الذي يكشف عن مصيرنا الوراثي" من تأليف"بريان سايكس" وترجمة د.مصطفي فهمي.



جدير بالذكر أن الكتابين يصدران بالتعاون مع مشروع كلمة للترجمة.

الاثنين، 16 فبراير 2009

طبعة ثالثة لمصر المفروسة .. وثانية لجنية ابراهيم فرغلي

بصدر قريبًا عن دار العين للنشر الطبعة الثالثة لكتاب" مصر المفروسة" لد.محمود عطية । وهو الكتاب الذي أثار ضجة بمناقشته وقدجاء على هيئة مقالات ، كان د.عطية قد كتبها في مناسبات متفرقة ونشرت في مطبوعات متنوعة .أما عن أسلوبه في تناول مواضيعه فهو كما يقول " أشبه بضحكات ساخرة على مواقف وأوضاع وقرارات يفترض فيها أنها ترتدي ثياب الجد لا الهزل"
كما تصدر قريبًا أيضاً " الطبعة الثانيةلرواية ابراهيم فرغلي"جنية في قارورة" والتي صدرت الطبعة الأولى منها عن العين عام 2007.

الأحد، 8 فبراير 2009

العين تنشر قريبًا .. من الأدب التركي


يصدر قريبًا عن دار العين للنشر كتاب" مختارات من الأدب التركي المعاصر" لد.محمد هريدي،وهو عبارة عن ترجمات لبعض القصص التركية القصيرة منها "العروس" .والكتاب يعتبر بداية طيبة للتقرب إلى الأدب التركي الحديث الذي بدأ يأخذ مكانه على الساحة الأدبية العالمية.

الأحد، 1 فبراير 2009

عن توهمات خيري عبد الجواد : الموروث : روافد وانعكاسات ... (2)

لايستطيع قارئ لكتابات خيري عبد الجواد - قصة أو رواية – إلا أن يجد نفسه يغوص في طين الحارة ، ويملأ أنفه عبق الزمن والتاريخ ، ويشعر بملمس الأوراق الصفراء الناضحة بعرق الجدود . وكأنه الراوي الشعبي الشفاهي يحمل ربابته ، يوهمنا بأنه يحكي عن الراحلين ، بينما هو يبكينا علي العائشين . فالجذور هي التي تحدد الثمار ، والجذور هي الملتصقة بالأرض ، وجذور الإنسان هي تاريخه ، فلمعرفته ، كان لابد من معرفة الجذور . فالمتوارث من عادات وأقوال الجدود ، هو المعبر عن طبائعهم وسلوكهم ، وهو الممتد في شعيرات غير مرئية عبر الزمن ليتغلغل فينا .
ولقد لعب الراوي الشفاهي بربابته المحببة دور المؤرخ الحاكي عنم مضوا .
وفي كتاب التوهمات ، يحمل الراوي ربابته ، ويجلس علي دكة المنشد المغني وراح يستعرض ما فات من الراحلين متكئا علي كل عناصر الموروث والتي تمثل بعضها فيما يلي
1 – الراوي والربابة

يمسك الراوي بربابته ، يجلس علي الدكة وسط جمع من الناس المشدودين إليه بحبل خفي ، بحثا عن بطولات السابقين ، ومخلص الضعفاء من المتجبرين والظالمين ، مستثيرا مخيلة سامعيه ، وشدهم إليه باستخدام الشعر الشعبي والسجع من الكلام .
وعلي الرغم من وجود أجهزة الإعلام الجبارة ، إلا أن الإقبال علي هذا النوع من التجمع الشعبي لا زال يجد رواجا ، خاصة بين الشباب ، ربما بحثا عن المنقذ أو المخلص في سير السابقين ، وكأنهم لا زالوا في النتظار أبو زيد الهلالي أو الزناتي خليفة ، أو عنترة . ولاشك – عندي – أن هذا يؤصل حقيقة وجدت في الإنسان العربي عامة ، والمصري خاصة ، وهي الجلوس وانتظار المخلص . هو لا يفعل ، ولكنه ينتظر – وربما – يبحث عمن يفعل .
وخيري عبد الجواد باستخدامه هذا الإسلوب ، فكأنه يضع أيدينا علي خاصية أصيلة في الشعب المصري ، ربما يضعنا في مواجهة أنفسنا ، فقد تدفعنا رؤيتنا لأنفسنا في المرآة ، إلي التغيير ، ومحاولة التغيير . ففي معرض توهم راوينا يؤكد هذا المعني ويرسمه وكأنه يحمل الكاميرة ويدور بها لينقل لنا المشهد :
{ .. توهمت أنني منشد ربابة ، وهو توهم طالما تمنيته واشنهيته . أمسكت ربابتي ، آلة حكيي الحبيبة ، وبين يدي اجتمع نفر من الناس ، وأنا جلست علي دكة خشبية متربعا .. }
ويحمل راوينا ربابته ويبدأ منشدا :
{ .. أنا أول ما نبدي القول نصلي علي النبي . نبي عربي لم بعد نوره نور ، بعد مدحي في جمال محمد ، اصغوا لكلامي عن وجوه أخيار ...} .
ويصل بالراوي تلبس دور الراوي الشعبي حين يتواصل مع سامعيه – وقائيه - ، وكأن بالقارئ للرواية قد جلس في لمة السامعين ويسمع المنشد يقول :
{ .. فربابتي علي كتفي ، والقوس في يدي ، ولساني لا يتوقف ، آه لساني ، هل تصدقون أن صاحبي قتله لسان ، أسمع من يقول : وكيف كان ذلك ؟ صلوا علي من يشفع فيكم : .. } .

2- العدودة
والعدودة هي احتفال من نوع ما ، تمارسه النسوة في المناطق الشعبية والريفية ، وهو مجموعة من الأشعار التي تؤدي في حالات الموت ، بل وهو أحد روافد الفن الشعبي الذي يعد تعبيراعن الهلع وإظهار الحزن ، وإظهار أهمية المتوفي ، تردد النسوة مجموعة من الأشعار التي من كثرة ترديدها لدي كل ميت حتي باتت من المأثورات الدالة علي تلك المناطق ، وحتي بات لكل منطقة عدودتها المميزة لها .
وإذا كان " كتاب التوهمات " هو كتاب الموتي ، فما كان له ألا يستخدم العدودة كأحد وسائله للوصل إلي مكنون تلك البيئة التي أخلص لها وأبي علي نفسه إلا أن يكشف خباياها ، مستخدما ذلك المصباح الكاشف عن الأعماق أكثر مما هو كاشف عن الظاهر .
فإذا كان الرجل هو العمود الأساسي في البيت ، وبموته تهدم البيت ، نجد خيري يسوق تلك العدودة التي تكشف تلك النظرة دون شرح أو توضيح :
[ كان عندنا منه ، كان عندنا منه ، وموت الرجال هو الخراب كله ] ، [ يا مرحبا الليلة – يامّا القبر بقولك – يامرحبا الليلة ، نورت قبرك وعتمت علي العيلة ] .
ويفتتح خيري معظم الفصول بعدودة مصرية ليدخل قارئه في جو الموت ، وطقوسه ، كي يشركه معه فيما هو فيه من حزن ، وليجعل من ذلك الغطاء لذلك الحزن الذي أرادنا أن نشاركه فيه عندما قال : { .. يا أيها الناس ، إذ أقص عليكم خبر موت أمي ، فاستمعوا وأنصتوا لعلكم تبلغون من الحزن ما أنا بالغه ..} .

3- الموال

الموال هو أحد العناصر الأساسية في التعبير عن أفراح وأحزان المناطق الشعبية والريفية ، لذا فما من عمل لخيري عبد الجواد إلا وكان للموال فيه وجود ملحوظ ، يدخل في سياق العمل أو يلقي الضوء علي الأحداث أو المواقف أو يساعد في تكوين الشخصية .
فعندما يحاول رسم شخصية الوالد البالغ من العمر سبعين عاما وسط مجموعة ممن يصغرونه في العمر ، وعند مجلسه المعتاد علي قارعة الطريق ، يناكف الرائح والغادي ، يحاول أن يلفت نظر الجميع ويشاكسهم ، يحاول أن يثبت لهم أن لديه مالا يعرفونه ، أنه قادر علي إعجازهم ، يسوق الموال الملغز ، ويفرح عندما لا يستطيعون حل اللغز في :
{ .. طلع البلكونة بسكينته ، يقول جرح في قلبي سكنته ، يا ناس وسعوا لي سكة انتو .. } .
وإذا كانت القراءة ورسم الحروف يوضح الكثير من المعني ، فإن السماع للموال – خاصة من ذلك الشيخ – يرسم صورة لتلك المحاولة التي يطمس بها الحروف في محاولة لإداخل الحيرة علي السامعين والتي تترك للقارئ تخيل الصورة التي يكون عليها ذلك الشيخ وسامعيه
4 - الليالي

ارتبطت كل فنون القول – تقريبا – بالليل ، الشفاهي منها خاصة ، لذا كان العمل الجبار المعروف باسم ( ألف ليلية وليلة ) ، وكان هو المصدر والصانع للآلاف من الكتاب والكتابات ، العربي منها وغير العربي ، حتي أن ماركيز اعترف بأنه كان أحد مصادره الأولي ، وكان يصطحب نسخة منه في حله وترحاله .
إلا أن تأثر خيري عبد الجواد بها كان أكبر ، إذ لم يتوقف تأثره بها عند حد التشرب فقط ، وإنما اصطبغت كتاباته بها وأخذت صورتها في العديد من كتاباته ، إذ ربما – دون وعي منه – أراد النفاذ إلي جوهر الإنسان الساعي نحو الغريب والمدهش والعجيب من الأخبار والحكايات التي تقوم عليها الليالي – وهو ما نستطيع التعرف علي وجوده بسهولة في النسبة الغالبة من كتاباته . فعندما نجده في " كتاب التوهمات " يولد الحكاية من الحكاية وكأنه في سلسال لا ينقطع من الحكايات – وهي اسلوب ألف ليلة وليلة – يولد الحكاية من الحكاية وعلي الرغم من استقلال كل حكاية عن غيرها ، إلا أن السامع – القارئ – لا يستطيع أن يغادر ، فكأنه مربوط إلي الراوي / السارد بحبل غير مرئ فها هو الراوي – في التوهمات – يصف كيفية خروج الروح كما حكتها الحكايات ، بعد أن كان قد استخرجها من حكاية أخري ، فنري الراوي يقول : { .. وليس هذا بأصعب من لحظة قبض الروح ، ومباشرة سيدنا الملاك صنعته ، وإذا لم تصدقوني فاسمعوا الأتي : .. }
ويبدأ الراوي في حكاية كيفية خروج الروح ثم ما يكاد يفرغ منها حتي يشدنا للدخول في حكاية أخرى .
ولا يتوقف الأمر عند استلهام اسلوب استخراج الحكي فقط ، وإنما استلهام طرقة الحكي كذلك ، بل ربما يصل الأمر استخدام بعض الألفاظ الدارجة التي كانت تستخدمها الليالي . ففنظر مثلا : { .. وذلك له سبب عجيب ، وأمر مدهش غريب ، نحب أن نسوقه علي الترتيب حتى أن المستمع يلذ ويطيب ، بعد ألف صلاة ترضي الحبيب .. } . فالسجع والتطابق هنا واضح جلىّ وهو أحد الأساليب المعروفة في الليالي ، فكأني بالكاتب قد تلبسته روح كاتب الليالي وهو يكتب كتابه ، في توهم حساب أمه وحسابه

عن توهمات خيري عبد الجواد .... (1)

شوقي عبد الحميد
...................
أستطيع القول من البداية أنه رغم مرور هذه السنوات فإن الرواية تقرأ كما لو أنها كتبت هذه الأيام ، بل لو أنها قرأت بعد مائة عام من الأن لقرأت أيضا ، ذلك حيث اختار كاتبها موضوعا أزليا سيبقي ما كانت هناك حياة ، إذ أن الحياة لابد أن يتبعها الموت ، فكتاب التوهمات – مثلما " كتاب الموتي " الفرعوني يدور حول رحلة الموت أو الرحلة نحو النهار ، حيث لم يكن الموت هو النهاية وإنما كان الرحلة إلي الخلود أو إلي النهار – كذلك يدور كتاب التوهمات عن رحلة الموت ، موت أمينة والدة الراوي التي رحلت من كوم الضبع إلي بولاق الدكرور لتتزوج ممن يكبرها بمائة عام إلا ستين ، هاهي الأن ترحل من بولاق الدكرور إلي كوم الضبع محمولة في رحلتها الأخيرة ، كذلك نفس الرحلة بالنسب للأب من وإلي كوم الضبع ، ثم رحيل كل من عرف الراوي ، حتي وكأن كل من علي الأرض رحلوا ولا يبقي سوي ملك الموت ، فيأمره الله بقبض روحه فيموت هو الآخر وكأن " طباخ السم بيدوقه " .
فالموت إذن هو المهيمن علي العمل ، ولكن الموت موضوع قديم قدم الوجود ، غير أن خيري عبد الجواد يعترف بأن الأفكار ملاقة علي قارعة الطريق ، والمهم كيفيف تناول هذه الأفكار . فكيف كان تناوله للفكرة ؟
أصدر خيري عبد الجواد خمس روايات بعد " كتاب التوهمات " فضلا عن مجموعتان قصصيتان – وكان قبلها قد أصدر ثلاث مجموعات أخري – والمتابع لهذه الأعمال لابد واجد كتاب التوهمات واضحا فيها بقوة ، وكأنه بها قد وضع الأساس وما جاء بعدها أعمدة البنيان المعماري الذي يحمل اسم خيري عبد الجواد ، والتي تتمثل بصفة عامة في الإخلاص والصدق مع البيئة الشعبية التي يمكن معها القول بأنه إذا كان نجيب محفوظ قد نحت روائعه الباقية من داخل الحارة وانطلق منها إلي القضايا الأوسع من الحارة ، فكان ضغوط الوطن القاهرة في العديد منها ( اللص والكلاب ، ثرثرة فوق النيل ، ميرامار ، وغيرها وغيرها ) وكذلك القضايا الأوسع من الوطن كذلك ( أولاد حارتنا ) ، فإن خيري عبد الجواد – أيضا – قد نحت أعماله من داخل الحي ، حي بولاق الدكرور ، ذلك المكان الذي احتشد فيه العديد من الظواهر الشديدة الخصوصية ، والتي استطاع منها خيري أن ينطلق إلي الرؤي الأرحب والعوالم الأوسع . فما هي الخصائص الإسلوبية التي أرساها في كتاب التوهمات وتفرعت فيما أتي بعدها من أعمال حتي أنه يمكن القول بأن " كتاب التوهمات كان بمثابة الدستور الذي تفرعت منه القوانين فيما تلا من أعمال ؟

العناصر الدينية

1 - القرآن
للدين في المناطق الشعبية دور هام وحيوى ، وللقرآن فيه قدسية تعلوها في المناطق الأخرى ، وإن كان أكثر وجودا في الموت ، يقرأونه حين الموت ، ويقرأونه عند المقابر ، ويقرأونه في العزاء ، إلا أنه أيضا محرك أساسي في كل لحظة من حياتهم ، به يتعبدون ، وبه يبدأون كل أعمالهم ، وبه أيضا ينهونها . فهو متغلغل في نسيج الحياة ، لذا فقد نسجه خيري عبد الجواد في سرده كما ينسج الخيط الأبيض مع الخيط الأسود في الثوب الواحد ، حتيى لتستطيع القول بأن السرد في كتاب التوهمات جاء سردا قرآنيا ،وإن لم يزل سردا بشريا تشرب لغة القرآن . فإذا كان القرآن يدعو الأبناء للرحة بالأباء والأمهات ، وأن يصاحبونهم في الدنيا معروفا ، ويضيف المفسرون بأن الأم هى التي حملت الأبن في بطنها وخارج بطنها بينما هو صغير لا يقوي علي الفعل ، بينما نري في " كتاب التوهمات " أن الإبن هو الذي حمل الأم وسعي بها نحو الطبيب ، وهو الذي حملها إلي كوم الضبع بعد أن أخبره الطبيب بأنها تموت ، فنري الراوي – الفاعل – يقول :
{ .. لكن أمي عاندتنى ، هي التى لم تقل لي أف من قبل ولا نهرتني ، وصاحبتني في الدنيا معروفا .. } وكأنه كذلك يعبر عن رحلة الحياة – لا الموت – وكيف أن الويلد يحبو ثم يصير شابا فكهلا فشيخا ، وكأنما يعود طفلا من جديد { ومن نعمره ننكسه في الخلق .. } . ويجعل خيري من الرحلة إلي بولاق الدكرور رحلة الحياة ورحلة العودة إلي كوم الضبع رحلة الموت ، لتكتمل بهما رحلة الحياة ينسجها باستلهام الآيات والأحاديث :
{ .. إن العودة آتية لا ريب فيها ، تكاد تخفي عن أعينكم ، فاذكروا كوم الضبع تذكركم ، ومن أتاها هرولة حرمت جسده علي دود الأرض ، وحرمت الشجاع الأقرع أن يمسه بقرح – هذه وصيتي فاستوصوا ولاتهنوا ولا تحزنوا .. } .

2 – الأولياء

للأولياء في المناطق الشعبية والريفية دور خطير في التبرك وسؤال الحاجة في انتظار الكرامات المنجيات من أزمات الدنيا ، بل قد يصل إلي حد التقديس ، وللأولياء في أعمال خيري عبد الجواد وجود ضاغط وفاعل ، يعبر به عن روح تلك المناطق – الشعبية و الريفية – حيث يمضي في استلهام آيات القرآن أيضا في التعبير عن منظور تلك المناطق للأولياء ، مستخدما الآيات الدالة علي حديث موسي الكليم لربه ورغبته في رؤيته – حين قال (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ارني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين ) كي يعبرعن مدي نظرة أفراد تلك المناطق للأولياء فنري أمينة حينما تتحدث عن الشيخ عبد الله الضبعي – وليّ القرية وتصف ما دار بينهما من حوار في رؤيا رأتها :
{ .. سلام عليك أمينة يوم ولدت ويوم تموتين ويوم نبعثين حية . فرددت عليه بمثل ما قال ويزيد .
قلت : أرني أنظر إليك . قال : لن تريني ، ولكن انظري إلي شفتي ّ فإن تحركتا فسوف تريني .
فلما نظرت إليهما خررت صعقة ، ولما أفقت تأسفت في قلبي ، وعلمت أن رؤيته محال ، وخفت غضبه مني قلت مولاي اجعل لي آية ...
} .
إلا أن الكاتب لم يرد أن يفهم القارئ الحوار والنظرة بأكثر مما يريد ، فأراد أن يرد الحوار إلي البشر فأتي بحوار موسي – كذلك – مع الخضر كي يكون الحوار بشر مع بشر فيكمل الحوار الدائر بين أمينة والشيخ الضبعي : { .. وقال : مع السلامة يا أمينة . ثم قال : وهذا فراق بيني وبينك . فعلمت أن زمن الموت آت لا ريب فيه .. } .
ثم يستمر الراوي في إظهار نظرة تلك الأم – أمينة – إلي الولي – الضبعي – وما له من قدرة حيث تستمر الأم في الحديث عن رؤيتها للضبعي بعد أن ناخ المرض عليها :
{ .. لحظة أتاني في المنام ، ضم نفسي إلي نفسه فكدت أفارق ، لكنه طمأنني ، وأشار لي بالكلام وأذن بالشكوي فبدأت : طبيبي معي جرح واجعني ، أخاف أقول آه لكلام الناس يوجعني . طبطب علي ظهري فكان بردا وسلاما فأكملت : الصبر مني اشتكي يا طهري . ألحق أقول لكم ، طيب خاطري ، ووعدني بالشفاء .. } .
.............................
يصدر قريبًا عن العين كتاب "التوهمات" بطبعة جديدة، وسيكون ذلك متوافرًا على معرض الاسكندرية في النصف الثاني من شهر فبراير

العين تنشر توهمات خيري عبد الجواد


بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيل الكاتب المصري خيري عبد الجواد ، تقوم دار العين بنشر كتابه " التوهمات" مرة أخرى،_ وجدير بذلك أنها روايته الأولى ونشرت الطبعة الأولى منها عام 1992 _ليكون بذلك ثاني عمل تنشره للراحل بعد كتابه الاخير " نزهة المشتاق في حدائق الأوراق" والذي قدم فيه ما يشبه البستان الغنى بأهم كتب التراث العربى كاشفا عن جانب من المصادر التى كونت ثقافته وكيف تشكلت شخصيته الروائية فى استقلال عن أعمال فتنته بسحرها، حيث استلهم الحكاية الشعبية فى كثير من رواياته وقصصه يكتب فصولا عن الجاحظ وكتابه "الحيوان" وسيرة بنى هلال و"الشاهنامة" للشاعر الفارسى أبى قاسم الفردوسى والظاهر بيبرس وسيرة جلال الدين السيوطى وحكايات الشطار والعيارين فى التراث العربى وطوق الحمامة لابن حزم الأندلسى وسيرة على الزيبق وأسامة بن منقذ مؤلف كتاب "المنازل والديار" وغيرهم.
خيري عبد الجواد الذي رحل عن دنيانا في الثاني والعشرين من يناير عام 2008، كان منشغلًا بأشكال السرد التقليديّة، واحتمالات إعادة توظيفها بنفَس حداثي ومن منطلقات معاصرة. هذا ما سارع إدوار الخراط إلى اكتشافه، مُستقبِلاً بحماسة مجموعة عبد الجواد القصصيّة الأولى «حكايات الديب رماح» (1987) التي تلتها «حرب أطاليا». هذا الكاتب المفتتن بالرجعيّة الشعبيّة، تغيّرت حياته مراهقاً حين وقع على كتاب منزوع الغلاف، ضاع في متاهاته (بالمعنى البورخسي) ولم يخرج منها بعد ذلك. افتتن خيري عبد الجواد بـ«ألف ليلة وليلة»، والسيَر الشعبية، وحكايات الجان... لكنّ ابن «حي بولاق الدكرور» لم يكن مثقّفاً يكتب عن الشعب، بل أحد أبنائه الذين رضعوا من الثقافة العشوائية وعبّروا عنها في كل كتاباتهم.

على خطى جمال الغيطاني ـ إنما بأدواته الخاصة ـ استلهم الأشكال والقوالب التقليديّة، ليكتب بلغة مركّبة نصّاً راهناً ومعاصراً: من روايته الأولى «كتاب التوهمات» (1992) ذات المرجعيّة الصوفيّة، إلى «العاشق والمعشوق» (1995) التي صنعت شهرته الفعليّة (مترجمة بالفرنسيّة عن «دار غاليمار»)، حيث يعثر الراوي على مخطوطة مسحورة، يصاب من يقرأها بلعنة السفر، بحثاً عن صاحبتها... من يصدّق أن هذه التجربة الاستثنائيّة المشرّعة على «الواقعيّة السحريّة»، لن يكتب لها أن تكتمل؟ الروائي المصري خيري عبد الجواد (24/7/1960 ــ 22/1/2008) قضى ضحيّة خطأ طبي في أحد مستشفيات القاهرة حيث حدث له ارتفاع مفاجئ في نسبة السكري! وفي رواية أخرى أنّه حمل مخطوطاته ومضى للقاء «عفريت الجبل»، أو عفريت الحكاية!
ونحن مع انتظار " التوهمات " في ثوبها الجديد من دار العين ،وسيكون الكتاب متوافرًا على معرض الاسكندرية في النصف الثاني من شهر فبراير .

الأحد، 18 يناير 2009

أخبار الأدب :جديد دار العين في معرض القاهرة للكتاب 2009



تشارك دار العين بعدد من الأعمال الفكرية وكتب المقالات مثل "توابع الفتنة الكبري" لأبو النصر محمد الخالدي، "الصحافة علي صفيح ساخن" لسلامة أحمد سلامة، "عش ع الريح" لنوارة نجم، "أركيولوجيا العقل العربي" لشوقي جلال، "المقدس والمدنس في فكر الحركات الإسلامية"، لمحمد حلمي عبد الوهاب، "هوس العبقرية"، ت: د. فتح الله الشيخ.
"استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التنمية المهنية للمعلم" لمصطفي عبد السميع، "ظاهرة الدعاة الجدد" لوائل لطفي، "مصر علي كف عفريت" لجلال عامر، "الهجرة العظمي" لفتح الله الشيخ، "الدرجة الصفر للكتابة"، لرولان بارت، ترجمة محمد برادة، و"التحضر العشوائي" لجليلة القاضي.
أما في مجال الروايات فقد استطاعت الدار جذب عدد من الأدباء الشباب إليها، حيث تنشر روايات مثل
"القدم" لمحمد علاء الدين، "الأرملة تكتب الخطابات سرا" لطارق إمام، "أبناء الجبلاوي" لإبراهيم فرغلي، "أبدية خالصة" لبورقية علال، و"لأن الأشياء تحدث" لحاتم حافظ، وهي العمل الروائي الأول له.كما تقدم طبعة جديدة من رواية "مدينة اللذة" لعزت القمحاوي.
وتصدر الدار عددا من الأعمال الشعرية مثل "كأني هو" لفريد أبو سعدة، "نشيد الأعمي" و "قطارات بولاق الدكرور" لسيف الرحبي،
هناك أيضا "بورتريهات خيري شلبي" التي كان ينشرها في مجلة "الإذاعة والتليفزيون، و "نساء حسن سليمان" لعبلة الرويني، "في كل قلب حكاية" لأحمد الفخراني، "رسائل وأحاديث لألفريد فرج" لنبيل فرج، وفيما يتعلق بالمسرح تصدر الدار عملين هما " "التجربة المسرحية" ليوسف العاني، و"فوضي المشاعر" لعفت يحيي".
وكانت دار "العين" قد تعاقدت مع الكاتب الراحل يوسف أبو رية علي نشر الطبعة الثالثة من عمله "صمت الطواحين" قبل رحيله بأيام.

الأحد، 11 يناير 2009

مقتطف من " لأن الأشياء تحدث " لحاتم حافظ

المرسل: hi2006@yahoo.com

عنوان الرسالة: عودة إلى البدء
التاريخ: 12/8/2007

أكتب إليك رغم تأكدي من أن بريدك الإلكتروني قد أُغلق نهائيًا، فيبدو أنك لم تعد تستخدمه منذ زمن، (هل مت؟ هل أطلقت رصاصة في فمك كما كنت تقول؟..) أو ربما تكون قد أغلقت بريدك أمام رسائلي كما لو أن الشخص الذي كان يزعج الآخر بترهاته وخيالاته المريضة كان أنا. على كل فأنا أكتب إليك الآن فقط لأني أتأكد أن ما من أحد سوف يقرأ ما أكتبه، كما لو أنك تلقي بنفسك في فوهة بركان وأنت على يقين من أنك لن تنجو منها أبدًا، وأنت على يقين ـ كذلك ـ أن ما من أحد في عالمك الممل سوف يكتشف لعبتك السخيفة.

فكرت في أن أكتب للا أحد، أوراق تُملأ بسخافات ثم تلقى بأحد الأدراج، ولكن فكرة أن تسقط أوراقي في يد أحدهم كانت فكرة مرعبة، رغم أني في النهاية أعرف أني لن أكتب غير أشياء مملة، ولكني أكره الفضول، كما كنت أكره فضولك حين تسألني عن أشياء لا تهمك في شيء، كأن تسأل عن علاقتي بزوجتي، فما يهمك في علاقة لا تعرف طرفيها، أنت حتى لا تعرفني أنا، أنسيت أننا التقينا مصادفة، كنتَ ملولاً بعد علاقة فاشلة مع جارتك كما قلت لي وفكرت أن تفعل مثلما يفعل الصغار: chatting، وقررت أن تتحدث لأول شخص تلتقيه، رجل كان أم امرأة، (أخبرتني فيما بعد أنك كنت تتمنى لو ألقت المصادفة في طريقك بامرأة تكون مثلك عالقة بأطراف علاقة واهنة وتوشك أن تسقط فتلتقطها برفق) ولكن حظك الغريب أوقعك في رجل كان قد ملّ علاقته الزوجية تمامًا ويبحث عن طرف افتراضي يبادله الحديث دون أن يعيد مواعظ الدين والعرف والأخلاق. كنت قد مللت أصدقائي، مللتهم تمامًا، مللت كلامهم عن البيت والزواج والأطفال، وأشياء أخرى لم يكن أحدنا يتكلم عنها من قبل، كما لو كنت لم أعرفهم من قبل، مللت الطريقة التي صاروا يتكلمون بها كما لو أن الله لم يخلق العالم إلا ليملأونه أطفالاً، فما ذنبي أنا إن لم أسهم معهم في ازدحام الطريق.
هل كنتَ امرأة؟
فكرت كثيرًا أن أسألك هذا السؤال، ولكن لأنني الآن لا أنتظر ردًا من أحد فيمكنني سؤالك ببساطة، هل كنت امرأة؟ صحيح أنه ما من سبب معقول فيما أعرف يمكن أن يجعل امرأة تدّعي أنها رجل خصوصًا وهي تتحدث إلى رجل، ولكني كثيرًا ما شككت في كونك امرأة. أحيانًا ما كانت مشاعر تخص المرأة وحدها تفلت في حديثك رغمًا عنك. ولعُك أحيانًا بالتفاصيل الصغيرة جدًا والتي لا تهم أحدًا البتة؛ فالرجل لا تهمه التفاصيل أيًّا كانت، الرجل يتصور العالم كما لو كان مانشيتًا بصحيفة هزلية، أما المرأة فوحدها من تقرأ التفاصيل.
أتعرف.. لقد طلقت سهام.
هل تفاجأت؟
للأسف لن يمكنني معرفة رد فعلك على خبر كهذا. صحيح أنك لم تكن ـ على الرغم من فضولك ـ معنيًا جدًا بأن تنتهي علاقتنا أو أن تستمر؛ ولكني أعرف شغفك بالعلاقة أيًّا كان وضعها على الخريطة. وأي كانت درجة الطيف التي تمر بها. عمومًا لا تندهش ولا تحسب أن هذا الخبر هو ما يدفعني إلى الكتابة فلست حزينًا كما تتخيل، أطمئنك تمامًا أنا بخير جدًا جدًا، كما لم أكن بخير في يوم من الأيام.. ولكنك لست هناك الآن لتندهش أو لتطمئن أو لتثار رغبتك في معرفة التفاصيل.. على كل ما من تفاصيل على الإطلاق. لقد تطلقنا مثلما تزوجنا بالضبط، بلا رغبة، بلا أمل، بلا أحلام. حتى أنه كان المأذون نفسه، ولو أن الصيغة قد اختلفت قليلاً، ومع ذلك ألقيتها كصيغة الزواج تمامًا، كأنما تخص شخصًا آخر، لا أعرفه. وهكذا تزوج شخص لا أعرفه، وطلق شخص لا أعرفه. كما لو كنا ثلاثة دائمًا.. أنا وسهام وثالث غير مرئي ولا نعرفه.

لولعك بالتفاصيل الصغيرة أقول لك، إننا ببساطة: بينما كانت تقف سيارتنا في إشارة مرورية، وبينما ننتظر بفارغ صبر أن تنتهي فترة اعتقالنا في تقاطع غبي، وأنه فقط حين بدأتُ أتعرق من حرارة صيف أغسطس فوجئت بسهام تتكلم، ولأن سهام وأنا لم نكن معتاديْن على الكلام بينما نقف في إشارة؛ فقد تصورت أن الصوت لا يخصنا؛ ولذا فقد أعادت كلامها مرة أخرى، بنبرة من قرر أن يعيد ما قيل آلاف المرات مهما طالت الإشارة. لم تسألني إذا ما كنت سعيدًا معها، حتى أنها لم تسألني إذا ما كنت أتصور أنها سعيدة معي أم لا، لم تسألني ما إذا كانت خلافاتنا في الفترة الأخيرة قد أثَّرت على حبي لها، (حقيقة لم نكن نتبادل مثل هذا الكلام إلا نادرًا خصوصًا في الفترة الأخيرة)، لم تسألني إذا ما كنت قد مللت علاقتنا، أعني أنها لم تطرح سؤالاً كمواربة الباب برفق على شخص توشك أن تصدمه بنبأ مفجع، قالت كما لو كانت لم تفكر فيما تقوله من قبل، كفكرة طارئة وُلدت عفية ومستحكمة وواثقة، قالت ببساطة: طلقني يا حسام. (نسيت أن أقول إن اسمي ليس سامح كما أخبرتك، وكما كنت تكتب لي منذ أكثر من سنة.. عذري أني متأكد أنا الآخر أن اسمك ليس صبري كما أخبرتني، وكما كنت أكتب لك منذ أكثر من سنة.. فربما كنت تحمل أي اسم آخر، هذا إن لم تصدق ظنوني وكنت فعلاً امرأة .. هل كنت امرأة؟!).
المرسل:
hi2006@yahoo.com
عنوان الرسالة: سؤال ممنوع
التاريخ: 14/8/2007
أتعرف؟
تمت إجراءات الطلاق بسرعة وهدوء لم أكن أتخيلهما. جلست سهام أمامي في مكتب المأذون بملامح محايدة أكثر مما ينبغي، حتى بدت وكأنها ليست المرأة التي سوف تطلَّق لتوها.
أجابت أسئلة المأذون كلها ببساطة كما لو كانت تملأ استمارة لعميل في البنك الذي تعمل به منذ عام تقريبًا. وحين حاول المأذون فعل تلك الأشياء التي يفعلها عادة بدافع مهني بحت، كالحديث عن أبغض الحلال وعن ضرورة التأني وما إلى ذلك، وقبل حتى أن أفكر فيما عساني أجيب به المأذون كي يكف عن مواعظه ويسرع في الإجراءات كانت سهام ـ قد قاطعته ـ بابتسامة رائعة ـ "ليس هناك داع" ثم أردفت "الطلاق أفضل لكلينا". قالت الجملة الأخيرة برقة شديدة مصحوبة بأجمل ابتسامة رأيتها في حياتي، لدرجة أني وددت لو أنها أعادت جملتها مرة أخرى، وتماديت في مشاعري حتى نهايتها، تمنيت لو أبقى حتى نهاية عمري مع امرأة يمكنها النطق بهذه الجملة بكل هذا الجمال واللذة.
أتعرف لقد زيفتُ أشياء كثيرة عني وعن حياتي طوال السنة التي كنا نلتقي فيها عبر الشبكة الجهنمية الإنترنت، اسمي وعملي (لست رسامًا كما قلت لك.. ربما كان أملي أن أكون ولكني ـ اليوم أقول لك ـ إني لم أكن) وأشياء أخرى كثيرة كنت أخفيها لأسباب أحيانًا ولغير ما سبب أحيانًا أخرى. ما أثار حيرتي طويلاً أني لم أزيف اسم سهام، فحين كنت أتكلم عنها معك للمرة الأولى ذكرت اسمها ببساطة.. سهام. اليوم فحسب قد يكون لديَّ الإجابة. أنا حقًا أحب اسمها.. سهام. الغريب أن ذلك لم يكن له علاقة بصاحبته. أتظن أنه يمكن أن يحب أحدهم اسم زوجته أكثر مما يحب زوجته نفسها؟ هل تعتقد أن أزمتي مع سهام أني لم أتمكن من أن أحبها أكثر مما أحببت اسمها!
أنا اليوم أكثر ضيقًا مما سبق، كما لو أنني عائد لتوي من مكتب المأذون في يدي ورقة عليها اسمي واسم أحبه ولم أحب صاحبته كما ينبغي، أتعرف أكثر ما في الطلاق من قسوة أنه لا يتاح لك سؤال زوجتك مرة أخرى عما كانت تقصده بقولها شيء ما، أو لماذا ارتسمت على وجهها علامات غبية حين قيل شيء ما أمامها، أو لماذا غمزتك بعينها حين أوشكتَ أن تقول شيئًا عاديًا جدًا ـ من وجهة نظرك ـ بينما هو نفسه شيء رهيب جدًا ـ من وجهة نظرها ـ لا يصح أن يقال أمام شخص ما.
أنا حزين الآن لأن بابًا لن يُقفل مرة أخرى علينا كي نُلحق الإجابات بالأسئلة المعلقة، لن يقفل مرة أخرى حتى لكي نصرخ ونجرح سكون الحي الأحمق الذي نسكنه.
أنا حزين الآن لا لشيء سوى أنه لن يمكنني أن أسأل سهام عما كانت تعنيه بأن الطلاق أفضل لكلينا. لماذا لا نغلق علينا باب بيتنا ولو لمرة أخيرة لأعرف. هذه الأنانية، لقد سلبتني حقي الأخير في السؤال عن جملة لعينة. أنا أكرهها فعلاً، ولربما كرهتها طوال السنوات الثلاث التي أمضيناها نمثل أننا زوج وزوجة، ولكني ما زلت أحب اسمها .
......
حاتم حافظ
نشر هذا المقتطف في جريدة البديل المصرية
9\1\2009

الخميس، 8 يناير 2009

أحمد الفخراني يكتب عن شرط شروط دخول الجنة

" في كل قلب حكاية " كتاب جديد لأحمد الفخراني يصدر قريبًا عن دار العين للنشر على معرض القاهرة للكتاب يناير 2009. يجمع فيه أحمد مقالاته التي نشرت في صفحة المجتمع بجريدة البديل المصرية . وفيها يرسم بروتريهات لأناس في المجتمع المصري ، للوهلة الأولى لا تعرف ما الذي يمكن أن يكون مهمًا في حياتهم ليُكتب عنهم ، ولكن الفخراني الذي يبتعد تمامًا عن الاكليشيهات في أسلوبه يعرف أن هناك أشياء أخرى أهم من أن تكون مهمًا .
ونقدم لكم مقطع من الكتاب وكلمة ظهر الغلاف
"أدعيلك دعوة يجعل نهارك أبيض زي قلبي ..قول آمين يا أستاذ .. أنا والنعمة اللي في ايدك دي موصول باللي خلقك .. مش عشان تقوى في قلبي ولا زيادة صلاة .. بس أصل ربنا يحب اللي قلبهم خسران زي فانلة الزملكاوية ..مع ان شرط دخول الجنة إنك تكون اهلاوي .. أنا عشان كده بشجع الأهلاوية وما شجعش الأهلي .. الأهلي قلبه مش خسران واللي بيلعبوا فيه ما بيتمرمرطوش ولا ينظلموش .
يبقى فتح مخك معايا كده يا أستاذ .. مش عويصة الحسبة : عشان تدخل الجنة شرط الشروط تكون أهلاوي .. بس عشان تتواصل بربنا لا زم تكون أهلاوي بس قلبك خسران زي فانلة الزملكاوية .. يجعل نهارك أبيض زي قلبي .. قول آمين
".

اليوم السابع: "لأن الأشياء تحدث" تصدر قريبا عن دار العين

تصدر قريبا عن دار العين رواية "لأن الأشياء تحدث" لحاتم حافظ، فى 140 صفحة من القطع المتوسط।الرواية التى صيغت فى صورة رسائل مرسلة على البريد الإلكترونى من بطل الرواية "حسام" لشخص غير معروف، تبدأ بخبر طلاق حسام من سهام زوجته، بعد زواج استمر لعامين، يستمر حسام فى إرسال رسائله بدون انتظار الرد، لأنه حسب قوله "أكتب إليك الآن فقط لأنى أتأكد أن ما من أحد سوف يقرأ ما أكتبه، كما لو أنك تلقى بنفسك فى فوهة بركان وأنت على يقين من أنك لن تنجو منها أبدا، وأنت على يقين ـ كذلك ـ أن ما من أحد فى عالمك الممل سوف يكتشف لعبتك السخيفة".وبمجرد أن تغادر سهام شقة حسام يبدأ فى اكتشاف العالم الذى لم يكن يراه جيدا، بداية من علاقته بزوجته وصديقه وأبيه، وانتهاء بعلاقته بالظرف الاجتماعى الذى يجد نفسه فيه كشخص يقع دائما فى منطقة البين بين. ويسأل حسام فى النهاية "هل تحدث الأشياء لأنها تحدث، أم أنها تحدث طالما سمحنا لها بأن تحدث؟".
....
كتبت دينا عبد العليم
اليوم السابع 7 يناير 2009