الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

رواية شديد البرودة ليلا

شديد البرودة ليلاً" قصة "غازي" و"جايل"॥ والملح على الجرح! (كلمة ظهر الغلاف)"لم لا ننهي كل شيء الليلة، نكتفي بهذا القدرعودوا لبيوتكمانسونا تماماانسوا أنكم عرفتمونا يومانحن نطهو طعامكمونربي أطفالكم وننظف ثيابكم التحتيةونتحمل فظاظتكم وقذارتكمنعدّ فراشكموندفئ ماء الاستحمام لكموندعك ظهوركم التي لا تصلها أذرعتكم الممتلئةوندير أعمالكمونغسل أموالكمونلتقط صوركمبينما تبتسمون ابتساماتكم البلهاءوننشرها في الجرائد"..هكذا يلخص الروائي الشاب "وجدي الكومي" الحال العربي في روايته الصادرة حديثا عن دار العين "شديد البرودة ليلا" و التي تعد الرواية الأولى له وإن سبقتها العديد من القصص القصيرة التي نال على معظمها الكثير من الجوائز.. وسبقتها أيضا قراءات عديدة لاتجاهات مختلفة في الرواية ليستخلص من كل هذه الاتجاهات اتجاهه الخاص وأسلوبه المميز السهل في روايته الأولى।تتناول أحداث الرواية فترة صعبة في تاريخ العالم العربي وهي فترة غزو العراق للكويت.. تلك الفترة التي كانت صدمة لجيل كامل استيقظ صباحا فوجد أن دولة عربية غارت على جارتها والعالم العربي والمجتمع الدولي يمثل دور المتفرج بمنتهى البراعة.ستصاب في الرواية بالكثير من الصدمات.. والكثير من المفاجآت المتلاحقة.. وستقابلك الكثير من المفردات الحياتية.. وإذا كنت من النوع الذي يفضّل انفصام شخصية البطل وكونه شخصا غير سويّ فستجد هذا أيضا.. وإذا كنت من النوع الذي يهتمّ بحرية التناول وحرية الحديث عن الجنس فلن يخذلك الكاتب أيضا.. باختصار: الرواية ربما تحمل لك كل ما تحتاجه من إشباع روائي.تدور الرواية حول ذلك الشاب الذي أنهى دراسته في مصر بعد أن تعرّف على "غازي" ذلك الشاب الكويتي الذي يدرس في القاهرة والذي كانت هوايته ممارسة الجنس وتصوير علاقاته المحرمة في قصره الفخم باستخدام بطل الرواية بعد أن صارا صديقين.. وبعدها سافر إلى العراق للعمل ثم عاد إلى مصر مرة أخرى ليؤدي الخدمة العسكرية الإجبارية بعد أن تهرب من خدمته ويلتحق بعدها بالقوات التي ستسافر إلى الكويت للمشاركة في حرب العراق والكويت المعروفة.. ويقفز بنا الكاتب إلى فترة أخرى في حياته بعد أن انتهت الحرب لنكتشف أن البطل قد بدأ العمل في الخليج من جديد بتوصية من "غازي".. وكان عمله عبارة عن توريد فتيات ليل إلى الخليج للعمل صوريا في دور الأزياء وخلافه من خلال توريط البنات المتقدمات في علاقات جنسية بالرغم منهن.. لإسكاتهن في ممارسة عملهن القادم.. وبالطبع لم يجد "غازي" موظفا أهلا لهذا العمل أكثر من صديقه!وبتطور الأحداث نكتشف انفصام شخصية البطل. وكيف أنه يحمل بين طياته أكثر من شخصية وذلك من جراء ما رآه في الحرب من أهوال يشيب لها الوليد.. ودائما يظل البطل في صراع دائم بين شخصياته الداخلية.. بين الحلم في داخله الذي يمثله "جايل" وبين البطل بحد ذاته الذي لا يعلم مصيره وما القوة التي تدفعه لكل ما يفعله طوال أحداث الرواية.أجاد "وجدي الكومي" حتى استخدام أسماء أبطاله كدلالات على ما تحمله من أحداث.. فقد استخدم اسم صديق البطل الكويتي الداعر "غازي" كدلالة على ما يحمله هذا الشخص للبطل من غزو فكري وأخلاقي وربما تمدد المضمون ليحمل ما يحمله مثل هذا البطل من غزو بأمواله وموبقاته للبلاد العربية المهضومة والتي ما زالت تحاول الغوص ضد تيار المال في مقابل الجسد.واستخدم اسم الشخصية الأخرى للبطل والتي يحملها داخله "جايل".. و"جايل" هو الشخص الذي يكون مع البطل في كل جولاته طوال الرواية.. في خنادق الحرب وفي الطائرة التي يستقلها ليجلب فتيات الليل من البلدان العربية الأخرى إلى الخليج.. كلما وقع البطل في لحظات ضعفه خرج "جايل" ليصبح أقوى ويكيل له الضربات الموجعة انتقاما من نفسه على ما بدر منه في حق الجميع وأولهم نفسه.. "جايل" هو الخواطر التي تجول في نفس الباطل .. هو ذلك الهاجس الذي يفسد عليه استمتاعه بما يفعله من موبقات.. هو الهاجس الذي يتحرر من كل قيود المجتمع والحياة ليخطو على خطوات ضعف صاحبه ويحقق إنجازاته التي نسيها البطل في غمار حياته العفنة.كما استخدم الكاتب اسم البطلة المجهولة التي لم تظهر في الرواية إلا من خلال ذكريات البطل "ليلى".. وكأنه أراد أن يستخدم ذلك الاسم المرتبط دوما بالحب والعشق والأمل والحلم.. وكأن "ليلى" هو ذلك الأمل والحلم الذي تركه البطل وضحّى به في سبيل استسلامه لعجزه وضعفه.(شديد البرودة ليلا) رواية أولى لروائي جديد جيد.. منحه حبه للروائيين الآخرين وأولهم "صنع الله إبراهيم" ذلك الأسلوب الملحمي والمتنقل.. الذي يجعلك دائما على موعد في كل فصل مع مفاجأة أو على الأقل سيجذبك من أول وهلة لتقرأ بانتباه شديد حيث يقذفك من زمن إلى زمن .. من البدايات إلى الحرب ومن الحرب إلى البدايات ومن الحرب إلى النهاية والعكس.. ولم يثنِ "دار العين" عن نشر الرواية رفض عمال المطبعة طبع الرواية لما تحتويه من إسقاطات ومشاهد -وإن كنت أرى من وجهة نظري أن ما بها من تجاوزات يقل كثيرا عن غيرها من الروايات الأخري- فاتجهت "دار العين" إلى مطبعة أخرى وكأنها تعلن أن الرواية الجيدة ستظهر إلى النور إن آجلا أو عاجلا. (شديد البرودة ليلا) رواية جيدة لروائي جيد.. تضع قطرات الملح على ذلك الجرح الغائر في عروبتنا.. فهل سنلتفت إلى معالجة الجرح؟ أم سنكتفي بالألم؟!


ليست هناك تعليقات: