الأربعاء، 30 يوليو، 2008

ندوة العين ، عن الرمال المتحركة



د. العيني
_ المعارضين اليمنيين المهاجرين ، قبل الثورة كانوا " كالأيتام في مأدبة اللئام "
_ حركت " 5نوفمبر " كانت متسامحة لدرجة أن الناس قالوا : هذه ليست حركة ، ولا حتى حركة بيضاء
_ لم أنضم للإخوان المسلمين ، لأن مشاكل اليمن لا يمكن أن تحل بحكم يتمتع بالقداسة
د. مصطفى الفقي
_ اليمن واحدة من أذكي الدبلوماسيات في التعامل مع الولايات المتحدة
_ شرطي الجزيرة العربية هو اليمن ، وهي الدولة التي تستطيع أن تصنع القلاقل للدول المجاورة
د. يوسف الشريف
_ لم يمنع اعتقال عبد الناصر للقادة اليمنيين ، من حبه والوفاء له
مداخلة من أحد الحضور
_ لماذا تكرر جملة " من أعمالكم يولَّ عليكم " التي يفهم منها أن الشعب لا يستأهل الثورة التي قمت أنت بالتحريض عليها ، فلماذا هذا التناقض ؟
.................................

عقدت دار العين للنشر ، ندوة لمناقشة وتوقيع كتاب " أصداء خمسين عاماً في الرمال المتحركة في الفضائيات والصحافة " الصادر عن الدار . أدار الندوة د. فاطمة البودي مديرة الدار ، وناقش الكتاب كل من د. مصطفى الفقي ، ود. يوسف الشريف ، ود. محمود عبد الفضيل . وبالطبع بحضور د. محسن العيني ، الذي بدأ الندوة بحديث مختصر عما احتواه الكتاب . فهو عبارة عن تجميع لردود الأفعال الإعلامية على كتابه " خمسين عاماً في الرمال المتحركة " سواء من حوارات تلفزيونية ، أو مقالات صحفية وما إلى ذلك .
كان منها حلقته مع أحمد منصور في برنامج " شاهد على العصر " في قناة الجزيرة ، وأيضاً في برنامج الآخر " بلا حدود " على نفس القناة ، التي ناقشت الكتاب مرة ثالثة في برنامج " الكتاب خير جليس " مع مقدمه خالد الحروب ، والسفير " على محسن حميد " .
كما يضم الكتاب عدد ممن المقالات التي تناولت الكتاب بالعرض والتحليل ، في عدد من الصحف اليمنية والعربية منها صحيفة الأيام ، ووجهات نظر وغيرهما .
ويوضح العيني أن كتابه " خمسين عاماً في الرمال المتحركة " ، كان اسمه الأصلي هو " قصتي كما أراها " ، لكن الناشرين اقترحوا عليه هذا الاسم ، وأن يصبح متبوعاً بجملة " قصة بناء الدولة الحديثة في اليمن " .
وفكرة الكتاب بالأساس هي إبراز دور الحركة الوطنية في اليمن . حيث خاض المعارضون معركة كبيرة مع الإمام .
وعن أحوال المعارضين اليمنيين الذين يعيشون خارج البلاد قبل الثورة يصفهم العيني ، بأنهم كانوا "كالأيتام في مأدبة اللئام" . فلم يكن يُسمع لهم ، وكان يقال لهم " احمدوا ربنا على اللي انتو فيه " .
ثم ينتقل العيني للحديث عن الدور المصري في ثورة اليمن ، الذي يراه جاء كرد فعل طبيعي لمصر ، التي أحست أنها معزولة عن الوطن العربي بعد انفصالها عن سوريا ، مما دفعها للوقوف بجانب ثورة اليمن .
لا يقلل العيني من شأن هذا الدور ، ولكنه يرى أنه عمل على تهميش أصوات اليمنيين الأحرار داخل البلاد ، صحيح أن لهم رأي يؤخذ به ، بحكم معرفتهم بطبيعة البلاد ، وبحكم معايشتهم لحروب سابقة ، ولكن خفتت أصواتهم فجأة بعد علو الأصوات الأخرى عليهم .
وعن مقابلته بالرئيس المصري " جمال عبد الناصر " يقول العيني " استقبلني الرئيس في مكتبه بالدور الأرضي في منزله ، وتبسط معي في الحديث وشجعني على أن أقول ما في نفسي ، وقد بدأت بما سمعته من السيد سامي شرف ، وقلت للرئيس إنني أعلم موقف القاهرة من البعث ، وإن المصريين إذا كانوا مقتنعين بأن بعض المسئولين اليمنيين بعثيون ، وأن الثقة مفقودة ، فإن الأمور لن تسير كما ينبغي ، وقلت بأنني أؤمن بالأمة العربية الواحدة وبالديموقراطية والاشتراكية والعدل الاجتماعي وأننا نفهم جيداً أن هذه هي أهدافه وأهداف ثورة مصر وأهداف الثورة العربية كلها ، وأن الخلاف مع سوريا والحساسيات التي نشأت مع بعض الشخصيات الحزبية لا يجوز أن تعزل مصر وقائدها عن الشباب العربي في الأقطارالأخرى ، لمجرد شبهة الحزبية التي قد تكون اتهاماً لا يقوم على أساس صحيح . ومضيت أقول للرئيس أنه ينبغي البعد عن هذه الحساسيات .
واستأذنت الرئيس في إبداء بعض الملاحظات على الأسلوب الذي بدأت أجهزة الإعلام تعالج به قضية الثورة في اليمن ، فذكرت له أن صحف القاهرة ذكرت أن هناك فزعاً في بغداد ودمشق وعمان الخ .. من الثورة في اليمن ، وأن عبد الكريم قاسم رفض الاعتراف بالجمهورية ، وأنه اشترط على وزير خارجية اليمن تأييد العراق في ضم الكويت مقابل اعترافه بالنظام الجمهوري . والحقيقة هي نقيض هذا كله . فقد أبدى العراق استعداداً للاعتراف ، كما أن دمشق رحبت بالثورة واعترفت بالجمهورية ، وأنه أياُ تكن الأسباب ، فليس من المصلحة استعداء الدول العربية واستثارتها .
كما قارن له بين تجربتي الثورة في اليمن ومصر بقوله " كنت في القاهرة حين قامت الثورة المصرية عام 1952 ، ولاحظنا كيف أنها أعلنت أولا أن هدفها هو تغيير القيادة العسكرية فقط ، ثم الحكومة ، ثم ترحيل الملك ، مع الاحتفاظ بابنه الطفل ملكاً وتشكيل مجلس وصاية ، وأن الجمهورية لم تعلن إلا بعد سنة ، بل أن الثورة تغاضت عن وجود القاعدة العسكرية البريطانية في السويس ، وتحالفت مع الملوك والحكام العرب ، كل هذا حتى يشتد عودها .
هذا في مصر ، ولها وزنها وجيشها ، وشعبها الواعي ، فكيف باليمن وهي على ماهي عليه من تخلف داخلي ، وأخطار خارجية محدقة من الشمال والجنوب .
قلت هذا وأكثر منه دفعة واحدة للرئيس ، شعوراً مني بالمسؤولية نحو بلدي اليمن ،ونحو مصر . وكان هو معي مهذباً ورقيقاً . ثم سأل " متى انضممت إلى حزب البعث ؟ " فقل له : حين كنتم "سمن على عسل " معه ، عندمت كنتم تحضرون لوحدة سوريا ومصر . قال لي : على كل حال خلافنا هو مع القيادات وليس مع الشباب ، ولن تجد منا إلا كل عون " .
وفي رصد للحركات السياسية والانقلابات في هذه الحقبة ، يتكلم العيني عن " حركة 5 نوفمبر " وكيف أنها كانت متسامحة ، ولم تتصرف بحقد ضد أحد ، لم تنتقم للمعتقلين ولا المعذبين في السجون ، حتى قال الناس :هذه ليست حركة ، ليست حتى حركة بيضاء .
وتم كل هذا حتى يبقى الجمهوريون صفاً واحداً ، لا ينشغلون ببعضهم البعض ، بل ينشغلون بما هو أخطر عليهم جميعاً ، وعلى ثورتهم ونظامهم . ويحكي موقف حدث له مع سيد قطب ، في فترة كان يذهب العيني لسماع دروسه في الجامع ، فسأله قطب "لماذا لا تنضمون للإخوان المسلمين ؟" فرد عليه العيني ب" أن اليمن في حاجة إلينا ولا نستطيع أن ننضم لمنظمة تشتت من تفكيرنا في قضاياه ، التي لا نستطيع معاجتها بحكم يتمتع بالقداسة ، بل نأخذ جوهر الشريعة فقط من الدين ، فالحاكم لابد أن يكون مدني حتى نستطيع محاسبته ".

وفي عتاب رقيق ، قال العيني ، أن العاتبون على بعض أخطاء هذه الحركات والثورات ، لم يكونوا مقدرين لظروف وطبيعة البلاد في هذا الوقت ، وما هي عليه من تخلف ، وانعدام خبرة بالأمور السياسية .
................................
وبعد هذه الكلمة ، نقلت د. فاطمة البودي دفة الحديث لد. مصطفى الفقي . الذي أرجع أهمية مناقشة هذا الكتاب ، لسببين ينبع أولهما من أهمية الكاتب ، الذي كان له دور مؤثر بل الثورة وبعدها ، كما أنه من القليلين الذين أتيحت لهم فرصة الدراسة في العديد من البلدان ، في تلك الحقبة ، فدرس في بيروت والقاهرة ، بالإضافة لباريس .
أما السبب الثاني فيرجع لأهمية اليمن نفسها كدولة لها خصوصيتها ، فتعبير "الرمال المتحركة" المذكور في عنوان الكتاب ، يعتبر توصيف سليم لما مرت به اليمن ، التي قفزت قفزة خطيرة من دولة متخلفة ليس لديها وعي بالواقع السياسي ، إلى دولة تحاول اللحاق بركب التحضر ، وتقف على قدم المساواة مع دول أخرى ، كما أن دبلوماسية اليمن دبلوماسية ذكية ، والسبب في ذلك أنهم مقتحمون للمواقف ، مبادرون دوماً .فما من قضية عربية إلا وتقدم اليمن ليمد يد العون لحل مشكلتها . وآخرها مبادرة صنعاء للصلح بين فتح وحماس .
كما أن اليمن هذه الدولة التي كانت متحوصلة على نفسها ، بدت بعد الثورة وفي العقود الأخيرة ، وكأنها دأت تخرج من القمقم أخيراً .
ويتحدث الفقي ، عن العلاقة الوطيدة بين الشعبين المصري واليمني ، حيث يكن اليمنيون لمصر كثير من الامتنان ، حتى أن حجم النصب التذكاري للشهداء المصريين في اليمن أكبر من مثيله للشهداء اليمنيين .
وعن كتاب د. محسن العيني ، يقول الفقي ، بأنه ليس سيرة ذاتية بالعنى المتعارف عليه ، فهو يعالج القضايا ، ويوضح في نقطة هامة منه ، كيف أن القادة اليمنيين الذين اعتقلهم عبد الناصر ، لم يجافوه بسبب هذا ، بل استمروا محبين له .
كما يشيد د. الفقي باليمن ، ويقول أنها واحدة من أذكى التجارب في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية ، ويذكر مثالاً بزيارة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ، إلى الولايات المتحدو أيام مشكلة محاولة انفصال الجنوب اليمني . بالإضافة إلى أن اليمن هي شرطي الجزيرة ، وتستطيع أكثر من غيرها أن تصنع القلاقل للدول المجاورة ، ولذا فالسعودية ليست عندها حساسية تجاة أي دولة حدودية ، إلا مع اليمن .
ويختم الفقي حديثه ، بأن هذا الكتاب جاء لافاقة بعض المشاعر والأفكار حول اليمن ، ومراجعة تجربتها وثورتها مرة أخرى .
.................
من جانبه ، تناول د.يوسف الشريف كتاب " أصداء خمسين عاماً في الرمال المتحركة " ، حيث قال أنه أضاف الكثير من المعلومات الموثقة إلى السيرة الذاتية وفض الغموض ، وأزال اللبس في غيرها ، كما أنه أنصف الكثير من الشخصيات التي تناولتها السيرة ، ومنها تأكيد اعتزازه بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر ودوره القوي في دعم الثورة والنظام الجمهوري .
ثم عرج بالحديث عن مدى حاجة الوطن العربي ، إلى شيوع كتابة السير الذاتية بكل دقة ، كما هي سيرة د. محسن العيني ، والسير الذاتية لطه حسين والدكتور لويس عوض والدكتور جلال أمين .
وأنهي كلمته بأن السرة الذاتية لد. العيني وأصدائها وتداعياتها بمثابة سفر يستحق أن يروى سينمائيا ً وأن ينال حظه من الدراسة .
..................
أما د. محمود عبد الفضيل ، فقد أشار إلى أن علاقته بد. محسن العيني ، كانت من خلال ترجمته لكتاب " كنت طبيبة في اليمن " للدكتورة الفرنسية " كلودي فياذ " ، كما أنه يعتبركتابه " خمسون عاماً في الرمال المتحركة " بمثابة مرجع أساسي لتأريخ الحركة الوطنية اليمنية ، وكتابه الجديد " أصداء خمسين عاماً في الرمال المتحركة " يعتبر أضواء على كتابه الأول .
وتعليقاً على مشكلة القات في اليمن ، يحكي د. عبد الفضيل طرفة قيلت ، عن المشير عبد الحكيم عامر ، أنه أثناء زيارة لليمن ، سئل هل حقيقي أن المصريين يشربون الحشيش ، فرد عليه المشير وقال "أوقاتاً " .
......................
وفي مداخلة من الحضور ، استفسر أحدهم من د. العيني ، عن أنه ذكر في مواضع كثيرة في كتابه وفي حواره مع أحمد منصور جملة " من أعمالكم يولَّ عليكم " أي أنه يلقى بالمسئولية على الشعب في ظلم حكامه ، فكيف ذلك ، وهو الذي قام بدور رئيسي في الحركة الوطنية وساند الثورة لمصلحة الشعب ؟، أي لماذا يكلف نفسه من أجل الشعب ، وهو لا يحترمه أساساً ويراه سبب تخلف النظام السياسي ؟ .
ورد عليه د. العيني بقوله ، أن هذا الكلام كان من أجل تحريض الشعب ، وحثه على القيام من سباته ، فلا يمكن أن " نطبطب عليه " بل يجب هزه ، وهذا ما حدث فعلاً بالثورة اليمينة .
........................

وعن دور المرأة في اليمن ، كانت مداخلة واحدة من الحضور ، حيث بسبب مشكلة القات نجد الرجل مغيب في البيت ، بينما تقوم المرأة بالكثير من الأعمال بدلاً منه ، وتكون مسئولة عن الأسرة وحمايتها . وكان سؤالها لد. العيني ، حول رؤيته لهذا الدور .
العيني من جانبه ، رد بأنه يعتبر المرأة جزء أساسي من المجتمع اليمني الذي لا تقوم له قائمة بدونه ففي مجال الزراعة هي حاضرة بقوة ، وفي المجال التعليمي هي متواجدة بصفة أساسية . وأضاف بأنه مع حرية المرأة ومع احتشامها في نفس الوقت بشرط ألا يكون عائقاً عن عملها . ويضرب مثالاُ بأنه عقد في احدي السنوات مؤتمر نظمته الولايات المتحدة ، وفيه بعثت وفد من السيدات الأمريكيات لتعليم النساء اليمنيات شئون الإدارة والتعليم وغيرها . فرجع الوفد إلى أمريكا ، وقال "أنه لم نستطع فعل أي شيء معهم ، فكيف ستعمل امرأة في مصلحة حكومية وتتعامل مع الناس ، ولا يظهر منها غير عينيها ".
........................
وبدور المرأة في اليمن، أنهت د. فاطمة البودي الندوة ، وأمنت على كلام د. العيني بأن الشعوب العربية بحاجة لهزة قوية حتى تفيق من سباتها ، وأنه يجب الاستفادة من تجاربنا السياسية ، لمعالجة قضايانا بشكل أفضل وبحكمة .

الأحد، 27 يوليو، 2008

عن " مصر المفروسة "

حاول د. محمود عطية أن يجعل من كتابه " مصر المفروسة " والصادر عن دار العين للنشر ،" دفتر أحوال مصرياً سجل فيه ملاحظات حول العديد من القرارات والتحركات الحكومية التي ساهمت بقدر لا بأس به في إشاعة روح السخرية وسط حياة مليئة بالنكد .. فقد بدت حكوماتنا وكأنها من يظن نفسه واقفاً في الظلام ولا يراه أحد .. واستغل ذلك في فعلة نكراء .. مع أنه في وضح النهار وبدت عورته لنا جميعاً ، مما أحال حياتنا إلى قمة الكوميديا الراقية ."
وقد جاء الكتاب ، على هيئة مقالات ، كان د. عطية قد كتبها في مناسبات متفرقة ونشرت في مطبوعات متنوعة . أما عن أسلوبه في تناول مواضيعه فهو كما يقول " أشبه بضحكات ساخرة على مواقف وأوضاع وقرارات يفترض فيها أنها ترتدي ثياب الجد لا الهزل .. لكنها جاءت تعبيراً صريحاً عن الهزل بعينه ، وخرجت من أناس ائتمناهم على مصير أمتنا بجعلهم حكومة علينا ..فكانوا أسوأ ما يمكن أن يكونوا لأسباب متععدة تبدو جلية واضحة بين ثنايا الكتاب " .
من المواضيع التي تناولها الكتاب ، مشكلة التعليم في مقاله " القابضة للدروس الخصوصية " ، ومشكلة الهجرة غير المشروعة تحت عنوان " العيال غرقت " .

السبت، 26 يوليو، 2008

فصل من كتاب .. "عالم الغيطاني" لد. سعيد توفيق

من فصل :
تجليات الوجود الأنثوي في " خلسات الكرى "
.......
الشكل الفني والرؤية الجمالية:
أول ما يواجهنا في أي عمل هو شكله الفني. وعمل الغيطاني هنا يضعنا منذ البداية في مواجهة قضية الأنواع الأدبية ويطرحها بقوة. نحن أمام عمل أدبي يبدو لنا على أنه رواية، ولكننا منذ الصفحات الأولى ندرك من فورنا أننا لسنا أمام رواية بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، وهو انطباع سوف يتأكد بقوة كلما أوغلنا في العمل: أعني أننا لن نجد هناك بناءً دراميًّا تتفاعل فيه الشخصيات وتتصاعد الأحداث في تراتب زمني منطقي؛ بحيث نجد كل فصل فيه مرتبطًا ارتباطًا ضروريًّا بما يسبقه وبما يليه، ليبلغ نهاية معينة. هل نحن، إذن، أمام مجموعة قصص قصيرة؟ إننا نجد مجموعة من الفصول، الفصل الواحد يمكن قراءته والاستمتاع به بوصفه كيانًا قائمًا بذاته، ولكن ما إن نتابع قراءتنا لكل فصل تلو الآخر؛ حتى نشعر بأن هناك خيطًا مشتركًا بينهما يشدها بعضها إلى بعض، فهي منفصلة ومتصلة في وقت واحد.

ومن ناحية أخرى، فإنه ربما يحق لنا أيضًا أن نتساءل: هل نحن أمام شكل من أشكال السيرة الذاتية؟
فعبر فصول العمل، يتحدث المؤلف بضمير المتكلم ليسرد لنا تفاصيل ومواقف من حياته الخاصة، لا باعتباره ساردًا متخيلًا، وإنما باعتباره ساردًا واقعيًّا، أعني باعتباره جمال الغيطاني .. ذلك الأديب الذي نعرفه نحن القراء. فهو يتحدث – على سبيل المثال – عن زيارات فعلية قام بها لبلدان عديدة، وعن الأماكن الفعلية التي زارها، وعن أشخاص واقعيين يعرفهم القرَّاء مثل صديقيه محمود البدوي وشادي عبد السلام من الراحلين (1) ، فضلًا عن أصدقاء آخرين أعرفهم شخصيًّا – مثلما يعرفهم غيري– معرفة وثيقة مثل: أحمد الفلاحي وآل الرحبي من عمان(2).

هناك، إذن، مشروعية ما في أن نتحدث عن طابع القصة القصيرة في عمل الغيطاني، مثلما أن هناك مشروعية ما في أن نتحدث عن طابع السيرة الذاتية فيه. بل إننا نستطيع أيضًا أن نتحدث عن المكون الشعري داخل هذا العمل، وتلك مسألة أخرى سنعود إليها في سياق آخر. هل معنى ذلك أن هذا العمل يقدم لنا برهانًا عمليًّا على إسقاط الحدود بين الأنواع الأدبية؟

الواقع أن الغيطاني في هذا العمل كان يمارس دائمًا نوعًا من الانتهاك المشروع للحدود بين الأنواع الأدبية، وهو كان يفعل ذلك بتلقائية إبداعية وبحسن نية المبدع أو نزاهته الجمالية. ومسألة انتهاك الحدود بين الأشكال الفنية والتلاعب بها، بل تشويهها أحيانًا، ليست بالمسألة التي ينبغي أن تشغلنا باعتبارها أمرًا خطرًا على العملية الإبداعية؛ فمكمن الخطورة يأتي من محاولات بعض الأدباء من الشباب الذين تشغلهم قضية العصف بالشكل الفني من دون أن يكون هناك قوام فني أدبي أو رؤية جمالية إبداعية وراء ذلك، أعني تشغلهم قضية الشكل على حساب الرؤية الجمالية التي يمكن أن يطرحها الشكل نفسه باعتباره أسلوبًا لرؤية الأديب (أو الفنان عمومًا) للحياة وللعالم، بل للوجود ذاته في أحد تجلياته.

إن التداخل والتأثير التبادلي بين الأشكال الفنية للأنواع الأدبية أصبحا الآن أمريْن واقعيْن؛ فملامح هذه الأشكال أو حدودها ليست حدودًا محرمة ولا تابوهات لا يجوز انتهاكها، بل إن هناك مجالًا للقول بأنه منذ فترة ليست بقصيرة قد أصبح التداخل بين الأجناس الفنية ذاتها أمرًا واقعًا: ويمكن المرء أن يسترجع على سبيل المثال – كيف تأثرت حركة الشعر الخالص مع ملارميه، والحركة التعبيرية التجريدية في فن التصوير، بالثورة التي حدثت في مجال الموسيقى ونزوعها نحو التعبير الخالص، من خلال موسيقى الآلات ، أي من خلال الموسيقى الخالصة أو المطلقة.
كل هذا صحيح. ومع ذلك، يبقى لكل جنس فني، ولكل نوع أدبي، قوامه الخاص. فما الذي يبقى من عمل الغيطاني ويحفظ عليه قوامه كعمل أدبي؟

على الرغم من أن كل فصل من العمل يمكن قراءته والاستمتاع به في ذاته، فإن متعتنا تتأسس على نحو كلي وأكثر عمقًا عندما نتابع قراءتنا للعمل ككل؛ إذ نشعر عندئذ بوضوح بأن هناك خيطًا متينًا يربط هذه الفصول بعضها ببعض.. تيمة تتردد أصداؤها في أنحاء العمل؛ بحيث يبدو كل فصل كما لو كان تنويعًا على هذه التيمة وإثراءً لها.

في كل فصل مكان أليف له زمانيته الخاصة، انبثق فيه خلسة كيان أنثوي طاغٍ استولى على كيان صاحبنا كطيف أو حلم جميل من ذلك النوع الذي ينتشلنا لحظيًّا من وجود واقعي غفل رتيب متناهٍ. والغيطاني يستدعي هذه الأطياف بفعل حالة يسميها "التحنين" بمعنى استدعاء الشوق والحنين، متمنيًا لو كان لها دوام وبقاء، فهو يتمنى لو كان بإمكانه تثبيت هذه اللحظة التي يبدو فيها الوجود مكتملًا، ولكنها تمر من دون أن يكون في مقدورنا أن نبقيها أو ننهل منها، فليس أمامنا وقد مر العمر سوى الاستدعاء أو التحنين والترقب الدائم لهذه اللحظات. يقول في أول سطور روايته:
"ما تبقى أقل مما مضى.
يقين لا شك فيه، أعيه. أتمثله، أعيشه. فلماذا أبدو مبهوتًا، مباغتًا كأني لا أعرف. مع أنني المعنيُّ والمطويُّ والماضي إلى زوال حتمي؟ لا أتوقف عن إبداء الدهشة، لا أكف عن التساؤل إن بالصمت أو بالنطق..
لماذا يسرع الإيقاع مع قرب التمام؟
لماذا تنشط الخطى وتسرع الحركة عند الدنو؟
لماذا يقوى العزم عند قرب نفاد الطاقة؟
لماذا يقع التوثب مع صلصلة أجراس الرحيل؟
لماذا تكون أقصى درجات اللمعة قبيل الانطفاء؟
لنا في توثب واندلاع لهب الشمعة أسوة وعبرة، أما ذروة ضجيج الآلة المحركة في الطائرة أو الناقلة البحرية قبل الكف مباشرة ..
إدراكي غشاني وانتباهي قضَّني
"
التحنين، إذن، هو أصل استدعاء هذه الأطياف ومحاولة استبقائها في تيار الوعي. وهذه الأطياف متعلق أمرها بالمرأة، بالكيان الأنثوي الطاغي. ولكن ما هي المرأة هنا، وما ذلك الكيان الأنثوي الطاغي. يقول:
"ليس الجمال الأنثوي إلا إشارة وتلميحًا إلى عذوبة الكون المتكون بالفعل والمحتمل أيضًا. أنفقت عمري في التشوف إليه، غير أنني لم أرتو ولم أنل حظي"

حدوتة من كتاب " المرأة والحدوتة "


سهراية
"الست زراره وجوزها" *

وحّد الله… كان فيه واحده اسمها زراره وواخدها واحد، وطبعًا كان كل يوم الصبح يبدَّر يروح الغيط يشتغل، وهىَّ كانت تاخد آه… لامؤاخذه كده الجاموسه تجُرَّها، وتاخد آه… الفطور وتمشى له، فجات آه، مرَّه من المرات واحد عرفها إنها عبيطه شوى فجه قَلَّها آه… يا ست انت اسمك آه؟… قلت له: اسمى زراره، قَلَّها ع الجمال ده كله وع الحلاوه دى كلها واسمك زراره؟!! طب ماورا بيتك سوق يتباع فيه الأسوم… خدى الجاموسه ديدى بيعيها واشترى لك اسم قَلِت له: والله… قال ليها والله، جات واخده الجاموسه، كان هُوَّ لف من تانى ناحيه وراح مقابلها وقَلَّها يا ست انت رايحه فاه؟ قلت له: آنى رايحه ابيع الجاموسه واشترى اسم، قَلَّها طب مانى اللى باشترى وانا اللى بابيع الأسوم قَلِت له: ماشى، قَلَّها الجاموسه دى باسم، يبقى بدل مااسمك زراره بقى اسمك الست فطوّمه، ومن عندى آنى الست " هنومه " ماشى يا ست قَلِت له: ماشى
وجات عاطياله الجاموسه وراحت غاسله ولابسه وجات قافله على نفسها الباب وجات قاعده فدكهو استعوقها([1])، قَلَّها: يا زراره افتحى الباب، قَلِت له: خليك بـرّه لما تجي لـك زراره تبقى تفتح لـك، يا زراره افتحى الباب ماسألتش فيه… يا سخامة الطين افتحى الباب، فهىّ تحسبه بيقول ليها يا ست فطومه جات قايمه وفتحت له الباب، قَلَّها آه ماجيتيش الغيط لاه؟ قَلِت له: اسكت يا خويا مش فى واحد فات من هنا بتاع أسوم بعت له الجاموسه واشتريت منه اسم " الست فطومه "، وقَلِّى مـن عندى آنى الست هنومه، قَلَّها، فآنى كـده بعت الجاموسه…
قال والله آنى سايبهالك يا ست هنومه، إن لقيت أعبط منك هعاودلك، وان لقيت أنصح منك مش هعاود، فلم هدمتينه([2]) وخد بعضيه وجه ماشى، فراح ماشى تحت سرايه بتاعة الوزير وراح قاعد، فالخدامه تلقّح الذباله فيها لقم وهوَّ ينقِّى اللقم من تحتيها وياكل… جعان طبعًا وياكل، فالخدامه بصِّت وقالت لمراة الوزير، يا ستى فيه واحد قاعد تحت السرايه قاعد قَلِت له: إندهى له، قَلِت له: يا عم انت مناه قَلَّها أنا من حنهم الحمرا، قَلِت له: بس يبقى انت من عند عيالى، قَلِت له:: طب ماشفتش عيالى قَلَّها شفتهم، قَلِت له: طب عاملين آه؟ قَلَّها والله عيشتهم لا تسر ولا ترضى ربنا، الناس فيها يلبسوا حلو، وياكلوا حلو ويشربوا حلو، ودوله يا نارى هدومهم مبلله وجعانيين ودايرين آه… يصعبوا ع الكافر فراحت آه… جايباله آه… فطير وحاجات حلوه وفواكه، وجات محمَّلاه وراحت مشيَّلاه، وصارَّاله صُرَّه بالهدوم والأكل الحلو، وقلت له: خد، ودى للعيال ياكلوا ويلبسوا ويشربوا حلو، هُوَّ خد الصُّرَّه، ونـزل، آه،
وصاحب بيتها جه معاه فرسه راح رابطها تحت، وراح طالع لها، قَلِت له: اسكت مش جه واحد هنا من جهنم الحمرا من عند عيالك، وقال دا عيشتهم سودا وهدومهم مقطَّعه وعطيته هـدوم وعطيته فطير، وعطيت وعطيت، فطبعـًا آه… خد بعضيه وطلع يجرى ورا الراجل علشان يجيب منه الصُّره، فدكهو بص وراه لقى الفرسه بتعفَّر وراه، لقى واحد أقرع بيحرت، فقَلُّه: انت شايف يا عم ياللى بتحرت قَلُّه: شايف الراجل بتاع الفرسه اللى بيعفَّر قَلُّه: أيوه… قَلُّه: بيقطَّع روس القرع، فهات أحرت عنك، وانت اركب فوق السجره، عطاه المحرات، واللقرع جه راكب فوق السجره، فجه الراجل نهون… اللى راكب الفرسه، يا عم ياللى بتحرت قَلُّه شفتش واحد من هنا معدى من هنا شايل صرّه وعدى من هنا؟ قَلُّه: راكب فوق السجره، قَلُّه يا عم انزل جاى، قَلُّه: والله مافيه إلا حبايه واحده، طب أعمل بها آه الحبايه، انزل لى جى يقَلُّه والله حتِّة قرعايه صغيره، يا عم انزل انزل، كان صاحبك دكهو آه كان خد الصره وخد الجوز بهايم وركب الفرسه وراح ماشى، فدكهو قَلُّه انزلِّى جى، فراح نازل وقَلُّه مافيش إلا حبايه واحده، قَلُّه: مش انت اللى واخد الصره من الوليه؟ قال: اللى واخد الصُّرَّه هُوَّ اللى بيحرت فخدوا بعضيهم هُمَّ اللِّتنين وراحو لا لقوا البهايم ولا لقوا الصُّرَّه ولا لقوا الفرسه… فطبعًا راح معاود على مرته قَلِت له: أمّال فاه الفرسه؟ قَلَّها: أنا مشيت جهنم الحمرا لقيت صحيح عيالك هدومهم مقطعه وجعانين، والناس كلها تلهد ع اللفرس، وهُمَّ مـش لاقيين حـاجـه فرحـت عاطيهم آه… الفرس يلهدوا عليها زى الناس،
صاحبنا دكهو اللى هُوَّ صاحب زراره، قَلَّها يا ست هنومه قَلِت له: أيوه قَلَّها: خدى احلبى، وخُضِّى وكلى سمن واغسلى وكلى حلو واشربى حلو ياما فيه ف الدنيا أعبط منك .
وحدوتة ملتوته خلصت الحدوتة.
...........
* المؤدي: امتنعت عـن ذكر أسمها ـ وقـد رمز لها الباحث بالرمز(غ) ـ سبق التعريـف بها ـ تم التسجيل معها فى ديسمبر 2000، والعنوان من اقتراح الباحث.
([1]) فدكهو استعوقها: شعر زوجها بأنها تأخرت عليه.
([1]) لم هدمتينه: قام بجمع ملابسه
...
الصورة المرفقة من أعمال ماعت

الثلاثاء، 22 يوليو، 2008

اقرأ عن .. الولد اللي كان هيجوز أخته


في كتابه " المرأة والحدوتة " والصادر حديثاً عن دار العين للنشر ، يحاول د. خالد أبو الليل التعريف بجانب من المأثورات التي حافظت عليها المرأة ، لتكون أساساً لمعرفة أفضل بها وبأدوارها ، بالإضافة للتعرف على جوانب الإبداع الفني عندها .
ينطلق الكاتب من فرضية تقول " أن أكثر من 90% من مأثوراتنا الشعبية تحفظها ذاكرة المرأة المصرية " .
الكتاب مقسم لقسمين ، أولهما عبارة عن دراسة مستفيضة ، عن الحدوتة ،والخصائص التي تميزها عن غيرها من الأدب الشعبي . سواء في بنية النص أو في رواتها . كما يوضح أنها ليست مرادفة ، للحكاية الشعبية ، بل هي أحد أنماطها ، فتحت الحكاية يندرج كل من ( الحواديت ، المثلات ، السهاري ،الأحاديث ...الخ ) .يسرد لنا د. أبو الليل في ثلاثة عشر نقطة خصائص الحدوتة فهي :
1_ تحرص على البدايات التقليدية ( وحد الله _ كان ياما كان فيه _ صلوا عالنبي كان فيه .. ) . وهي تهدف إلى جذب المتلقي باشتراكه في الحديث بأن يطلب منه أن يوحد الله أو يصلي على النبي ، أو تطلب منه العودة بعقله إلى زمان ومكان بعيدين عن الواقع .
2_ تحتفي بالعبارات الايقاعية الجاهزة مثل " دخلت بِنَيَّة وخرجت بنية .. ما عرفت باابن السلطان تضحك علي " أو " البيت بيت أوبنا والغرب يطردونا " .
3_ تكرار الحدث ثلاث مرات ، والاحتفاء بأعداد معينة مثل " سبعة أو أربعين " . فالملك ينجب ثلاثة من الذكور يفشل اثنان بينما ينجح الثالث ، وهذه المرأة تواجه أربعين من اللصوص .
4 _ الشخصيات فيها موزعة بين الإنسان والحيوان والجماد والجان ومواطن الأحداث فيها بين الأرضي وتحت الأرضي وبين البر والبحر ، وزمانها غير محسوس ، وأحداثها تبدو كما لو كانت غير منطقية ، مما وجه إليها نقد بأنها " خيالية وغير غنية بالمغزى ، ولا يسودها نظام ، وإنما هي فيما تبدو خلط لا شكل له ولا بنية " ، وهنا يرد " جوتة مدافعاً عنها بأنها " هي بعينها الحكمة ، وإذا كنا نحن لا نعرف مصدر هذه الحكمة ، فإن هذا لا يرجع إلى بلاهة في الحكاية الخرافية ، وإنما يرجع إلى احساسنا البليد " .
وهذا النقد السابق الموجه للحدوتة يمكن أن يوجهه شخص لا ينتمي إلى جمهور الحواديت ( كالدارسين مثلا ) ، ولكن الأمر يختلف تماماً بالنسبة لجمهورها الأساسي ، هذا الجمهور الذي يتوحد تماماً مع عالم الحواديت ، كالأطفال مثلاً .
5_ تنطلق الحدوتة من الواقع حيث الاستقرار ، ثم تتطور الأحداث وتتعقد ، ويصاحب هذا التطور والتعقيد ، البعد عن الواقع ، الأمر الذي يفتح المجال لإعمال الخيال والاعتماد على الاحداث المختلقة والادوات الخارقة ، وذلك بهدف تحقيق الوظيفة الأساس . وهي العودة للواقع \ الاستقرار مرة أخرى .
6_ تتسم الحدوتة بانها عبارة عن أجزاء رخوة ( تسمح باندراج أفعال قصصية ثانوية في سياقها تتوالد باستمرار ، وتغذي الامكانات السردية للحكاية الإطارية " فالحدوتة تتألف من مجموة مقطاع سردية ( حكايات قصيرة ) قابلة للنتقال من حدوتة إلى اخرى ، كما انها قابلة للاستقلال عن الحدوتة الأم .
7_ إن شخصيات الحدوتة موزعة بين الخيرة والشريرة ، ولا وجود لهذه الشخصيات إل امن حيث علاقتها ( الايجابية او السلبية ) بالبطل . والبطل فيها مسلوب الإرادة ، خاضع لقوى خارجية تحدد مصيره ، وتساعده للوصول للنجاح .
8_ إن الحواديت تسعي منذ البداية للوصول للنهاية السعيدة .
9_ تحتفي الحواديت بصيغ الختام التقليدية ، مثل ( وتوتة توتة فرغت الحدوتة .. ولوما الطاقية المشروطة كنت جبت لكم شوية مخروطة ) . واحتفاء الحواديت بصيغتي الافتتاح والختام ، يميزها عن غيرها من الأنواع الأدبية الشعبية الاخرى .
10_ أكثر رواة الحواديت من النساء ، وهو الأمر الذي سبق وأكده رواة الأدب الشعبي .
11_ تتطلب هذه الحواديت جمهوراً معيناً ، وقد توفر هذا الجمهور في عالم الأطفال .
12( أما بالنسبة للوقت الذي تروى فيه الحدوتة ، فهو اكثر ارتباطاً بوقت الليل ( ما قبل النوم ) .
13_ وظائف الحدوتة الأساسية هي ( المحاكاة والتسلية والتعليم )
وفي مبحث أخر من القسم الأول ، يربط الكاتب بين الصوت النسائي الغالب على الحواديت ، وبين تعبير هذه الحواديت عن قضايا المرأة । ويعرض لبعض النماذج النسائية التي استطاعت في موروثنا الشعبي المدون ، أن تفرض وجهة نظرها النسائية ، فنجد على سبيل المثال في السيرة الهلالية المدونة ، شخصيات ونماذج متنوعة من المرأة ، فهناك النماذج النسائية التي تتسم برجاحة العقل مثل الجازية وسعدة وريا ودواية ॥ الخ ، وكذلك نماذج للمرأة / الزوجة المخلصة مثل : خضرة الشريفة وعليا العقيلية وناعسة الأجفان ... الخ
.
ويتوقف الكاتب في مبحث معنون ب " الحدوتة وقضايا المرأة " ليورد عددأ من القضايا التي حاولت الحدوتة الشعبية الانتصار للمرأة فيها ، منها :
1_ ارتباط الفتاة بمن تحب . حيث إن البنت المصرية _ والريفية خاصة _ كثيراً ما عانت من رفض الأسرة للزواج ممن اختارته شريكاً لها ، وكثير من الأحيان يفرض عليها الزواج من شخص لا تربطها به سابق معرفة ( الزواج التقليدي ) .
2_ ولما كانت هناك حكايات كثيرة تسخر من المرأة وسذاجتها ، فقد جاءت وجهة نظر نسائية شعبية مضادة ، تسخر من الرجل وسذاجته ، وتؤكد على رجاحة عقل المرأة .
3_ صراع البنت مع أسرتها ، ويأخذ أشكالاً كثيرة منها صراعها مع زوجة أبيها الشريرة ، أو مع أبيها الذي يفضل اخوتها الذكور عليها .
4_ أن المرأة عندما تكون مسئولة عن نفسها ، فإنها تحسن التصرف في أمورها ، وتكون قادرة على حماية نفسها ، فليس حقيقياً انها مجرد جسد شهواني .
5_ قضية انجاب البنت وتفضيل إنجاب الولد عليها .
6_ الصراع الطبقي ، وقد يتمثل هذا برواية المرأة لحدوتة تكون قضيته الأساسية هي مقاومة الصراع الطبقي ، على نحو ما جاء في حدوتة ( بنت الحطاب وابن السلطان ) .

7_ صراع البنت مع القوى الخارقة ، مثل حدوتة ( التلات بنات الاخوة والفرخة اللي بتبيض دهب ) وفيها تحسن البطلة التصرف مع الكائن الخراق .
8_ ولم تبتعد المرأة ( كراوية وبطلة للحواديت ) عن الجانب السياسي في الحياة ، فالابنه الصغري في مثل ( إن قلت ما تخاف ) لا تتراجع عن موقفها الشجاع امام الملك .
أم القسم الثاني من الكتاب فهو يشتمل على مجموعة الحواديت ـ التي قام الباحث يتجميعها من على لسان الراويات في مراكز محافظة الفيوم ، مسبوقة بتعريف لكل واحدة منهن ، ومرفق بصور لبعضهن .
ومن هذه الحواديت ، حدوتة " المرأة اللي عاشقة أربعة" و" ست الحسن والجما وأختها صرام المدلدل " و" العصفور الأخضر " .

الخميس، 17 يوليو، 2008

قراءة .. لكتاب أصداء خمسين عاماً في الرمال المتحركة



مما لا ريب فيه أن الموقع السياسي للمؤلف يرفع من أهمية المذكرات. هذا ما حدث مثلا عند صدو


ر كتاب (خمسون عاماً في الرمال المتحركة) الذي يرى كثير من القراء أنه "من الكتب القليلة الموثقة والرصينة عن التاريخ السياسي لليمن الحديث"، لأنه من تأليف أحد الرموز السياسية اليمنية المهمة في العقود الأخيرة: السياسي والدبلوماسي المحنك محسن العيني الذي شغل منصب رئيس وزراء ووزير خارجية وسفير لبلاده مرات عدة، وذلك على الرغم من أن المؤلف نفسه كان حذراً وردد أنه لا يهدف في مذكراته إلى كتابة التاريخ.

فهو يقول في السطور الأولى من الكتاب:" هذه ليست قصة الحركة الوطنية اليمنية، ولا قصة الثورة والجمهورية ولا قصة الوحدة، ولا قصة القديم والجديد في اليمن، ولا قصة العلاقات بين جنوب اليمن وشماله، ولا قصة الشباب والمشايخ والضباط إنها قصة من لا يزعم انه مناضل أو زعيم سياسي أو دبلوماسي. قصة مواطن عادي، وجد نفسه في قلب أحداث، لا خيار له في خوضها أو البعد عنها وتجنبها. مواطن وجد نفسه في مواقع مختلفة، فحاول أن يكون صادقا وأن يقدم خير ما في نفسه، وقد أكرمه الله فحماه من الاعتقال والسجن والتعذيب والامتهان. وقد ترددت في الكتابة لأن كثيرين لا يقرأون. والذين يقرأون يحبون أن يقرأوا ما يوافق هواهم، وإذا قرأوا شيئا آخر فليسوا على استعداد للتفكير فيه، وتفهمه والتسامح مع كاتبه".
ويقول محسن العيني في المقابلة التي أجرتها معه قناة الجزيرة بتاريخ 11/1/2003 "ذكرت أكثر من مرة في المقدمة أنني لا أقصد بهذا تاريخاً، لا للثورة اليمنية، ولا للحركة العربية". وفي الحقيقة يبدو لنا أن العيني يفعل هنا ما فعلته مديرة المدرسة التي أرادت أن تنتقد لباس إحدى تلميذاتها قائلة لها: "لا أريد أن أتدخل في طريقة لبسك التي أرى أنها من الأمور الخاصة، لكن اسمحي لي أن ألفت انتباهك إلى أن البنطلون الجينز الذي تلبسينه لا يليق بهذا المقام".
في الصفحات الأولى من الكتاب "يمر العيني مرور الكرام" على طفولته فيروي، في خمس صفحات، مولده في قرية قريبة من صنعاء في أسرة متواضعة بسيطة، وموت أمه وهو في السابعة من عمره، ثم موت أبيه وشقيقه الأكبر، وانتقاله إلى صنعاء حيث تبدأ حياته في دار الأيتام.
وبفضل تفوقه في الدراسة اختير ضمن بعثة تعليمية للدراسة في بيروت. وفي طريق سفرهم إلى هناك مروا بعدن. ويتحدث عن أيام إقامته فيها قائلاً "فوجئنا فور وصولنا بوجود الأستاذين احمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري زعيمي اليمنيين الأحرار، وقد سبق أن سمعنا عنهما وقرأنا ما يكتبانه شعرا ونثرا، تنديدا بالإمام وحكمه وظلمه ودعوتهما إلى الإصلاح واستنهاض الشعب وإيقاظه. وقد ذهبنا معهما إلى دار السينما للمرة الأولى في حياتنا وشاهدنا فيلم (عنتر وعبلة) ولم ننم بعد ذلك أياما إعجابا وذهولا".
ثم يبدأ محسن العيني في سرد بدايات التمرد على النظام الإمامي ثم تجربة السنوات الأولى للثورة اليمنية ودوره في البحث عن الدعم في الداخل والخارج. كما يرصد المرات العديدة التي عيّن فيها رئيسا للوزراء أو وزيرا للخارجية أو سفيرا. وقد أتاحت له تلك المناصب فرصة أن يرى العالم، ويشاهد تجارب مختلفة، ويلتقي بقيادات عربية وعالمية مثل عبد الناصر والملك فيصل وجواهر لال نهرو وانديرا غاندي وجون كيندي.ويتحدث العيني كذلك عن التركيبة الاجتماعية لليمن ودور القبائل وفقر البلاد، والأمية والقات....
وعلى الرغم من أن (خمسون عاما في الرمال المتحركة) يحفل بكثير من التفاصيل المتنوعة فقد رأى بعض القراء أن مذكرات محسن العيني السياسية لم تحتوي على أسرار أو تفاصيل جديدة حول اليمن، وأن أهميتها الرئيسة تكمن في أنها تقدم تاريخ الثورة اليمنية من خلال رؤية معينة. وقد ردّ محسن العيني على محاوريه خالد حروب وعلي محسن حميد أنه قد كتب "مذكراته السياسية" بإيجاز شديد. ويقول (في لقائه بقناة الجزيرة بتاريخ11/1/2003) "فأنا كتبت الكتاب بهذا الروح، أما لو توسعت فكان ممكن ألا ننتهي إلى شيء، ولهذا فكثير من القراء وكثير من الإخوان يلومونني لأنني لم أفصح عن قضايا كثيرة".
لهذا يمكننا القول إن كتاب (خمسون عاما في الرمال المتحركة)، شأنه شأن معظم المذكرات لا يركز على حياة المؤلف الخاصة، فهو رحلة عبر تاريخ اليمن السياسي الحديث بشكل عام، الذي كان للسياسي محسن العيني دور مهم فيه. ومع ذلك، إذا كان العيني قد استطاع أن يسلط الضوء على أهم منعطفات تلك الحقبة التاريخية فهو قد اكتفى بالعرض ولم يحاول في اعتقادي أن يمارس المراجعة التحليلية العميقة والنقدية (بما في ذلك الذاتية) لتجربة اليمن في بناء الدولة الحديثة. لهذا يبدو لي أن كتاب العيني يقترب من الرصد التاريخي للأحداث


د\ محسن عمشوش

الأربعاء، 16 يوليو، 2008

ندعوكم .. لمناقشة الرمال المتحركة في دار العين


دعوة


تقيم دار العين للنشر ندوة لمناقشة كتاب " أصداء خمسين عاماً في الرمال المتحركة في الفضائيات والصحافة " । لد\ محسن العيني ، والصادر عن الدار .وذلك يوم الثلاثاء الموافق 29\7\2008 بمقر الدار في "97 كورنيش النيل _ روض الفرج _عمارات اللؤلؤة بعد كوبري امبابة _ عمارة رقم 4 _ الدور الثاني " الساعة الثامنة مساءاً .
يناقش الكتاب كل من
د\ محمود عبد الفضيل
والكاتب مصطفى نبيل

.......
كلمة ظهر الغلاف
" خمسون عاماً في الرمال المتحركة " كتب باختصار شديد ، وقد أثار استفسارات وأسئلة ربما أكثر مما أعطى إجابات . وخاصة في إشارته إلى دور مصر وقواتها ودعمها لثورة اليمن ، والملابسات والتعقيدات والمؤتمرات ، وما تلقاه الملكيون من دعم من السعودية وقوى خارجية .
من هنا جاء اهتمام بعض الفضائيات وبعض الصحف بهدف استكمال وتفسير الكثير من الوقائع التي لعلها كانت موجزة أو مختصرة . وقد اخترت من كل ما أذيع ونشر ما تصورته موضحاً ومكملاً . اخترت شاهداً على العصر ، والكتاب خير جليس . وبعض ما نشرته الصحافة اليمنية ، وغيرها من الصحف العربية .
أتمني أن يكون في هذا بعض الاسهام في التعريف والتوضيح والتنوير للأسباب والظروف الموضوعية التي أملت على الشعب اليمني حتميات التغيير والوثوب إلى العصر . عبر خيار الثورة والشروع في بناء الدولة الحديثة ، على ركائز الديموقراطية والوحدة الوطنية والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان
يدير الندوة د\ فاطمة البودي

الاثنين، 14 يوليو، 2008

يحيي الطاهر عبد الله .. كما وردنا عن عبد الرحمن الأبنودي

الأعمال الكاملة ليحيي الطاهر عبد الله
الآن صادرة عن دار العين
ذات صباح شتائي منذ حوالي أربعين عاما أو أكثر دلف إلي مكتبي بمحكمة قنا الشرعية شاب نحيل الجسم جدا ضعيف البنية، قلق النظرات كأن به مسا وقال في 'عظمة'"هل أنت عبد الرحمن الأبنودي أنا يحيي الطاهر عبد الله من كرنك الأقصر،جئت للتعرف عليكما أنت وأمل دنقل" ।
يحيي الطاهر .. الذي كان عقادياً
أغلقت الدوسيهات التي أمامي ودفعت بها إلي أحد الأدراج وقلت له إذن هيا بنا حتى هذا الوقت لم أكن قد عرفت شيئا عن يحيي الطاهر عبد الله ولكني كنت أعرف عن عمه الحساني عبدالله وهو شاعر كلاسيكي ومن تلامذة العقاد ومن أتباعه وأشياعه المتطرفين في الطريق الى البيت اكتشفت أن يحيي الطاهر 'عقادي' أكثر من عمه، حين تأتي سيرة العقاد تستطيل سبابته لكي تصبح في طول ذراع وتخترق عيوننا ويتشنج وجهه الذي لم يكن ينقصه جنون، ويخرسنا جميعا ويستمر في قوة يحاورنا من طرف واحد ونحن .صامتون خوفا منه أو خوفا عليه أو إشفاقا علي جسده النحيل من تلك التشنجات القاسية.
فردأ من عائلة الأبنودي
।في ذلك اليوم أخذنا المسير الى منزل الشيخ الأبنودي ولم أكن أعلم أن يحيي الطاهر عبد الله لن يغادر هذا البيت إلا بعد ثلاث سنوات .
ينادي أمي (يا أمه) ويتعامل مع الشيخ الأبنودي كأنه والده واستولي مني علي أخوتي. وكان أينما يذهب تمشي الشجارات والمشاكل بين .أمل دنقل وأنا أن يحيي شديد النهم للقراءة وأن اطلاعاته الأدبية تفوقنا بكثير، ربما لأنه أتيح له أن يقرأ في مكتبة عمه. ولأول مرة في حياتنا نكتشف إنسانا ينتمي حقيقة الى الثقافة يدافع عن آرائه حتى الموت، بحميمية وصدق مما يدل علي أنه اتخذ الثقافة أهلا ومنهج حياة ودارا وعائلة ويتحزب تحزبا مصيريا لما يعتقده. كان قد استقال لفوره من عمله في مديرية زراعة الأقصر، فقط ليأتي إلينا، كان يعاني من مشاكل رهيبة مع زوجة أبيه التي هرب بعض أبنائها من هيمنتها الرهيبة الى الوادي الجديد وغيره وترك بقية أخوته تحت سطوتها وجاء يحتمي بنا.
بين يحيي .. وأمل دنقل
لم يكن أمل دنقل كما يعرف معظم من عرفه رقيقا مع يحيي وإنما كثيرا ما كان يترجم حبه له في شكل إثارة وشجارات ومعارك لاشك أفادتنا كثيرا إذ كانت تكشف عن مساحات رائعة في ثقافة يحيي وخيالاته الجنونية الجامحة التي لا حد لحريتها كذلك كان سلوكه 'كوارثيا' إذ كان يطبق نفس هذا الخيال الجامح علي الحياة الواقعية للبشر، وفيما بعد حين كتب القصة كان يستعمل بسطاء الناس والمغفلين والمندهشين موضوعات يكتبها بصوت عال ويمارس عليهم ألاعيبه الخارقة التي هي مزيج من العبقرية والعبث الواعي والجنون.في عام 1962 .
وحيداً في قنا
غادرت إلي القاهرة بعد أن استقلت من عملي بمحكمة قنا وتلا ذلك استقالة أمل واتجاهه إلي القاهرة مثلي وهكذا فرغ الكون حول يحيي في قنا وان كان استمر مقيما في بيت الشيخ الأبنودي عاما آخر بدوني، وقد توثقت علاقته بأهل البيت واعتبر ابنا سابعا للشيخ الأبنودي وفاطمة قنديل التي كانت تحبه شديدا وتعطف عليه شديدا ويخيل لها يوميا أنه سيموت في اليوم المقبل، فقد كان يحيي يجبد التمارض واستحلاب عواطف الآخرين وكان بارعا في ذلك ومعظم ممارساته في ذلك الشأن كانت مقصودة.
يحيي .. يصارع الغباء
كان يحيي يكره الغباء كما لا يكره شيئا آخر وكانت معاركه وصراعاته مع الأغبياء سواء أكانوا أناسا عاديين أو مثقفين أو مبدعين خائبين منطفئين فيما بعد تقلقني سواء في فترة الصعيد أو في فترة القاهرة فيما بعد حين جاء ولكني كنت أدخل معاركه الى جواره دون أن اسأل من المخطئ، فقد كنت اعتقد أن من حق العبقري يحيي الطاهر أن يفعل ما يشاء بالبشر وعليهم الاحتمال.
بعد عام جاء يحيي إلي القاهرة مصطحبا أخي كمال الذي يصغرني مباشرة واضطررت أن أغير سكني بجوار سينما اوديون لأسكن معهما في شقة حقيرة مليئة بالأسرة في بولاق الدكرور وهي الشقة التي كانت أشبه بالملكية العامة والتي كان يتردد عليها أصدقاؤه من أمثال طارق عبد الحكيم، وأحمد فؤاد نجم في ذلك الوقت إلي كمال الطويل كانت هذه الشقة أشبه بالمقهى الشعبي وحولها يحيي الطاهر الى ما يشبه سوق الثلاثاء، فكانت الأسرة تزدحم بالمشردين والغرباء من المثقفين والمبدعين وكان علي أنا أن أطعم كل هذا الجيش من الجنيهات التي أتكسبها من الأغنيات التي كنت اكتبها في ذلك الوقت حيث كان من النادر ان تجد أحدا من أبناء جيلي قادرا علي الكسب.
اسكافي المودة
كان يحيي الطاهر مدخنا بطريقة مفرطة وكنت رغم أني كنت أدخن أنا أيضا لا أطيق الدخول الى غرفته المعبأة بالدخان والتي كان ينام فيها كأنه لن يقوم أبدا.وكنا ننطلق لشراء الكتب من سور الأزبكية وتعلم يحيي الانفلات من 'سطوتي' ليبيت بعض الليلات عند بعض الأصدقاء لكنه كان دائما حبيب الأمهات جميعا وفتاهن المفضل لمعسول لسانه ولصدقه الشديد في المودة التي تحول فيما بعد إلي 'اسكافي' لها وكتب رائعته (اسكافي المودة).
الأبنودي ودنقل .. مشكلة في وجه يحيي الطاهر
حتى رحيلنا من قنا أمل دنقل وأنا لم يكن يحيي الطاهر قد كتب قصة واحدة بعد، وعلي ما يبدو فإن وجودنا بثقلنا الإبداعي في قنا كان يعوقه عن التعبير عن نفسه خاصة بعد أن 'توبناه' من التحزب للعقاد وأسهمنا في 'فتح مخه' علي الثقافة الإنسانية الرحبة دون الوقوع في حبائل أحد بالذات.وكأنه وجدها فرصة في ذلك العام الذي قضاه بمفرده في بيت الأبنودي.ليكتب رائعته الأولي 'محبوب الشمس' قصته الأولي التي نشرها ثم توالت أقاصيصه العجيبة عن عالمه الأعجب وبدأ يحيي الطاهر شيئا فشيئا يكتشف لغته الساحرة التي مازالت محط أنظار كل القصاصين الكبار والصغار وحلمهم في أن يتملوكها وقد شابهوها وقلدوها ولكن سوف تظل هذه اللغة العظيمة مرتبطة بساحرها الأعظم يحيي.
عن صعيد مصر الذي فيه يتألق
ثم بدأ اتجاهه للكتابة عن صعيد مصر فسحر العالم وقدمه يوسف إدريس في مجلة الكاتب بمقدمة ساحرة وكنت دائما أقول ليحيي الطاهر إنني محظوظ أنه لم يكن شاعرا فهو الوحيد الذي كان يمكن له ان يشكل خطرا علي إبداعي لأنه كان يغترف من نفس البئر وعاشر نفس الواقع بمخلوقاته وعلاقاته ومشاكله ومفارقاته وأساطيره لم أكن اخشي أمل دنقل فأمل لم يتجه للكتابة عن الريف أو عن قرانا وحياتنا رغم انه عاش نفس الحياة ولكنه كان يؤمن بالفصل بين الذات والموضوع سواء علي مستوي التجربة الحياتية والسلوك الشخصي।إما يحيي فكان ابنا مخلصا لتجربته مثلي تماما ووهبته قريته الكرنك القديمة حبها واحتضنته بحب وأطلعته علي اسرارها وفتحت لها صندوقها وأطلعته علي حليها الموروث وأشيائها الخاصة جدا وحين تقرأ 'جبل الشاي الأخضر'، 'العالية'، 'طاحونة الشيخ موسي' أو حتى روايته ' الطوق والأسورة' التي كتبت لها الحوار في الفيلم المعروف الذي يحمل اسمها سوف تكتشف انه ينزح من بئر لا ينضب وأن لديه من الكنوز ما لو كان القدر انتظر عليه بعض سنوات لأدهشنا أكثر مما أدهشنا।



الادوار بينهما ॥ شقيق أم أب ؟
مازلت أعود الى قصص يحيي الطاهر عبد الله كلما أردت الاتصال به ولقد كانت علاقتنا أكثر من حميمة وكان بالنسبة لي أكثر من شقيق وكانت القاهرة تتعامل معنا علي هذا الأساس بل لقد دعت غرابة محبتنا كلا للآخر الى أن تندهش القاهرة لمثل هذه العلاقة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بين أبناء الصعيد وبالذات في الغربة فيما بعد تركني يحيي ليتزوج وينجب وبدأنا نلتقي كلما وضعته الأيام في مأزق كنت دائما ألعب في حياته دور الوالد بشقيه الجانب الذي كرهه وهو جانب الناصح والمحجم والمنظم للسلوك، والجانب الحنون الذي كان يوقن أن كل ما ملكه هو ملكه في أية لحظة إذا ما احتاجه.
وأغرب ليلة عرس ..
في ليلة عرسه وزواجه من السيدة مديحة أخت الدكتور عبد المنعم تليمه اختفي يحيي ولم يأت وكنا هناك الدكاترة جابر عصفور وعبد المحسن طه بدر وسيد البحراوي والأساتذة فاروق شوشة وسليمان فياض والكثيرون।ولم يكن هناك إلا ان اجلس علي كرسي العريس بجوار العروس الى ان جاءنا في آخر الليل يصطحب طفلا فقيرا وجده ملقي مشردا تحت أحد الكباري التي ذهب عندها ليحتسي بعض زجاجات البيرة وبجهد جهيد وضعناه علي كرسي العريس وأتممنا الليلة بهرولة قبل أن يرجع في قوله.يعتبر يحيي الطاهر عبد الله أصدق من عبر عن عالم الصعيد بلا منافس في أدب شديد الحيوية متوهج الأداء خاصة اللغة وقد تكون هناك محاولات لطه حسين أو يحيي حقي لكنها لا يمكن أن تصل الى حرارة صدق التوغل والمعايشة ووحشية الأداء ورقته التي تمتع بها أخونا القاص الفذ يحيي الطاهر عبد الله، ومازلت أري أن حصوله علي جائزة الدولة التشجيعية شي ء قليل جدا بالنسبة لما يستحقه ومازلت أري أن الكثير من أبناء جيله يمارس غيرته منه حتى في موته ويسهم في إسدال ستائر التجاهل والتورية والأبعاد عن يحيي حتى لا تكتشف قيمته الحقيقية بصفته معني القصة القصيرة .
السيرة الهلالية في عهدة يحي الطاهر



يحيي في السنوات الأخيرة شديد الاهتمام بالملاحم المصرية وبدأ بالزير سالم فلما أفسدها عليه أمل دنقل في قصيدته العبقرية لم يدع مجالا لأن يستفيد منها شخص آخر في نفس الفترة، فاستعان يحيي بي في فهم السيرة الهلالية وانكب علي قراءة السيرة التونسية بلهجتها الصعبة التي جمعها عبد الرحمن قيقة من الجنوب التونسي، والتي قدم لها ونشرها الطاهر قيقة وكيل وزارة الثقافة التونسية السابق।وكما كان يحضر بعض الجلسات التي اشرح فيها لأصدقائي مواقف من السيرة واسمعهم بعض التسجيلات।إن علاقتي بأخي يحيي الطاهر أعمق بكثير من أن تحضر في كلمات يظل يحيي جرحا عاطفيا غائرا في عواطفي الصادقة وضميري وكلما تذكرته اعتصرني وجدانيا بطريقة خاصة جدا، واعتبر إنني قد فقدت جناحي طيراني حين فقدتهما أحدهما بعد الآخر: يحيي الطاهر عبد الله وأمل دنقل



...........



أخبار الأدب- 22 ابريل 2001

يحي الطاهر عبد الله ... في دار العين


يحي الطاهر عبد الله بعد خمسة وعشرين عاما من غيابه ما زالت كتاباته تواصل حضورها. كتابات يحي الطاهر عبد الله التي استطاع من خلالها أن يصف لنا بدقة، صورة كاملة لشخصيات قصصه، فهو يصور أدق تفاصيل الشخصية والاحداث المحيطة بها وسماتها الانسانية. وقد عبر يحي عن عالمه الخاص، وظرفه التاريخي وأصوله وبيئته. والان وبعد مرور سنوات طويلة علي الطبعة الثانية من أعماله الكاملة، وايمانا منا واعترافا بمكانة هذا الكاتب الفذ، فاننا نعيد اصدار ابداعات يحي الطاهر عبد الله كاملة لتتعرف الاجيال الجديدة علي مبدع متميز

الخميس، 10 يوليو، 2008

دار العين ، وجوائز الدولة التقديرية



تهنىء دار العين للنشركتابها الكبار الذين فازوا بجوائز الدولة لهذا العام وهم أ।د\ أحمد زايد ..الفائز بجائزة الدولة في العلوم الاجتماعية، وقد صدر له عن الدار " صور من الخطاب الديني المعاصر " .كما تهنىء الكاتب أسامة أنور عكاشة ، على حصوله على جائزةالدولة التقديرية للفنون ، ويذكر أنه قد صدر للكاتب عن دار العين للنشر ، رواية " سوناتا لتشرين " والتي يعود بها إلى الأدب مرة أخرى بعد انقطاعه للكتابة التلفزيونية .
ولا ننسى أن نهنىء أ.د\ حامد عمار ، لحصوله على جائزة مبارك جائزة مبارك في العلوم الاجتماعية
.تجدر الإشارة إلى أن هذا الاحتفاء بهؤلاء الكتاب الكبار ، يؤكد يوماً بعد يوم ، جدارة دار العين ، لالتزامها بالتوجهات الاستراتيجية التي تبنتها من البداية وهي
_ دعوة الكتاب المتميزين المشهود لهم بأصالة الفكر وبراعة التناول.
- الدقة المتناهية في انتقاء محتوى الإصدارات بحيث تلبي حاجة القارئ العربي المعاصر وتواجه أهم الأسئلة التي تطرحها جهود تنمية الفرد والمجتمع. مع ضرورة ربط هذا الفكر بواقعه
دار العين تهنىء الكتاب الكبار مرة أخرى ، الذين قدموا فنهم وفكرهم ، لرصد أحوال مجتمعهم ، والمساهمة في الارتقاء بذوق وعقل الانسانا العربي المعاصر .

حواديييييت الآخر


اقرأ ما كتب عن حواديت الآخر ، هنا في حوار في أخبار الادب،وهنا قصة من المجموعة .

د\ مصطفى الفقي يناقش " الدوائر الثلاث" لد\ حسن حنفي

د\ حسن حنفي
_ يجب أن يكون لمصر دور في تدريب المقاومة الفلسطينية
_ اسرائيل الآن أخذت دور مصر ، وهي التي تطبق نظرية الدوائر الثلاث
د\ مصطفى الفقي
_ لا الإسلام ولا المسيحية هما الحل ॥الليبرالية الاجتماعية هي الحل
_ في لبنان يثقون بمصر لأنه ليست لها أجندة خاصة
عقدت دار العين ندوة لمناقشة كتاب " الدوائر الثلاث " للدكتور حسن حنفي ، والصادر عن الدار .
أدرات الندوة دكتورة فاطمة البودي رئيس مجلس إدارة الدار . بدأ المناقشة د\ حسني حنفي ، الذي بدأ يستعرض الملابسات التي دفعته لكتابة الكتاب ؛ فهو من جيل الستينات ؛ الجيل الذي حلم بمقاومة الاحتلال والتخلف والملكية ، والذي هتف وراء المبادىء الستة لثورة 1952 . إلى أن حدث شيء ما جعل مصر تهتز من جديد .
ويوضح د\ حنفي، أن هذا الحدث لم يكن هزيمة 1967 لأنه كانت هناك حرب استنزاف ، ومناوشات مستمرة ومظاهرات في 1971 ، أي لم تصل الأوضاع إلى التدهور الكامل ، ولكن الذي حدث ، كان بعد 1975 مع ظهور قوانين الاستثمار الجديدة ، ومع موجة الانفتاح ، رغم أنه في يناير 1977 عرفنا أن الناس ما زالت ناصرية ، وأن العمال ما زالوا يحلمون بالحقوق التي جلبتها لهم الثورة ، وحدثت الطامة الكبري في 1981 ، حيث استمر الانهيار وبدأ ميزان الأمن القومي يميل إلى الاختلال ، وبعدت مصر عن القضايا القومية ، حتي أنها نأت بنفسها عن السودان والنيل وكأن هذا لا يعنيها .
ويعلق د\ حنفى ، على تسمية الدوائر الثلاث ، فيقول أنه قد تعرف عليها وهو في الجامعة من الإخوان المسلمين حيث الدائرةالأولى هي مصر ، والثانية هي الوطن العربي ، والثالثة الوطن الاسلامي، ويذكر أن هذا التمثيل قد استخدمه عبد الناصر أيضاً ليعبر عن مركزية مصر .
وجزئي الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي كان قد كتبها لمجموعة من الصحف عن نفس الموضوع ، فالجزء الأول يتحدث عن مصر وكيف تحولت الثورة لثورة مضادة .ومالذي تعنيه ثورة التصحيح في 15 مايو ، وماذا يعني ترك السلطة في يد شخص واحد .وهي كلها إجابات تدور حول السؤال الذي يسأله المصريون جميعاً : مالذي يحدث في مصر ؟ ما الذي حدث للمصريين ؟
دور مصر في الوطن العربي
فهل كان أحد يصدق حوادث غرق العبارات ، ومواقف الأحزاب الضعيفة ، وحتى تدهور حال الجامعات ، ولا أحد يدري الآن من أين ستأتي القوة المغيرة ، من العمال ، أم من التنظيمات المدنية ، أم من الثقافة السياسية وطريقتنا في التفكير ، فلا أحد يتكهن بما سيحدث بعد عشر سنوات . وهناك سؤال آخر يتعلق بدور مصر في الوطن العربي . وهذا الدور لا يتحقق بالضرورة عن طريق نظرية الدولة القاعدة . فدور مصرلا يتحدد بحدودها في الشرق السعودية وفي الشمال بلاد الشام ، وفي الجنوب السودان ، وفي الغربي ليبيا . ولكن دور مصر ممتد فهناك طلاب من ماليزيا وأندونيسيا يدرسون في جامعات مصر وكأنها منارة العالم . وعندما أذهب لاحدي دول شرق آسيا فإنهم يتبركون بي لأنني مجاور للأزهر الشريف .
الآن الوضع أصبح مقلوباً ، فاسرائيل هي التي تطبق نظرية الدوائر الثلاث . فهي المركز حولها الوطن العربي ، حوله الدول الافريقية والآسيوية . ويذكر مقولة لجونسون يسأل فيها " جولدا مائير " : " تريدين أن أدافع عن حدودوك ، فأريني أين هي حدودك ؟ " . إذن فهذا السؤال مطروح بقوة ، أين مسؤولية مصر في الوطن العربي ؟ . فأقل ما يجب عمله للمقاومة الفلسطينية وهو تدريب الشرطة هناك ، ليس موجود في الخطة .
فلو استطاعت مصر أن تنظر نظرة ثاقبة للحظة التاريخية الراهنة ، وأن تحافظ على أطرافها من التآكل فلا تذهب سيناء لصالح اسرائيل ولا تستقل النوبة بنفسها ، وإذا استطاعت بناء العلاقات من جديد مع الوطن العربي والاسلامي ، وقتها يمكنها استعادة مركزيتها للدوائر الثلاث ।
د\ مصطفى الفقي : دور مصر انحدر بقرار ارادي
وبهذا التمني ، نقلت د\ فاطمة دفة الحديث للدكتور مصطفى الغقي ، الذي بدأ حديثه بالثناء على د\ حسن حنفي ، ووصفه بأنه سبيكة خاصة ، فهو دارس جيد للتاريخين العربي والاسلامي ، بجانب اطلاعه على الفنون الأوروبية ، بجانب اهتماماته الفلسفية الأخرى . وتعليقاُ على الكتاب يقول " لاحظت أن الكتاب مسيطر عليه فكرة تراجع الدور وحالة التردي . وهذا شيء أُشرب للمصريين في العقود الماضية ، ويجب أن نحاول تغييره ، فأنت إذا كان عندك طفل وظللت تردد على مسامعه بشكل دائم أنه طفل فاشل ، فسوف يفشل بالتأكيد .
ويؤكد د\ الفقي على أن دور مصر لم ينتهي ، ولكنه انحدر بقرار إرادي فالأدوات للوصول مرة أخرى إلى المركزية لم تضع ، فمصر مازلت مستودع الخزانة البشرية .
المفكرين والاطباء والكفاءات । وباستطاعتها استعادة الدور إذا أردات .
ويضرب مثالاً على ذلك । بأنه في يوم حشدت سوريا جنودها على الحدود لشن هجوم على تركيا । فذهب الرئيس المصري في 6 أكتوبر 1996 ، لتركيا لتهدئة الموقف فقال له رئيسها "أرجوك لاتتحدث إنني أعرفهم أكثر منك " فرد عليه مبارك " وماذا لو جئتك بعهد منهم " . فسأله وأنت الضامن ؟ ورد عليه الرئيس المصري بالايجاب . وهكذا تم نزع فتيل حرب مستعرة ، لم تكن لتصبح أقل من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي .
ويضرب مثالاً آخر ويقول " ذهبت للبنان منذ شهرين ، والتقيت بالزعامات اللبنانية هناك جميعها ؛ السنيورة وجنبلاط وبري وسليمان। وعلى مسمع من الجميع قال لي بري " أرجو أن تعرف أنه عندما طار سليمان إلى مصر ، اعتمدناه رئيساً للجمهورية لأننا نعرف أم مصر ليست لها أجندة خاصة ، وأن من ترضى به مصر فأكيد هو خير .
وينتقل للحديث عن أهم مشكلتين حاليتين في مصر ويقول " أولهما : تداخل الدين والسياسة । وما من مرة اختلط الدين بالسياسة إلا وحدثت مشكلة । وهي تشبه وضعك الزيت على النار ، فالدين مطلق فعندما تتناقش مع فرد في لماذا هو مسلم أو مسيحي ، فالنقاش هنا لا يجدي । أما السياسة ففيها المناورة والكذب والنفاق والخديعة ؛ إذن فهي نسبية । ولا يصح أن تضع المطلق مع النسبي । وعن المشكلة الثانية يقول أنها هي " امتزاج السلطة بالثروة ، فإذا كان تداخل الدين بالسياسة يولد عنف وتطرف ، فإن تداخل السلطة بالثروة يولد فساد । وأؤكد أن حل المشكلة الثانية أسهل
فالقضاء على الفساد لا يتطلب أكثر من بضع سنوات . أما القضاء على التطرف يأخذ عقوداً وعقوداً .

وينهي الفقي حديثه بأن مصر تصورت ببعدها عن الوطن العربي والإسلامي واكتفائها بنفسها ونأيها عن فتح علاقات مع تركيا وايران ، أن هذا فيه الخير لها । ولكنها بهذا حكمت على هذا الكيان بالإعدام .
مناقشة د\ عصام عبد الله ॥ وحديث عن السيناريوهات الأمريكية في المنطقة
وعندها بدأ د\ عصام عبد الله حديثه ، فأثنى على كتاب د\ حنفي ، ووصفه بأنه يتحدث عن المستقبل ويستشرفه رغم أنه يغطي فترة كبيرة من تاريخ مصر تصل لقرنين من الزمان . وقال أنه مع احتفال مصر بمرور قرنين ، في 2005 ، نجح 88 فرد من الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب ، والتي كانت نزيهة . وبالتالي أثير السؤال حول طبيعة الدولة المصرية وعلاقتها بالديموقراطية . فهل هي دولة مدنية ، وما علاقة السياسة بالدين فيها ؟
ويستطرد د\ عصام ، ويقول أنه في الاجتماع التاسع للحزب الوطني ، أكد الرئيس مبارك أن مصر دولة مدنية وأنه مع التعدديةالسياسية . وهي نفس أفكار العلمانيين ونفس الكلام الذي يجىء على لسان مهدي عاكف مرشد الإخوان .
فالدولة المدنية هي التي تقوم على الديموقراطية ولكن ليس أي نوع من الديموقراطية ولكنها الديموقراطية الليبرالية . وهي دولة دستورية ، وفيها فصل بين السلطات ولذا فهي علمانية بالضرورة وليست دينية . وعليه ، فإن نظرية الوائر الثلاث للدكتور حنفي ، تختلف تماماً عن هذا الوضع الجديد . فهل مصر كدولة مدنية تستطيع أن تلعب هذا الدور ؟ وهل مازالت هذه الدوائر الثلاث على حالها ؟ .
ويستعرض ثلاثة سيناريوهات مطروحة ، من قبل الولايات المتحدة الامركية لهذه المنطقة العربية وهي السيناريو الأول:اعادة تقسيم حدود المنطقة .السيناريو الثاني :الانصهار القسري لموطني هذه المنطقة من أقليات وماشابه ، إما بالابادة أو بالتهجير . أما السيناريو الثالث : فهو دمقرطة المؤسسات فيها . وهو أبعدهما عن التحقيق .
وما يدعن هذه السيناريوهات الثلاثة خمسة خصائص للنظام العالمي الجديد وهي أولاً : ظهور فكرة التكامل ، ويأتي الاتحاد الأوروبي كمثال لها . ثانياً : ظهور فكرة العنف الدولي ، وعودة الإرهاب ثالثاً : ظهور النمظمات العابرة للقارات . رابعا : تصاعد فكرة حقوق الإنسان مرة أخرىخامساً : انتشار فكرة السوق العالمية .
وبهذا أنهي د\ عصام حديثه ، لتختم د\ فاطمة البودي الندوة ، بشكرها لدكتور حسن حنفي على هذا الكتاب القيم ، فمصر الآن في مرحلة فاصلة ، وفي أمس الاحتياج ، لهذه النوعية من الكتب من مفكريها الكبار التي توضح لها معالم الفترة الراهنة وحقيقة وضعها ، لتتمكن من استعادة دورها ومكانتها مرة أخرى .

مناقشة ندوة يوميات صيدلانية .. بدار العين للنشر

علاء الأسواني في ندوة يوميات صيدلانية :

_ لقن لنا صغاراً أن الشعب المصري لا يعترض ... وها أنا أري مصر الآن في حراك شامل

_ مصر انقسمت مصرين ..وقررت أحدهما ألا ترى الأخرى

_ مش شغلتي إني أقلد أستاذي الأمريكاني

_ بره ما يتخيلوش إنا عندنا 2مليون ساكنين في القبور

........

عقدت دار العين ندوة لمناقشة وتوقيع كتاب " يوميات صيدلانية " للدكتورة كريمة الحفناوي والصادر عن الدار । أدارت الندوة د\فاطمة البودي رئيس مجلس إدارة الدار ، وناقش الكتاب د\علاء الأسواني وهو بالمناسبة أيضاً صاحب تقديم الكتاب .
بدأت الندوة بنعي من دار العين للدكتور عبد الوهاب المسيري والذي توفى في نفس اليوم

علاء الأسواني ... يتحدث عن سر عدم الانفصال

بدأ المناقشة د\ علاء الأسواني بالحديث عن دار العين للنشر ووصفها بأنها نافذة حقيقية للثقافة المصرية وقال أنه على الرغم مما لقن لنا صغاراً عن أن الشعب المصري لا يعترض فإن مصر الآن في حالة حراك شامل ، ومن ضمن هذا الحراك ، وجود دار نشر مهتمة بالثقافة وحريصة على فتح نوافذ وآفاق جديدة ، وهذا شيء يبعث على التفاؤلوتطرق للحديث عن الكتاب ، وقال أنه لا يمكن مناقشة الكتاب دون الخوض في تفاصيل حياة د\ كريمة نفسها حيث أنها صنعت نوع من الكتابة قائم على السيرة الذاتية.
وأو ضح الأسواني أن سرها يكمن في عدم الانفصال بين ما عاشته وبين الكتابة فهي شخصية وطنية وقائدة للحركة الطلابية ومن المؤسسين لحركة كفاية ، ومع ذلك فإنها مثل أي سيدة إذا فتح الكلام عن أكلة جديدة فإنها تدلي بدلوها .
انتقل الأسواني لتنويعة أخرى على نفس الموضوع ، حيث أن د\ كريمة خريجة كل صيدلة وهي من كليات القمة والتي تجعل من الملتحقين بها قريبين جداً من الثراء . وعندما يدخل الفرد إحدى هذا الكليات فإن اختياراته تكون محددة مثل أن يفتح صيدلة في أحياء راقية مثل المهندسين أو الزمالك أو يحقق ثراء واسع وهكذا . ولكن هناك استثناءات قليلة ، مثل صاحبة المجموعة ، فبعد تخرجها اختارت أن تفتح صيدلة في ريف مصر ، وهنا نرجع لمفتاح عدم الانفصال ، فهي مقتنعة بالفكر الاشتركي ولهذا ذهبت لمن يحتاج الصيدلية وليس من هم متخمون بالصيدليات مثل الأحياء الراقية .
ويستشهد الأسواني بجملة قيلت عن جيفارا وهي أن " عظمة هذا الرجل تكمن في أنه يقول ما يعتقده ويفعل ما يقوله " . وهذا ما فعلته د\ كريمة والتي قدمت الريف المصري كما هو ، وبشكل بعيد كل البعد عن النمطية التي صدرتها لنا المسلسلات التلفزيونية عن الفلاح المصري .
وفي مقولة جريئة يقول الأسواني أن مصر انقسمت لمصرين ؛ فهناك مصر اللامعة التي لم تعد ترى مصر الآخرى ، فهي انشغلت فترة بها ثم قررت في وقت ما ألا تراها . وهناك مصر الآخرى وهي الحقيقية ، ولكنها " غطسانة " .
ويستشهد ببحث لأحد المفكرين يقول فيه أن " هناك 14_ 20 % من الناس Visible و ال75% الآخرون في الظلام الدامس يظهرون فقط عند المشكلان كأن يتجمهروا في مظاهرة للاعتراض على انقطاع المياه عن بلدتهم أو للاعتصام ضد اخلائهم قسراً من منازلهم . وعلقت الدكتورة فاطمة بأن هذا الجانب من مصر هو مصر " المفروسة " .
ويتحدث الأسواني عن المشاكل التي واجهت د\ كريمة في القرية التي فتحت صيدليتها فيها ، فأولا هي "ست " ليست من القرية ، وثانياً هي امرأة وثالثاً القرية هي مجتمع مغلق صنع على أكاذيبه وتعارف على مستويات النفاق فيه . وهنا يأتي السؤال ، كيف تعاملت مع الفلاحين المعاديين لفكرة " الست الدكتورة " ؟والتي تعني في فكر الفلاح إما محبة لها أو مسافة وبعد عنها ।

فكرة ابن المدينة ॥ من توفيق الحكيم وحتي كريمة الحفناوي
وقال الأسواني بأن فكرة ابن المدينة عندما يذهب للريف " حاضرة في الأدب المصري مثل رواية توفيق الحكيم " يوميات نائب في الأرياف ، ولكن براعتها تكمن في عدم تقمصها دور الخواجية التي تتأفف من بعض مظاهر عدم الرقى في القرية ولكنها انغمست في حياتهم الطبيعية كأي فرد فيهم .
وبعد ذلك ، نقلت د\ فاطمة دفة الحديث للدكتورة كريمة التي قالت عن سبب كتابتها للمجموعة ، بأنها وهي في الجامعة كانت مشبعة بالفكر الثوري والكلام الحنجوري ، وإذا بها تذهب لقرية مصرية ، مجرد مفردات كلامها العادي لا تفهمه مما شكل صعوبة عليها في كسب الثقة ، خصوصا وأنه من الصعب كسب ثقة الفلاح المصري .
وأضافت د\ كريمة أنه من معايشتها للناس في الريف وجدت انفصالاً بين النظريات جميعها سوار اشتركية أو رأسمالية وبين الواقع .
وبعد أن أنهت د\ كريمة كلمتها ، دعت د\ فاطمة البودي مديرة الندوة الأستاذ عبد الحليم قنديل ليحكي ذكرياته مع اليوميات ومع صاحبتها । وبدأ أ\ قنديل حديثه بأن أول ما لفت نظره في د\ كريمة هو تلقائيتها ، وأن سر اليوميات يكمن في أن د\ كريمة عندما تعاملت مع الناس لم يكن هدفها تجنيدهم في منظمة ولكن لأنها تحبهم حقيقة .وتطرق الحديث لمشكلة المثقفين المناضلين عن أنهم لا يعرفون المجتمع الذي يتحدثون باسمه ، وأن هذه اليوميات هي نموذج لمعرفة المجتمع . ف د\ كريمة عندها قدرة على عبور التفاصيل وكذلك التواصل وهذه موهبة وقدرة خارقة ، وأضاف بأنه لا يهتم بتصنيف هذا العمل ، فكريمة استطاعت أن تتفاعل مع هؤلاء الناس لأنها تحيبهم .

مناقشة ساخنة من الحضور
وعند هذه النقطة فتحت د\ فاطمة البودي باب المناقشة ، والتي بدأها أحد الحاضرين بثنائه على المجموعة .و هنا علقت د\ كريمة بأنها كتبت العديد من المقالات ولكنها لم تتطرق لهذا السنوات وهي مهمة جداً .فهي راحت القرية عام 1979 وكان هناك بعض الناس بدأوا يجيبوا تلفزيون ، وبدأت الإعلانات التي كانت تداعب مشاعر الناس ، فكان أحد النجوم السينمائيين يضع كريم على شعره ليتصور الفلاحون أن هذا ما سيجعلهم نجوم . وذكرت أيضاً أنه كان هناك منتج شهير جداً اسمه "نيفيا" في علبة زرقاء ، ليأتي إليها رجل فقير جداً ويطلب هذه العلبة الزرقاء .
و توجهت أ\ عزة حسين ا بسؤال لد\ علاء الأسواني عن محاكمة الوسط الثقافي لجمهور السير الذاتية ؟ وأنه بعد ازدهار الكتابة الأنثوية وعندما تكتب روائية سيرتها الذاتية فهل ستكون صادقة ؟ وما توقعاته لمستقبل فن السير الذاتية ؟
وفي رد مطول على سؤالها قال الأسواني أن " النقطة العامة هي الخلط ما بين المؤلف والراوي وأحيانا المؤلف والاحداث وأنا شخصياً عانيت من هذا النقطة في رواية كتبتها بضمير المتكلم لشاب ناقم جدا على بلده ، فلم أستطع نشرها لمدة 10 سنوات " .وقد كان هناك لجنة قراءة في الهيئة مشكلين من موظفين لا علاقة لهم بالقراءة ، فحصل أن استخدمت ضمير المتكلم لبطل ناقم على بلده ويشتم مصطفى كامل في أول صفحة . ولقد أدى هذا التخوف إلى أن السير الذاتية عادة ما تكون محافظة ونابعة من فكرة التحرر الكاثوليكي .
إذا عرفنا الرواية بأنها حياة على الروق ، تشبه حياتنا اليومية لكنها أكثر عمقاً ، فهناك أديب قادر على كتابة رواية بهذه المواصفات وأديب آخر مثل الدكتورة كريمة قادرة على حفظ الهام وحذف ماهو معدوم الدلالات . هناك فرق شاسع بين الفن و بين العلوم الطبيعية ، فأنا كطبيب تعلم في أمريكا ، شغلتي هي أن " أقلد أستاذي الأمريكاني " . الفن يختلف عن ذلك ، فلا يجب أن أقلد أحد . فهناك الكثير من النقاد اعتبروا أن كل ما يصدر في فرنسا هو الجيد والواجب المنزلي . ولكن على العكس من ذلك ، فالتقدم التقني لا يعني تقدماً أدبياً ، والدليل على ذلك روسيا القيصرية ، أمريكا اللاتينية . فالأدب في الغرب يترنح ولا يمكن قياس التطور الديموقراطي على أنه تطوراً فنياً .
لا يجوز أن نقول عن الأدب الذي يكتب هنا أنه يجب أن يحاكي هناك . كتابات الجسد مثلاً هي نوع من الاحتجاجات ،و نحن ليس لنا علاقة بهذا ،فنحن لدينا مشكلات كبرى ، هم لا يتخيلون أننا لدينا 2 مليون ساكنين في القبور . يجب أن يعبر أدبنا عنا .
وعن موضوع الأيديولوجية والادب ، يقول الأسواني أن " أن الأدب الجيد قصته الحقيقية الإنسان ، طالما عملت أدب جيد أنت في معسكر المدافعين عن الإنسان " . وهناك عبارة لماركيز تقول : الموضوع الجيد لا يصنع رواية جيدة ، ولكن الرواية الجيدة هي التي تقدم موضوع جيد حتى إذا كان قصة حب عظيمة . وعندما هوجم ماركيز بأنه لا يبرز التزام قال بأنه يرى أن الواجب الأول للكاتب الثوري هو أن يكتب رواية جيدة " .
.وانتهت الندوة بشكر الحاضرين ، وإشادة الجميع بدور دار العين للنشر في خلق زخم ثقافي يساهم في حراك المجتمع المصري