السبت، 31 يناير، 2009

مجتزأ .. من " الأرملة تكتب الخطابات سرًا"


الحلم لا يختلف كثيرا عما تفعله الأرملةُ المسنة .. فقبل ثلاث سنوات اتخذت مهنتها المعلنة كمدرسةٍ للغة العربية شكلاً آخر .. منح حياتها رعشة كانت بحاجة إليها ، كما منح يدها الفرصة لتعبِّر عن بلاغتها القديمة التي لم تسنح لها الفرصة من قبل للتعبير عنها .
في وقت متأخر جداً من حياتها ، اكتشفت ما يتعين عليها فعله حقيقةً في هذه الدنيا : أن تكتب خطابات غرامية ملتهبة لمُراهقات المدينة .. ليرسلنها إلى المُحبين ، مشفوعةً بأمنياتها الصادقة بحسن الطالع .
" بعد أن أستمع إلى حكاية كل واحدة ، و أحدد ـ بدقة ـ ما الذي عليها أن تكتبه .. و الأسلوب الملائم لشخصيتها و للشخص الذي تحبه ..سأشرع في كتابة الخطابات أولاً بخطي المنمق الجميل ، ثم أعطيها للفتيات ليُعِدن كتابتها بخطهن ".
هذا ما قالته الأرملة لنفسها . فكرت أن هذه المهنة تشبه ـ إلى حد بعيد ـ مهنتها كمدرسة ، مع فارق واحد يجعلها أمتع ..أنها هذه المرة في الخفاء .
بطريقة تفكير عملية بدأت تحصي الأشياء القليلة التي كانت لا تزال تربطها بالحياة : أنفاسها ، و صَفَّيْ أسنان مكتملين ناصعي البياض ، و يداً لا تزال تعمل .
كانت في نظر الجيران مجرد امرأة تنتظر الموت ، ترتدي على الدوام فساتين حداد سوداء ، لا تخلو من زهور لم تكن مرئية ـ رغم أنها مطرزةٌ بعناية ودقة ـ ذلك أن الزهور كانت سوداء أيضاً . لم يكن يخطر على بال أحد أن مثل هذه المرأة لا تزال تحتفظ بقلب مراهقةٍ تتهيأ للحب .. و لم يلحظ أحد أنها على الرغم من جسدها الشائخ ، فإن شفتيها كانتا لا تزالان مشدودتين .
كانت تعمل في رتابة ، مع مجموعات البنات غير المنتهية و التي أثارت حسد الجيران ، و في المساء تفتح الكراريس لتتسلى بتقييم تلميذاتها الصغيرات. ذات ليلة، وجدت خطاباً نائماً في كراسة فتاة . قرأته مندهشة ، و رغم ذلك أزعجتها ركاكته و عباراته غير المعبرة . كانت ملك امرأة لا تتهاون أبداً مع جمال الأسلوب و رصانته. لكي تتسلى ، بدأت تكتبه بالطريقة التي وجدتها مثالية ، محافظةً على المعاني الماثلة فيه. استغرق ذلك وقتاً ليس بالقليل .. و لكنها شعرت بمتعة سوداء. و نامت لأول مرة دون أن تنهي تصحيح الكراسات .
في الصباح التالي استيقظت ممتلئةً بما حدث. خرجت إلى البلكونة ، كان الصباح مظلما كأنه الليل . رأت أسراب فتيات في ملابس كحلية و بيضاء ، يتضاحكن ، و على شعورهن أحجبة مرتجلة . تحسست شعرها المطلق بقدر من الخجل .
قالت : بعضهن يحملن تلك التليفونات الصغيرة ، يتحدثن في أي وقت ، و يكتبن الرسائل أيضاً . أصابها حديثها ذاك لنفسها بشيء من الإحباط ، و لكنها عادت : ليس هناك ما يعوض خطابا كتبته يدك تلك ، وفردت كف يدها اليمنى أمامها في الشبورة الصباحية، فلم تر سوى بريق الخاتم الذهبي الغليظ. قربتها قليلا ، ورأتها مزرقة وشاحبة كأنها سبقت جسدها إلى الموت. غالبت الحسرة قائلة : هل تستطيع واحدة من هؤلاء أن تكتب ثلاث أو أربع ورقات على هذه الشاشة البخيلة ؟ إنها تصلح فقط للاتفاق على موعد أو لتوضيح موقف عابر. هؤلاء الفتيات بحاجة لمساعدة.. و لعلهن يفعلن ذلك بالفعل . داخل هذه الحقائب تنام أشواقهن .
قالت لنفسها : لقد كنت أرى أشياء مثل تلك في شبابي.. في فصول البنات ، عندما ألمح خطابات غرامية في الكراريس ، و في طيات الحقائب المدرسية .. غير أنني كنت قاسية للغاية . كنت أعاقبهن أو على أفضل تقدير أطالبهن بالاقلاع عن ذلك . رغم أنني كنت أتبادل خطابات لا تقل سذاجة مع شاب ! . لقد أحبطت آمال كثيرات بتمزيق أوراقهن و باستدعاء الآباء ، و لو فعلت ذلك الآن ، فسيكون تكفيراً غريباً مع حفيدات هؤلاء الطالبات بالذات ! .
غابت في وجل غامض ، و امتلأت عيناها الواسعتان بالدموع : كثيرات منهن عشن مع رجال لم يكن يحببهن .. و رغم أن القدر هو من يتسبب في ذلك .. إلا أنني ساعدته بكل الطرق ! .
في هذه اللحظة فقط تجرأت، و قررت أن تفض الحقيبة الصغيرة التي لم تفتحها منذ سنوات طويلة ، منذ تزوجت .
استبقت الفتاة بعد أن أنهت الحصة التالية ، ووبختها ، و لكنها كافأتها سراً .. فقد كان خطابها النموذجي نائماً في كراستها . أدركت الفتاة ذلك الجميل الأمومي ، و استمرت في فعلتها مانحة الأرملة الفرصة التي كانت تموت من أجلها. و لم ينقض وقت طويل حتى كانت العدوى السرية تنتقل لكراسات أخرى ، و التواطؤ الخفي يتخذ ــ يوماً بعد آخر ــ شكل اتفاق معلن .
ظهرت الشمس في اليوم التالي ، و جف الخطاب.
عندما اقتربت منه تأكدت أنه تحول إلى حطام .. و لكنها بمجرد أن أمسكت به و قربته من عينيها ارتعدت و كادت تقع .
ماالذي حدث ؟ لقد ظنت ملك أن ماتفعله منذ سنوات سيكون سرها الأخير الذي يجب أن تحافظ عليه إلى أن تغادر العالم . الآن هناك هذا الخطاب الذي باغتها هذا الصباح ، فقط ليوقظ الذكرى .
من أرسله ؟ و لماذا فعل ذلك ؟ . كانت الأسئلة تقتل ملك . و كان سؤال آخر يسيطر عليها منذ عادت للمدينة : أين هذا الحبيب ؟ . فتشت عنه في كل ركن ، وسألت كل من يمكن أن تسأله . و لكن أحدا لم يجبها .. كأنه تبخر.
جاء الخطاب ليكمل ماضيها فجأة ، و ليجعلها تتأمل من جديد خطاباتها القديمة بعين أخرى. كانت مدينة لمهنتها الجديدة بإخراج هذه الخطابات من حقيبة اليد المهملة، والتي ظلت دائما نائمة في عتمة دولاب زواجها .
عندما بدأت عملها ، و لكي لا تقع في أخطائها القديمة ، أخرجت كل خطابات غرامها المفقود و أعادت قراءتها . كاد الحنين أن يهزمها ، بينما تستنشق رائحة الخسارات التي غادرت الحقيبة المهترئة لتغمر غرفة نومها ..و لكنها قاومته بالنظرة الصارمة لامرأة ستحدد مصير أخريات .
بعد دقائق كانت الخطابات تفترش الملاءة ، بكل تراب السنوات التي علقت بتجاعيد الوريقات المسطرة .هالها ما وجدته في الخطابات من سذاجة وقلة حيلة وافتقاد لأبسط مباديء الحكمة و حسن التصرف .. و حمدت الله أن حبيبها الأول ـ والوحيد في الحقيقة ـ أعادها لها عند الفراق كنوع من الشرف .. كما حمدت الله أنها لم تحرقها انتقاماً من قلبها ، و احتفظت بها دائماً كعبء حقيقي كان هو المسئولية الوحيدة التي نجحت في تحملها بامتداد عمر عامر بالإخفاقات .اكتفت دائماً بقراءتها كطقسٍ سري أثناء زواجها من رجل لم تحبه أبداً ـ و لم تكرهه أيضاً ـ و هو ، من وجهة نظرها ، الأسوأ . لذا ، قررت أن تكون أول نصيحة تهديها لفتاة هي : " إذا فشلتِ في الزواج من رجل تحبيه ॥ تزوجي من رجل تكرهيه .. لكن إياك و الزواج من رجل لا تحملين له مشاعر خاصة .. لأن يوماً سيأتي عليك لتكتشفي أنك لاتملكين في حياتك ما يصلح للتذكر " .
.........
مجتزأ من رواية " الأرملة تكتب الخطابات سرًا"
طارق إمام
صادرة حديثًا عن العين للنشر
يناير 2009

وأخيرًا .... ظهرت أرملة طارق إمام


قررتأن تكون أول نصيحة تهديها لفتاة هي : " إذا فشلتِ في الزواج من رجل تحبيه .. تزوجي من رجل تكرهيه .. لكن إياك و الزواج من رجل لا تحملين له مشاعر خاصة .. لأن يوماً سيأتي عليك لتكتشفي أنك لاتملكين في حياتك ما يصلح للتذكر " .

طارق إمام _ الأرملة تكتب الخطابات سرًا


صدر حديثًا عن دار العين للنشر رواية " الأرملة تكتب الخطابات سرًا" لطارق إمام . وستكون الرواية متوافرة في معرض القاهرة للكتاب يوم2 فبراير 2009 ، في جناح العين للنشر في سراي ألمانيا "ب".
و طارق إمام هو روائي مصري يجمع بين كتابته الابداعية وبين الكتابات النقدية التي يتميز فيها ، بحس مبدع منتج معايش للحالة الابداعية .صدرت له من قبل روايات " شريعة القطة" و"هدوء القتلة".
يمكنكم قراءة مقطع من الرواية هنا.


الثلاثاء، 27 يناير، 2009

عندما قرأ الكندري .. من وحي حماقته

أقامت دار العين أول حفل قراءة شعرية لها ، بعد مراس طويل مع مع الندوات ومع صالون العين الثقافي ، وذلك يوم 25 يناير 2009 في مقر الدار بالكورنيش ، وكان الحفل الأول من نصيب الشاعر الكويتي ابراهيم الكندري ، وذلك احتفالًا بصدور ديوانه الجديد " من وحي الحماقة" عن دار العين للنشر.
في البداية وصفت د.فاطمة ديوان الكندري ، بأنه خلجات ومشاعر تفضل سيعتبرونه شعرًا أم لا.أن تطلق عليها لفظ "بوح"، فابراهيم يشجينا ويشاركنا البوح بما خطته ريشته.
أما الكندري فشكر د.فاطمة على ايمانها بالعمل ولأنها كانت أحد أسباب رؤيته للنور ، كما شكر د.مختار أبو غالي الذي بدد الهاجس الذي انتابه حول مدي تقبل الجمهور له .
..
قرأ الكندري ..من شعره ... ولكنه لم يخلق الحالة بمفرده ، فقد ساعدته الموسيقى الصوفية الراقية التي كانت تصدح بصوت ناعم من جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به ، في اعطاء فن الالقاء بعد آخر تتكامل فيه الم
شاعر الفطرية الغير ملموسة الناتجة عن سماع موسيقى راقية ، والمشاعر الشقيقة لها الناتجة عن الشعر.
قرأ الكندري الديوان بالكامل . وشهد تصفيق الحضور أكثر من مرة .
من جانبه علق د.مختار أبو غالي ، أن "البوح" الذي أفاض به ابراهيم ، يمكن ادراجه تحت تصنيف قصيدة النثر . وأضاف بأن الالقاء جزء من
الشاعرية . فمثلًا الكل يتذكر المعركة حامية الوطيس التي كانت دائرة بين أحمد شوقي وحافظ ابراهيم . كان شوقي "أشعر" من ابراهيم ولكن حافظ كان يجيد الالقاء أكثر من شوقي.ولذلك كان شوقي يشترط على كل الندوات التي تدعوه للحضور والقاء شعره ؛عدم تواجد حافظ ابراهيم لأنه يعرف أنه لن يقدر على منافسته في الالقاء.
أما د.فاطمة فعلقت على القراءة بأنها وهي تقرأ وصلت لها أحاسيس معينة ، ولكن عندما سمعت بأذنها ابراهيم وهو يقرأ فقد "جلي" ما خفي عليها من معاني بعض الجمل. وأضافت أنها تزعم أن الكندري خلق موسيقى خاصة بشعره فعنده ايقاع يعنف أحيانًا ويذوب رقة أحيانًا أخرى، وكل قصيدة تفرض طبيعتها.
أما القاص شريف عبد المجيد فقد علق بأن ما سمعه فعلًا هو الشعر بعينه،وهناك العديد من شعراء النثر ممن اتحفونا بمشاع
رهم ،ـ فإن لم نعتبر هؤلاء ( أنسي الحاج، حجازي) وغيرهم شعراء فمن نعتبر إذن.
أما د.سليمان العطار فقد حيا الكندري على فكرة "سب" الحماقة ، لأن العرب كانت عندهم حساسية دينية من هذا الفعل فقد نسيوا القدر وبدأوا يقولون الزمان ، ونسبوا حديث للرسول عليه السلام يقول" لا تسبوا الدهر" . لذا "فأن أحييك على وصف قدرك بالحماقة".
كما أخذ يعلق على بعض الجمل الشعرية الواردة عند الكندري منها "وهكذا علمني أبي أن البكاء في حضن الحريم حرام " حيث اعتبر العطار هذه ال
جملة تطوير شعري " لأنه من المعروف أن العرب تعتبر بكاء الرجال بأكمله عيب .. ولكن هنا خصه الكندري بأن يكون مشروطًا بالبكاء في حضن الحريم .. أي أنه يعطي ايحاء بأن البكاء خارج هذا الحضن حلال".
كما علق على جملة" أوصل البوح هوسي.. ولكل منّا أن يختار هوسه" ..حيث قال بأن " هناك مثل أسباني يقول .. من لا يدخن ولا يشرب النبيذ .. يجد شيطانه في الآخر.."
وعلق أيضًا على استخدام الكندري لصفة "الردىء" عند الحديث عن الزمن ، وقال أنه على الرغم من أن هذه الكلمة _أي الزمن الردىء" وصف مستهلك جدًا إلا أنها في السياق الذي أدخلها الكندري فيه جاءت مغايرة ومختلفة فعلًا.
كما مدحه على ادخاله مفردات مثل"فيروز_نزار قباني" في شعره، فهما جميلان في عالم قلت فيه قيمة الجمال.
واعتبر جملته" كوني أحمل لقبًا لايعني لي بقدر ما يعني للآخرين" فلسفة خاصة جدًا
أما د.فاطمة البودي فأصرت على قراءة مقطع أعجبها وهو "
أعيد رسمك في بالي،
وجنتك السمراء بلون النبيذ،
عيناك الساحرتان،
والحاجبان فوقهما كما طيور
النورس في لوحة طفل عاشق
للبحر"
كان هذا الطفل أنا يومًا
وقد غرق"
حيث أعجبها وصف الحاجبان بطائر النورس.كما علقت على البيت الذي يقول"
حين اللمس،
أرفع ذراعي كما نورس،
أدور،،، أدور،،، أدور،
أواصل الدوران وأهمهم،
أتأتىء، أبأبىء، أتمتم، أغمغم،
أدندن، ثم أكعكع،
فعل هذيان،" حيث يساعد الوزن على خلق حالة شعرية جميلة ، تساند معنى الجملة.
ومن جانبه قال الكندري بأن أحد الأسباب التي دفعته لكتابة "من وحي الحماقة" هوأنه كان في رحلة إلى المغرب العربي ،وكان الهدف من الرحلة هو أن يرى المغرب التي هي بقايا حضارة الأندلس العظيمة. "وأحبتتها جدًا . وبعد ما انتهت الرحلة ،وبعد ما ركبت الطائرة تخيلت المغرب امرأة ..... وكتبت لها رسالة".

الأحد، 25 يناير، 2009

متوافر الآن .. كتابي سلامة أحمد سلامة وأحمد الفخراني



متوافر الآن في جناح دار العين للنشر في معرض القاهرة الدولي للكتاب بسراي ألمانيا "ب" كل من كتابي " الصحافة فوق صفيح ساخن" للكاب الكبير الأستاذ سلامة أحمد سلامة ؛ وكتاب" في كل قلب حكاية " لأحمد الفخراني.
تقول مي أبو زيد _والتي أسهمت في تبويب كتاب سلامة الجديد_ "هنا..في كتاب"الصحافة ...فوق صفيح ساخن" يحدثنا الكاتب الصحفي الكبير سلامة أحمد سلامة عن أوضاع صحافة يراها تتردى منذ فترة ليست بالبعيدة، ويطالعنا على ساحة صحفية تموج بالغث والثمين، وتنبثق فيها صحفا تفتح الباب أمام فكرة الاستقلال في الصحافة.

كما يبثنا أفكاره ورؤاه في حلول يركزها في فصل الصحافة ووسائل الإعلام جميعا عن ملكية الدولة، ومنحها حرية رأي مسئولة ومنافسة شريفة كفيلة بتطورها.

والكتاب مقالات نشرها الكاتب الكبير، ومازال، في عمود رأيه "من قريب" بجريدة "الأهرام" العريقة، لتتوالى بعده كتبه المتضمنة مقالاته في الصدور عن دار "العين" في سلسلة تحمل نفس عنوان عمود الرأي، ليمنح بذلك شرفا للدار وفرصة لقارئ قد يصبه شئ من رغبة الكاتب في التنوير."
.
أما "في كل قلب حكاية " لأحمد الفخراني فهو عبارة عن بورتريهات لشخصيات عادية وهامشية ..لكنها حقيقية وتشبهنا وفيها يكشف أحمد عن جوهرها الانسانى ..عن أوجاعها وأحزانها وأحلامها وطموحاتها.
تقول د.كريمة كمال في تقديمها للكتاب " فى المرة الأولى التى قرأت فيها الباب ..شعرت بصدق هذه الشخصيات فأحمد قدمها بلا أقنعة وبدون حياد أيضا ..كان يبدو كمدافع عن أحلامهم البسيطة وأخطاؤهم ..ولم تكن الحكاية عنده سوى وسيلة للكشف عن جمالهم الداخلى ".
….
*الكتابان متوافران حالياً في دار العين للنشر . وفي جناحها بمعرض الكتاب في سراي ألمانيا "ب" .

السبت، 24 يناير، 2009

سلامة أحمد سلامة .. والصحافة فوق صفيح ساخن


صدر حديثًا عن دار العين للنشر ، كتاب "الصحافة فوق صفيح ساخن " للكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة .
تقول مي أبو زيد _التي أسهمت في تبويب الكتاب _عنه " هنا..في كتاب"الصحافة ...فوق صفيح ساخن" يحدثنا الكاتب الصحفي الكبير سلامة أحمد سلامة عن أوضاع صحافة يراها تتردى منذ فترة ليست بالبعيدة، ويطالعنا على ساحة صحفية تموج بالغث والثمين، وتنبثق فيها صحفا تفتح الباب أمام فكرة الاستقلال في الصحافة.
كما يبثنا أفكاره ورؤاه في حلول يركزها في فصل الصحافة ووسائل الإعلام جميعا عن ملكية الدولة، ومنحها حرية رأي مسئولة ومنافسة شريفة كفيلة بتطورها.
والكتاب مقالات نشرها الكاتب الكبير، ومازال، في عمود رأيه "من قريب" بجريدة "الأهرام" العريقة، لتتوالى بعده كتبه المتضمنة مقالاته في الصدور عن دار "العين" في سلسلة تحمل نفس عنوان عمود الرأي، ليمنح بذلك شرفا للدار وفرصة لقارئ قد يصبه شئ من رغبة الكاتب في التنوير.

حفل توقيع لكل من أحمد الفخراني وحسام فخر .. الجمعة القادم في معرض الكتاب


تقيم دار العين للنشر ، حفلتان يوم الجمعة القادم ، وذلك لتوقيع كتابين من اصدراتها .
حفلة التوقيع الأولى ستكون مخصصة لأحمد الفخراني وذلك لتوقيع كتابه "في كل قلب حكاية" والصادر حديثًا عن الدار ، سيبدأ الحفل في الرابعة عصرًا في جناح دار العين بمعرض الكتاب في "سراي ألمانيا ب".
لقراءة كلمة ظهر الغلاف ، يرجى اتباع الرابط التالي .
لمعلوومات أكثر يرجى الاطلاع على هذا الرابط.....
كما تقيم دار العين في نفس اليوم حفل توقيع للكاتب حسام فخر ، وذلك لتوقيع روايته " حواديت الآخر" والصادرة عن العين . الحفل سيكون الساعة السادسة مساءًا، وأيضًا بمقر العين لمعرض الكتاب في سراي ألمانيا ب .
هنا يمكنكم مطالعة الندوة التي عقتدتها دار العين للنشر يوم 2008 وذلك لمناقشة الرواية ، وتحدث فيها كل من الناقد والروائي طارق إمام ، ود.فاروق عبد الوهاب . وعلى هذا الرابط يمكنكم أيضًا قراءة حوار حسام فخر
مع سمر نور في البديل حول مدينته المتخيلة.
وهنا نقدم لكم مقطع من الرواية .
لمعلومات أكثر ، رجاء اتباع هذا الرابط

الخميس، 22 يناير، 2009

شهادات المفكرين عن مؤف كتاب "الصدام داخل الحضارات" .. الصادر حديثًا

عن المؤلف:دييتر سنغاس أحد أهم المنظرين الراديكاليين الألمان الذين أسهموا إسهاماً عظيماً في دراسات التنمية والأمن والسلام، ودييتر سنغاس باحث مهم تستحق كتاباته أن يطلع عليها الكثير من القراء.
يقدم هذا الكتاب تفسيراً فاهماً ومثيراً للجدل لتعددية الثقافات، وردود فعلها تجاه الحداثة، وصدام الحضارات، وإمكانية الحوار والتسامح بين الثقافات، والكثير من غير ذلك. الكتاب إسهام مهم لنقد النزاعات الجوهرية في الثقافات.
بوب جيسوب – أستاذ علم الاجتماع بجامعة لاتكستر.
لقد قدم كتاب "سينغاس" إسهاماً مهمٍّا في إحياء الدراسات المعنية بالحضارات والنظام العالمي ويرفض المؤلف الموضة الفكرية القائلة بأن الحضارات كيانات ثابتة وغير قابلة للتغير وأن الصدام قدر لا فرار لها منه، ويشير إلى اتجاهها نحو عدم التكافؤ كما يركز على الجانب الآخر على ديناميات تطورها من خلال الصراعات الداخلية للأفكار والمصالح فيما يخص كيفية التغلب على الفوضى في المجتمعات التي تموج بالتغيرات.
روبرت و.كوكس، جامعة يورك. كندا.
هذا الكتاب إسهام مهم ومثير للجدل في المناظرات المعاصرة المهمة التي أثارتها النظريات المؤثرة التي قدمها فرانسيس فوكوياما فيما كتبه عن نهاية التاريخ و صمويل هنتينجتون فيما كتبه عن صدام الحضارات. يبحث دييتر سينغاس بعض أهم القضايا السياسية التي نواجهها اليزم مثل :
•كيف تتأقلم المجتمعات مع التعددية؟
•هل يمكن أن يكون التسامح حلا ناجحا؟
•ما دور "الثقافة" في الصراعات الراهنة التي توصف بأنها وليدة الثقافات؟
•هل ستغرق السياسات العالمية في القرن الحادي والعشرين في الصراعات الثقافية على مستوى كبير؟
يستكشف دييتر سنغاس هذه الاسئلة في سياق المناطق الثقافية الرئيسية خارج منطقة الغرب – في الفلسفة السياسية الصينية، والإسلام، والبوذية والهندوسية – ويمضي في تأمل إمكانية ظهور شكل بناء من أشكال الحوار بين الثقافات، إن النهج المميز والراديكالي الذي ينتهجه سينغاس مواكب للأحداث وذو أهمية شديدة لكل العاملين بالسياسة، والعلاقات الدولية، والعلوم الاجتماعية، والدراسات الثقافية. ودراسات التنمية، والديانات، والاقتصاد السياسي الدولي.

لمحة عن المؤلف
دييتر سنغاس
أستاذ العلوم الاجتماعية – جامعة بريمين - ألمانيا. دَرّسَ العلوم السياسية وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ بجامعة تونبجن – كلية أمهرست – جامعة ميتشيجان وجامعة فرانكفورت. وزميلاً بمركز الشئون الدولية بجامعة هارفارد حتى عام 1970.
شغل أيضاً منصب أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فرانكفورت في عام 1972 وظل بها حتى انتقل عام 1978 إلى جامعة بريمين حيث عكف على بحوث قضايا السلم والصراع والتنمية، عمل أيضا مدير البحوث بمعهد بحوث السلم بفرانكفورت في الفترة (1970 – 1978).
صدرت له دراسات عديدة في العلوم السياسية وقضايا السلم والتنمية من بينها كتيبات في قضايا معرفية محددة علاوة على دراسات أشرف على تحريرها منشورة باللغة الألمانية وبالعديد من اللغات الأجنبية نذكر منها:- التجربة الأوروبية (1985)، الصدام داخل الحضارات (2002).
خصل على جائزة بحوث السلم الدولية عام 1987.

لمحة عن المترجم
شوقي جلال
من مواليد القاهرة 30 أكتوبر 1931، عالم سياسي واجتماعي وله ترجمات في عدة مجالات مثل الفلسفة والعلوم السياسية وعضو لكل من المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة والمجلس الأعلى للمعهد العربي العالي للترجمة – جامعة الدول العربية – بالجزائر.
ترجم العديد من الكتب لسلسلة عالم المعرفة بالكويت، كما ترجم أيضاً العديد من الكتب لمركز الدراسات العربية ببيروت
أثرى المكتبة العربية باثنى عشر مؤلفاً سياسياً وتاريخياً وله أوراق بحث في ندوات ومؤتمرات ومقالات ثقافية وفكرية وله أيضاً أكثر من خمسين كتابا مترجما،
حصل على جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي – الترجمة عام 1984.
....
عن كتاب" الصدام داخل الحضارات"
تأليف: دييتر سنغاس
ترجمةد।شوقي جلال
صدر حديثًا عن العين للنشر

عندما تختزل كل حضارة شرق آسيا في الكونفوشية :من مقدمة كتاب الصدام داخل الحضارات

انطلقت على مدى السنوات القليلة الماضية داخل المجتمع الأكاديمي تكهنات بشأن الصراع الثقافي الدولي الوشيك أو المحتمل। وجاءت هذه التكهنات بوجه خاص على لسان جوهان جالتونج وصمويل هنتنجتون. ونلاحظ هنا أن الثقافات أو المناطق الثقافية أي الحضارات يجري تصويرها دائمًا باعتبارها مناطق اجتماعية مستقلة أو حتى قوى فاعلة رئيسية في السياسة الدولية. والملاحظ أيضًا أن تلك الافتراضات الزاعمة بأن الثقافة تمثل جوهرًا ثابتًا هي التي تحدد طابع الخطاب حتى في الحوار الثقافي اليومي المعني بالصراع بين الثقافات بدرجة أقل من اهتمامه بشن غزوة تعاونية دفاعا عن نقاط التماس الثقافي. وهكذا فإن معالجة الثقافات باعتبارها هياكل جامدة هو ما يفسر لماذا يجري التعامل في كل من الخطاب الأكاديمي والخطاب اليومي مع "الكونفوشية" و"الهندوسية" و"الإسلام" وكذا "الثقافة الغربية" باعتبارها وبشكل مطلق حضارات متمايزة أو مناطق ثقافية متمايزة، وكأنها ظواهر يمكن تحديدها والتعرف عليها في سهولة ويسر. وأكثر من هذا أننا نجد داخل المحافل الدبلوماسية الدولية، أن الافتراضات الزاعمة بجوهرية الثقافة هي السائدة دائمًٍا وأبدًا في الحوار الثقافي الدائر بشأن القيم "الآسيوية" و"الإسلامية" وكذا الغربية. وتجري مقارنة الكيانات الثقافية التي تبدو في ظاهرها متجانسة ومتسقة؛ بل وإبراز أحدها ضد الآخر – بأسلوب لا يختلف عن الأسلوب المتبع في الحوار الدولي بشأن حقوق الإنسان.
وهذا التناول يمكن فهمه في حدود أنه ييسر استطلاع وبيان ما من شأنه أن يكون بدون ذلك خليطًا من معلومات توضيحية يتعذر سير تحدرها بالكامل – أي بيانات وفيرة للغاية عن شواهد ثقافية بارزة هي حصاد التاريخ البشري برمته – أي أن هذا التناول يساعدنا على تصنيف ما هو غير مألوف في صورة فئات أبسط وأيسر للفهم قدر الإمكان.
وكم هو مغر في هذا الإطار أن نستخدم مصطلحًا مثل "الكونفوشية" الذي يقال إنه يمثل كل حضارة شرق آسيا، ومن ثم "نتجاوز" كل سلسلة المعتقدات المتناقضة والمحددة للثقافات والتي كانت يومًا ما سبب عداوات مرة (والتي لا تزال آثارها باقية جزئيًا ومحسوسة حتى اليوم)، وهكذا يصبح مصطلح الهندوسية مصطلحًا جامعًا؛ أي تعسفيًا بصورة واضحة ومصطنعًا في ضوء ما له من خلفية ثقافية غنية. ويصبح الإسلام بدوره كتلة متجانسة صماء (ولهذا السبب وحده يجري تفسيره على أنه خطر) على الرغم أنه من المسلَّم به لدى أصحاب النظرة المحايدة أنه يتألف من فرق وأحزاب غلب التطاحن بينها على علاقاتها الودية. واللافت للنظر هنا أيضًا الصورة الذاتية التقليدية عن "الغرب" والتي طالما تبناها غير الغربيين كثيرًا دون تأمل وتفكير؛ إذ يجري تصوير الغرب على أنه ثقافة يجسدها، حسب الزعم السائد، التنوير والنزعة الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الكلمة والتعبير والتعددية وحرية الضمير والمساواة بين الجنسين وغير ذلك. بيد أن النزعتين العقلانية والليبرالية في أوروبا كان لزامًا عليهما الصراع ضد التقليد، ولم تتحقق لهما السيادة إلا في فترة متأخرة نسبيًا وبصعوبة بالغة. وهذه حقيقة يغفلها كل من الأوروبيين وغير الأوروبيين في تصورهم للواقع والتاريخ مثل حقيقة أن التنوير أفضى إلى ظهور تيارات فكرية وسياسية قوية مناهضة للتنوير ومناهضة للحداثة. ويمثل هذا كله جزءًا من الواقع الأوروبي مثلما هو جزء من التنوير نفسه.
وتأسيسًا على هذه المقدمات سيبدو واضحًا أن الجدل الثقافي الدولي الدائر حاليًا غير مثمر، ذلك لأن الفرض القائل بوجود رؤى عن الكون ونواميسه (رؤى كوزمولوجية) راسخة مكينة ومختلفة عن بعضها أشد الاختلاف داخل الأعماق الروحية لكل حضارة إنما هو فرض غير واقعي تمامًا(2). وجدير بالذكر أن الحقيقة الواقعة تتجلى للمراقب المحايد في صورة مختلفة للغاية بوسائل عدة:
أولًا: الاختلافات، إن لم نقل الصراعات الداخلية، كانت قسمة مميزة لجميع الثقافات التقليدية قبل أن تعاني، وبزمن طويل، من ضغوط الحداثة الواردة من الخارج أو النابعة من الداخل. مثال ذلك أن الفلسفة الصينية، وقبل اختزالها فكريًا إلى "كونفوشية" الدولة، ازدهرت في داخلها بنية لمدرسة فكرية. كذلك الفكر البوذي الأصيل ما كان له أن تتضح صورته قبل تنوعه على نطاق واسع من خلال انتشار تعاليمه. كذلك الحال بالنسبة للهندوسية؛ إذ منذ بداية ظهورها وتعددية الآراء، خاصة ما يتعلق منها بالإلهيات تمثل قسمة أصيلة فيها. وجدير بالذكر أن مثل هذه التعددية لا يعرفها الإسلام؛ إذ أنه دين قائم على الوحي. ولكن هذا الدين اتسم أيضا وعلى نحو دائمً بوجود انشقاقات عميقة وتعدد واختلاف المدارس الفقهية. وبدأت في الغرب أيضًا منذ مرحلة باكرة عملية اختلاف روحاني بلغت ذروتها في النصف الثاني من القرن العشرين، ودعم الاختلاف بقوة ما شهده الغرب من نتائج لمرحلة غير مسبوقة من التحديث المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.
ولم تكن عملية الاختلاف في الأشكال التقليدية لكل ثقافة على حدة مجرد عملية عرضية أو هامشية بأي حال من الأحوال؛ بل كانت تمثل عنصرًا جوهريًا في عملية تأكيد الذات ثقافيًا ودينامية تطورها؛ إذ بدون المواجهات الثقافية الحادة بشأن المبادئ الأساسية لكل ثقافة من هذه الثقافات – والتي تتجلى في صورة نزاعات بين مدارس الفكر المختلفة لأبنائها، كان من الممكن للبيِّنات الثقافية الأصلية التي تشكل النواة البللورية للعمليات التالية أن تبقى مجرد رؤى ذات أهمية محلية خالصة أو ربما غيبها النسيان. لذلك كان الصراع جزءًا متكاملًا، ونتيجة لها آثارها وتجلياتها بعيدة المدى بالنسبة لجميع الثقافات البارزة. إذ ساهم الصراع – وإن بدرجات متفاوتة – في تطور الوعي بالذات داخل الثقافات التقليدية، كما ساهم أيضًا بمعنى ما في تأمل واستبطان الذات(3). وخير مثال يوضح هذا بصورة مذهلة، وإن بدت غير شاملة، هو الفلسفة الصينية الكلاسيكية التي يمكن وصفها بأنها خلاف دائم أبدًا بشأن القضايا الأساسية المتعلقة بالنظام العام.
ثانيًا: أوروبا هي أول حضارة تواجه تحديات التحديث المادية والفكرية معًا. وإذا نظرنا إلى التطور التاريخي للحضارة الأوروبية، أو للجزء الغربي من أوروبا على الأقل من منظور مقارن سيظهر لنا وكأنه حالة استثنائية – حتى ليكاد المرء أن يقول إنه معجزة(4). إذ يلاحظ أن أوروبا على خلاف الحضارات الكبرى غير الأوروبية لم تمض في مسارها عبر الطريق المسدود النمطي للتطور الذي سارت فيه الإمبراطوريات القديمة وثقافاتها .نمت دينامية أوروبا من القاعدة إلى القمة من خلال أعداد كبيرة من قوى اجتماعية صغيرة ومتنافسة. ولم تكن القوى ذات الهيمنة والقدرة على الجذب تحت سلطتها تتمتع بقوة أكبر، إلا بصورة متقطعة بين الحين والآخر. وظلت كقاعدة ضعيفة نسبيًا مما ساعد الأمة – الدولة الكلاسيكية على الوصول إلى إنجازها الأخير ولكن بعد مئات السنين. وبذلت كل من هذه القوى الدينية أو الدنيوية التي كانت إلى حد ما صغيرة مفتَّتة جهودًا مميزة لتحقيق الاستقلال الذاتي سواء منها الأسر الإمبراطورية أو الملكية والارستقراطيات الرفيعة أو الدنيا وطبقات الفلاحين والمحليات والقوى الاقليمية أو الأوسع نطاقًا من الإقليمية والقوى الدينية المحلية (مثل من يشغلون مناصب بابوية أو أسقفية أو رهبانية). وجدير بالذكر أن تقسيم القوى السياسية والمنافسات الناجمة عن ذلك ساعد في مرحلة باكرة على الحيلولة دون ظهور حالات المركزية المفرطة غير الملائمة التي كان بالإمكان مشاهدتها (ولو على نحو دوري في أغلب الحالات) في الإمبراطوريات القديمة غير الأوروبية. ويعتبر هيكل أوروبا في فتراته الباكرة والكلاسيكية والإقطاعية حسب المعايير السائدة آنذاك هيكلًا متخلفًا وهامشيًا(6). والملاحظ أنه قبل أن يهيمن الاقتصاد التنافسي الحديث بقرون (وهو الرأسمالية التنافسية) كانت المنافسة السياسية هي التي تصوغ شكل التطور الأوروبي وذلك من خلال المعارك الكثيرة التي بدأت في صورة نزاعات وصراعات صغيرة ثم تحولت تدريجيًا إلى صراعات سياسية إقصائية(7). ولكن لم تقع هذه الصراعات على مستوى القارة كلها أبدًا وإنما ظلت على مستوى محلي، وكانت تفضي بين حين وآخر إلى انتصار الطرف الأقوى. وحدث كثيرًا جدًا حين كانت الانتصارات محدودة ويعقبها تعادل بين القوى المتصارعة أن أدت إلى سياسة مصالحة وتوفيق سياسي – أي إلى مجموعة من "الضوابط والموازنات" على نحو ما نرى في الوثائق الأوروبية الشهيرة مثل الماجنا كارتا عام 1215م، وهكذا كانت التعددية قبل الحداثة، وقبل التنوير بزمن طويل هي جوهر وروح الواقع الأوروبي.
ويمكن القول إلى حد ما إن المنافسة السياسية في أوروبا قبل الحداثة كانت لها أيضًا آثار إيجابية على الإمكانات الإبداعية للمجتمعات المعنيّة. وصادف الإبداع تشجيعًا من التطور الذي حدث بعد هذا للاقتصاد التنافسي الذي امتد ليشمل كل المعمورة وليصبح أخيرًا ظاهرة كوكبية، بحيث جعل المنافسة الاقتصادية المنطق الجوهري الأصيل للمنظومات الاجتماعية. وهكذا ظهر تدريجيًا، خطوة بخطوة، نمط المجتمع الحديث الذي يحدد اليوم طبيعة الحياة في جميع المجتمعات الغربية وإن كان من المحتمل أنه الآن في سبيله إلى التفكك.
وتتجلى نتيجة هذا التحول الممتد من المجتمعات الأوروبية التقليدية إلى المجتمعات الحديثة في موجة شاملة من التحرر البشري ليس لها نظير في تاريخ الإنسانية. وهذا أيضًا من الناحية التاريخية حدث تنفرد به أوروبا. ولزم عن هذا التحرر اختلاف متسارع وغير مسبوق في الثقافة الأوروبية. وهذه نتيجة منطقية تعادل الآثار المهمة التي كانت لعملية الاختلاف الثقافي السابقة على التحديث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ومن ثم يبدو الانتقال إلى الحداثة أشبه بسلسلة سببية دورانية وتراكمية.
وإذا نظرنا إلى هذا التحول الذي شهدته أوروبا من منظور بعيد المدى نجد أن له آثاره العميقة والشاملة بحيث كان من المستحيل التكهن بتطور أوروبا خلال الفترة التالية في ضوء تاريخها السابق. وإذا نظرنا إلى الأحداث الماضية بعد وقوعها نجد ما يغرينا بقوة لافتراض حدوث تطور خطي المسار للثقافة الأوروبية – ولكن الشيء الذي لا خلاف عليه هو أن التطور الأوروبي اتسم بالانقطاعات والابتكارات.
ثالثًا: حققت أوروبا في مسارها الحداثي توسعًا استعماريًا وإمبرياليًا مما ترتب عليه نشوء هياكل تابعة لها. ونتيجة لهذا وقع العالم غير الأوروبي تحت ضغوط تحديثية من الخارج وإن تباينت أزمنتها ودرجاتها ذلك أن البعض وقع تحت هذه الضغوط في فترة باكرة بينما بعضها الآخر في فترة متأخرة(10). واستطاعت ضغوط التحديث هذه أن تسود نظرًا لضعف قوة مقاومة المجتمعات التقليدية. ومع هذا كانت المقاومة لافتة للأنظار على الرغم من قمعها بالقوة عادة.
إذ يلاحظ في كل أنحاء العالم غير الأوروبي أن الهزائم الفعلية والوشيكة أثارت ردود أفعال مضادة فكرية وسياسية।وتباينت نتيجة لذلك من حيث القضايا التي تؤكد عليها. ونجد أن من بين الخيارات المطروحة قضية محاكاة الغرب. وانعقد الأمل بذلك على اللحاق بالتطور الأوروبي، ثم إلحاق الهزيمة بعد ذلك بالغرب مستعينين بأسلحته. ونجد في مجتمعات كثيرة خيارًا آخر وهو إعادة التفكير من جديد في تراثها الخاص ومحاولة إحيائه وتجديده. وثمة خيار ثالث يتمثل في الجمع بين الاثنين الأولين بهدف الحفاظ على القيم الخاصة للمجتمعات مع العمل في الوقت نفسه على تبني التكنولوجيات والخبرات الجديدة. والخيار الرابع يعود إلى الظروف المواتية أكثر مما يعود إلى إرادة أصحابه: الابتكار باعتباره استجابة غير مسبوقة إزاء تحديات لا نظير لها.
وطبيعي أن الاستجابات في الواقع لم تكن كقاعدة عامة استجابات أحادية الخط والمسار؛ بل مزيجًا من المشروعات الفكرية المناهضة والممارسة السياسية. وكانت تعني جميعها من حيث الإدراك الذاتي للمجتمعات المعنيّة تحولًا عامًا للمجتمع. ويصدق هذا بخاصة بالنسبة للخيار الثاني أعني محاولة إحياء التراث ذلك لأن قيمة التراث هنا، على عكس الحال في المجتمعات التقليدية تخضع للفحص والتدقيق؛ مما يعني أنه لم يعد بالإمكان أخذها مأخذ التسليم. ونظرًا لأن أنصار كل اختيار من هذه الخيارات الثلاثة قيموا الموقف على نحو مختلف وحددوا لأنفسهم أهدافًا مختلفة فقد تصارعوا بالضرورة مع بعضهم بعضًا. وأشعل هذا فتيل الصراع الثقافي بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ حيث دارت حوارات ومعارك بشأن التنظيم الحديث للنظام العام، وأثارت بالحتم تساؤلات وقضايا خاصة بالثوابت الثقافية للمجتمعات التقليدية(12).
رابعًا: أصبح الجدل أكثر حدة واحتداما حيث جرت عمليات تحديث داخلية – أي اجتماعية واقتصادية نابعة من الداخل أو جرى عن عمد تقسيمها إلى مراحل نتيجة تحديات من الخارج। إذ أن هذه العمليات، حتى وإن كانت في أول عهدها هشة للغاية في غالب الأحيان إنما تمثل تكرارًا للتجربة الأوروبية؛ أعنى استحداث إطار مجتمعي حديث بدلًا عن التقليدي وبخاصة الهيكل الزراعي(13). ويلاحظ أنه حيثما عانى المجتمع من انهيار كمي درامي طويل الأمد في الزراعة – يبدأ أولًا بكميات صغيرة، ولكنه في بعض الحالات يزداد بمعدل مثير – تظهر طبقات اجتماعية حداثية مطابقة للمجتمعات الصناعية أو مجتمعات الخدمات: الإدارة العامة، وطبقة موظفي الدولة، ومنظمي المشروعات الخاصة والطبقات الوسطى والطبقات العاملة الصناعية، والآن حديثًا جدًا الطبقات المهنية التي ظهرت مع عملية التقدم الصناعي. وتتوافق هذه الطبقات الاجتماعية الجديدة مع قطاعات اجتماعية مختلفة لا تختلف كثيرًا عمًا هو حادث في أوروبا؛ حيث لكل طبقة مصالحها وهويتها الخاصة. وتقترن هذه العملية مباشرة بالتباين الثقافي. ونرى هذا التباين الثقافي مثله مثل المجتمعات الأوروبية مجسدًا في مجتمع يحظى بحراك اجتماعي متزايد مع تقدم عملية التحديث ويكتسب زخمًا خاصًا به.
....
من مقدمة كتاب " الصدام داخل الحضارات"
لدييتر سنغاس
ترجمة"شوقي جلال"
صدر حديثًا عن دار العين للنشر

الأربعاء، 21 يناير، 2009

البديل تنشر مقدمة الأستاذ محمد حسنين هيكل لكتاب الأستاذ سلامة أحمد سلامة


هيكل في مقدمة كتاب سلامة الجديد: الصحافة التي أحببناها معاً تتعرض لتهديد ثنائي الخطر من الداخل والخارج
نعيش في ليل طويل كل السائرين فيه ينتظرون شعاعاً من الضوء لا يضيق بومضاته غير القراصنة الصغار لكي يتسللوا تحت خفائه
اعتزازك المهني إلي جانب حياء إنساني أحبه فيك يقيدان قلمك فيما يتعلق بنفسك فاكتب يا صديقي وانشر وتكلم ودع الأمواج تتكسر
....
كتب: المحرر الثقافي

حصلت «البديل» علي رسالة وجهها الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل إلي الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة بمناسبة بدء صدور سلسلة كتب جديدة لسلامة تحت عنوان «من قريب» تتضمن أبرز الأعمدة الصحفية التي يكتبها في صحيفة «الأهرام» تحت هذا العنوان خلال السنوات الماضية، الجزء الأول من الكتب يصدر غداً عن دار العين للنشر بمناسبة معرض الكتاب ومن المقرر إصدار بقية أجزاء السلسلة «تباعاً في ستة أجزاء» الجزء الأول يصدر بعنوان: «الصحافة فوق صفيح ساخن» ومن المقرر إصدار الجزء الثاني قريباً تحت عنوان: «الحريات السياسية وصدق الإنسان» فيما تقرر أن يتضمن الجزء الثالث أعمدة الأستاذ سلامة التي عالجت قضايا بيئية.
وعلي الرغم من أن رسالة هيكل تظهر في الكتاب الأول كمقدمة له فإن الكاتب الكبير رفض النظر إليها وفق هذا التعبير الدارج وفضل النظر إليها كـ «رسالة» إلي زميل وصديق يعتز بصداقته ويأتي نشر هذه الرسالة ليعيد الاعتبار إلي «أدب الرسائل» إذ تتضمن فضلاً عن الجانب الذاتي فيها مساحة كبيرة للتأملات الموضوعية بشأن واقع الصحافة المصرية وهنا نص الرسالة كما أوردها الأستاذ.

عزيزي الأستاذ «سلامة أحمد سلامة»

إنك تفضلت وأرسلت لي المسودة المطبوعة لكتابك الجديد «الصحافة فوق صفيح ساخن»، راغباً بطريقتك الرقيقة وأسلوبك الراقي أن أكتب مقدمة له، وكان أول ما خطر لي حتي قبل مطالعة الصفحات أن شيئاً تكتبه لا يحتاج إلي مقدمة تمهد له، لكني وقد عرفتك عن قرب وسعدت بزمالتك سنوات طويلة ـ قدرت أن نزاهتك واستقامتك الفكرية واعتزازك المهني، إلي جانب حياء إنساني أحبه فيك وأحترمه ـ كل ذلك ـ كله علي بعضه ـ كما يقولون ـ يفرض عليك نوعاً من الإباء والكبرياء يقيد قلمك فيما يتعلق بنفسك، ويمسك لسانك فيما يتصل بقيمتك، وتلك صفات الرجال الكبار الذين أصبح وجودهم نادراً في زمان امتلأ بالفراغ وتعمق في السطحية ـ علي حد تعبير صديقنا الكبير «كامل الشناوي»!
دعني أقل لك ـ في خطاب موجه إليك ـ وليس مقدمة لكتاب ـ إنني استمتعت بما قرأت، وظني أنه جاء في وقته موضحاً لقضية شغلتني كما شغلتك، وقد كتبت أنت عنها لأنك مازلت في الساحة الصحفية ـ وأما أنا فقد انصرفت عنها أتابع من بعيد، وكذلك فإني أستطيع أن أحس بهمومك ربما بأكثر قليلاً، مما يمكن أن يحس بها آخرون، فهذه المهنة التي أحببناها معاً تتعرض لتهديد ثنائي الخطر: من الداخل بسبب أحوالها الراهنة، ومن الخارج بسبب أحوال تكنولوجيا جاءت بها أزمنة جديدة.
إن كتابك عن «الصحافة فوق صفيح ساخن»، يعكس أسلوبك المستغني عن الإلحاح، فهي لمحات تعرض نفسها علي الناس، وتقوم بمهمتها في التنوير علي طريقة الفنار في اتساع البحر وعمقه، صرح يقوم شامخاً في قلب جزيرة من الصخر، وهو يدور علي ما حوله بومضات من ضوء نافذ إلي بعيد يهدي السائرين في الظلمات، والفنار بالطبيعة لا يثقل علي الباحثين عن شعاعه، وإنما هو يتحرك علي دائرة كاملة، محتفظاً بموقفه ثابتاً لا يتغير، وهو ماض في حركته بنظام وثبات، وحتي إن ضربت الأمواج صخوره فهو مستمر في أداء دوره لا يتوقف ولا ينحرف.
دعني ـ يا صديقي العزيز ـ أؤكد لك أن كل السائرين في هذا الليل الطويل ينتظرون الشعاع، لا يضيق بومضاته غير القراصنة الصغار، فهم يفضلون البحر ظلاماً دامساً معتماً، لكي يتسللوا تحت خفائه، كما يفعل هؤلاء الذين نسمع عنهم من قراصنة البؤس علي سواحل الصومال.
اكتب ـ يا صديقي ـ وانشر وتكلم، ودع الأمواج تتكسر علي الصخر، ودع ومضات النور تلمع علي سطح البحر في كل اتجاه، وتنير كل بقعة تصل إليها، وأما الأمواج فليس في مقدورها غير أن تغسل الصخور كل مساء، وترتد عنها كل صباح.
سلمت ـ يا صديقي ـ وسلم عطاؤك نوراً وتنويراً.

محمد حسنين هيكل
جريدة البديل المصرية
الصفحة الرئيسية،ص5
21 يناير 2009

دار العين تقدم شعراء وروائيين شباباً


تصدر دار "العين" عددا كبيرا من الأعمال المتنوعة ما بين أدبية وفكرية، لكتاب شباب وآخرين كبار فمن الأدب: "مدينة اللذة"(رواية)لعزت القمحاوي، "كأني هو" (شعر)لفريد أبوسعدة،"لأن الأشياء تحدث"(رواية)لحاتم حافظ،"القدم" (رواية)لمحمد علاء الدين، "بورتريهات خيري شلبي" (الجزء الأول:عناقيد النور) لخيري شلبي، "رسائل وأحاديث ألفريد فرج" لنبيل فرج، "فوضي المشاعر" (مسرح) من ترجمة عفت يحيي.
كما تصدر "من وحي الحماقة" (شعر) لإبراهيم الكندري،"نشيد الأعمي" (حوارية) لسيف الرحبي، "قطارات بولاق الدكرور" (شعر) لسيف الرحبي، "الأرملة تكتب الخطابات سرًا" (رواية) لطارق إمام، "في كل قلب حكاية" (بورتريهات) لأحمد الفخراني، "الدرجة الصفر للكتابة"لرولان بارت ومن ترجمة محمد برادة.
ومن الأعمال الفكرية: "ضي القناديل" للدكتورعمرو عبدالسميع، "توابع الفتنة الكبري" للدكتور أبوالنصر محمد الخالدي، "عش ع الريح" (مقالات) لنوارة نجم،"أركيولوجيا العقل العربي" لشوقي جلال،"المقدس والمدنس" (في فكر الحركات الإسلامية) للدكتور محمدحلمي عبد الوهاب، "ألفريد فرج في دنيا الكتابة" لألفريد فرج ومن تقديم:نبيل فرج، "استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التنمية المهنية للمعلم" للدكتور مصطفي عبد السميع، و"ظاهرة الدعاة الجدد" لوائل لطفي.

لكن المفاجأة الحقيقية للدار تأتي من نجاحها في نشر مجموعة من الكتب للكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة تحت عنوان من قريب بمقدمة من محمد حسنين هيكل رفض هيكل أن يسميها "مقدمة" .
....
جريدة البديل المصرية
صفحة الثقافة
عدد 21 يناير 2009

الثلاثاء، 20 يناير، 2009

أحمد اللباد يتكلم عن تصميماته للعين

في الحوار الذي نشر في جريدة البديل، تكلم الفنان أحمد اللباد في معرض حديثه ،عن الأسلوب الذي يتعامل به مع الأغلفة التي يصممها للعين.
.....
علي مستوي أعمالك ألم تخش أن تتجمد عند نقطة واحدة -خاصة أنها جديدة- كيف تتعامل مع هذا؟- كما ذكرت الحياة واسعة وبالتأكيد خلال تصميمي الأغلفة أحاول أن أصل لنقطة جديدة كل مرة، المسألة ليست مجرد اختيار عدة تفاصيل ورصها بشكل عشوائي وبهذا تكون صنعت غلافا جديدا. وسؤال التجمد والتوقف هذا شغلني عندما بدأت أتعامل مع دور نشر جديدة مثل دار "العينفالدار كانت قائمة بالفعل ولها توجه معين في نشر نوعية كتب بعينها هي الكتب العلمية، ثم بدأت تدخل منطقة جديدة لنشر أعمال إبداعية مختلفة فكان علي أن أعطي شخصية جديدة للدار تحافظ علي تراث الدار السابق وفي الوقت نفسه تمنحها شيئا جديدا ومختلفا يميزها عن بقية دور النشر وأيضا يمنحني مساحة أتحرك فيها كمصمم.
....
حاوره محمد فرج
جريدة البديل المصرية

مجتزأ من " لأن الأشياء تحدث"... على كيكا


الأحد، 18 يناير، 2009

الشاعر الكويتي ابراهيم الكندري .. في دار العين الأحد القادم


تقيم دار العين للنشر احتفالية بمناسبة صدور كتاب " من وحي الحماقة" للشاعر الكويتي ابراهيم الكندري , و الصادر عن الدار ،حيث يقدم الكاتب قراءات شعرية من الكتاب و ذلك يوم الأحد الموافق 25/1/2009بمقر الدار 97 كورنيش النيل – روض الفرج الساعة السابعة مساءاً .
كما سيكون الكاتب متواجدًا بجناح دار العين للنشر بسراي ألمانيا "ب" يوم الجمعة القادم في معرض القاهرة للكتاب 2009 ، ليقوم بتوقيع نسخ من ديوانه الجديد.
نبذة


يقول الكندري عن كتابه "من وحي الحماقة، هي فكرة استولت على كل جوارحي لمدة ٤ سنوات، لم أكن أقصد منها سوى التعبير الحر، لم ألتزم بأي شيء وأنا أتعامل معها، كل ما أردت هو التعبير الحر المطلق، أما اليوم، فكل ما أرجوه أن تقرؤها في شكلها النهائي، كتابي الأول، كما هي تعبير أحمق عن حالة حمقاء كانت حالتي ".
يدير الندوة د. فاطمة البودى

أخبار الأدب :جديد دار العين في معرض القاهرة للكتاب 2009



تشارك دار العين بعدد من الأعمال الفكرية وكتب المقالات مثل "توابع الفتنة الكبري" لأبو النصر محمد الخالدي، "الصحافة علي صفيح ساخن" لسلامة أحمد سلامة، "عش ع الريح" لنوارة نجم، "أركيولوجيا العقل العربي" لشوقي جلال، "المقدس والمدنس في فكر الحركات الإسلامية"، لمحمد حلمي عبد الوهاب، "هوس العبقرية"، ت: د. فتح الله الشيخ.
"استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التنمية المهنية للمعلم" لمصطفي عبد السميع، "ظاهرة الدعاة الجدد" لوائل لطفي، "مصر علي كف عفريت" لجلال عامر، "الهجرة العظمي" لفتح الله الشيخ، "الدرجة الصفر للكتابة"، لرولان بارت، ترجمة محمد برادة، و"التحضر العشوائي" لجليلة القاضي.
أما في مجال الروايات فقد استطاعت الدار جذب عدد من الأدباء الشباب إليها، حيث تنشر روايات مثل
"القدم" لمحمد علاء الدين، "الأرملة تكتب الخطابات سرا" لطارق إمام، "أبناء الجبلاوي" لإبراهيم فرغلي، "أبدية خالصة" لبورقية علال، و"لأن الأشياء تحدث" لحاتم حافظ، وهي العمل الروائي الأول له.كما تقدم طبعة جديدة من رواية "مدينة اللذة" لعزت القمحاوي.
وتصدر الدار عددا من الأعمال الشعرية مثل "كأني هو" لفريد أبو سعدة، "نشيد الأعمي" و "قطارات بولاق الدكرور" لسيف الرحبي،
هناك أيضا "بورتريهات خيري شلبي" التي كان ينشرها في مجلة "الإذاعة والتليفزيون، و "نساء حسن سليمان" لعبلة الرويني، "في كل قلب حكاية" لأحمد الفخراني، "رسائل وأحاديث لألفريد فرج" لنبيل فرج، وفيما يتعلق بالمسرح تصدر الدار عملين هما " "التجربة المسرحية" ليوسف العاني، و"فوضي المشاعر" لعفت يحيي".
وكانت دار "العين" قد تعاقدت مع الكاتب الراحل يوسف أبو رية علي نشر الطبعة الثالثة من عمله "صمت الطواحين" قبل رحيله بأيام.

ليالي البانجو :مجتزأ من آخر رواية كتبها الراحل يوسف أبو رية

عجز الأستاذ مصطفي الشيخ في الحصول علي شقة بالإيجار لأنه لم يقدر علي إنشاء بيت ملك، وكان قد تنقل من مكان إلي مكان، واستقر أخيرا في سكن قريب من عمله، ثم إن الإيجارات في ازدياد دائم، فافتقد حرية التنقل، يقيم مع زوجة، لا تعمل، لتعاونه علي تكاليف العيش، يذهب إلي عمله بالوحدة البيطرية، وهي تهبط إلي السوق لشراء ما تم الاتفاق عليه من طعام، تعمل علي ترضيته أبدا، كانت لها بنتان يعاونانهافي عمل البيت، وتم زواجهما وحين تنجب الواحدة منهما ترسل الرضيع لجدته، لمراعاته، أضف إلي هذا القيام بالكنس، والتنظيف، حتي يعود من مكتبه في الثانية ظهرا، وتكون البنتان قد عادتا إلي بيتيهما، حاملات وساحبات الأحفاد.
الآن حان موعد عودته الليلة، بعد ادعائه إنه يجالس أصدقاء وزملاء العمل، ولم يكن هذا مما اعتاده من قبل.
يقضي الأستاذ مصطفي الشيخ الوقت مع أم كريم، زميلة العمل، وكان قد فاتح مها في هذا الموضوع، لأنها موضع سره وخفاياه المستترة، ولأن لها أغراضا في رفض العريس القروي، أو لأنها تخطط للخروج من بيتهم، فتجد التعاطف الأبوي الذي تحتاجه.
فتحت له أم مها الباب حين دق الجرس، لا يشعر تجاهها بأي ذنب، فقد تقوض بدنها، وبانت عليه شيخوخة مبكرة، رفعت عن بدنه الجاكت، وحلت عقدة رابطة العنق، ثم وقفت خلف ظهره لتسحب القميص، ثم فردت أمامه البيجامة المطوية.
- جهزي لنا العشاء.
- انتظر قليلا حتي تعود (مها) من مشوارها.
- مها هنا؟؟ هل سيد أتي معها؟
- جاءت لوحدها، وذهبت لتشتري أغراضا لها. أرادت أن تفاتحه في رغبة البنت في هجر زوجها.
ولكنها آثرت الصمت (هي وأبوها شورة خير) فهي أحب بناته إليه، وبينهما أسرار لا تعرف عنها شيئا، وكثيرا ما تدخل عليهما الحجرة، فيصمتان، وكأنما يمتلكان خفايا لا تدرك مغزاها، بينما هي من جانبها مجرد فتاة غامضة لا تكاشفه بما يدور في عقلها، ثم سرعان ما دق الجرس مرة أخري ودخلت عليهما مها تلهث من صعود درجات السلم. فأقبل عليها يقبلها من وجنتيها.
- كيف حالك؟
- وأخبار السيد؟
- بخير.
وأعدت الأم مائدة العشاء بعد أن تركتها في الغرفة وحيدة تبدل ثيابها.
ودار الحديث أثناء العشاء.
قالت أم مها: إن مها لا تريد العودة إلي بيت زوجها.
- أنا لا أطيقه يا أبي.
- بعد أن وقعت الفاس في الراس.
- كنت رافضة له، ولكنك أجبرتني.
ثم أعلنت أم مها الخبر الذي أربك حسابات الأب.
- وهي الان في الشهر الثالث.
- يا خبر!!
- إن هذا سيعقد المشكلة.
- لا تعقيد ولا يحزنون.
- كيف؟ سندخل في سين وجيم، ومحاكم، ونفقة وما شابه، إن قلة خبرتك لا تسمح بمعرفة المشاكل.
- أنا لا أدري شيئا غير إن الحياة مستحيلة، إنه لا يحل ولا يربط، والأمر كله في يد أمه.
- لا دخل لي بهذه التفاصيل، إنني أحافظ علي كرامة هذه الأسرة، فلا تطليق في عائلتنا، إنها سابقة لم تقع من قبل.
ورفعت الأم بقايا الطعام إلي المطبخ، ولم تحاول مها معاونتها، ونظرت البنت إلي أبيها نظرة ذات مغزي. كأنما تقول في سرها (هذه مقابل تلك) (تطليقي في مقابل إخفائي لسرك مع أم كريم) فاهتزت عيناه، وأخفي نظرته بعيدا عنها.
أراد أن يشعل التلفزيون ليشغل نفسه، عما يدور في عقل كل منهما، أما مها، فقد غسلت يدها، ودخلت الحجرة التي ضمت جدرانها طفولتها، وصباها، قبل أن تججبر علي ترك بيت الأب، مددت علي السرير بكسل، وهي تفكر في تدبير خالد، هل سيوفق في البحث عن مكان، إن جسدها شغوف إليه، فكم جربت لمسه، وتقبيله، وكانت في أثناء ذلك تقارن بين الشابين، الزوج، والحبيب، فكانت نفسها تنزع إلي الآخر، وتتبلد بل تتقزز من الأول، إن خالد بعطره الفواح وخبرته، وحنكته، يعزف أجمل الألحان، أما الزوج فإنه ينام معها كالبهيمة، وهذه المقارنة دفعتها لاتخاذ القرار مها كانت خطورته.
ولحق بها أبوها الأستاذ مصطفي الشيخ منكسرا، ومهزوما. لا يريدها _ في لحظة تهور _ البوح بسرهما، ولكنه لن يوافق علي تطليقها مهما كانت الأسباب، فرد طوله إلي جوارها، وهو ينفث غضبا كظيما.
- حاولي مرة أخري.
- يا أبي وأنت سيد العارفين، مستحيل، فالرجل نفّس، وسلوك راق، ومن الرجال من لا يصلح للحياة الزوجية، حتي لو نثر أغلي العطور في كل قطعة من جسده.
إنه يتعاطف مع مشاعرها، ولكنه لا يستطيع اتخاذ القرار، فهو من اختاره، علي ظن أنه من السهل اعتياده، والسيطرة عليه، انقلب جسد الأب نحوها، وصارت العيون في مواجهة حقيقية استعاد بها لحظات قضاها علي نفس الفراش قبل زواجها، وحين افتقدها، وقع في غرام أم كريم، امرأة مطلقة، لا ولد لها، تلعب بالبيضة والحجر، وقادرة علي استثارة وخم الرجال، ابتاع لها الهدية بعد الهدية، وقربها من مكتبه الذي سمح لهما تبادل كلمات الغزل المكشوف، بحيث لا تلتقطها أذن الزميل أو الزميلة التي تجاورهما، وتواعدا علي اللقاء في شقتها، فهي امرأة غريبة لا تنسب لأهل البلدة، فلا خوف عليها، ولا خشية منها، أراد أن يعلن سره فلم يجد غير مها، لا لأنها تكره أمها، ولكن لأنها الأقرب اليه، صحيح أنه يسعد بالفضفضة معها كابنة، ولكنه لا يستطيع سماع ما يشبه قصتها، مد يده ليأخذها في حضنه، فاستجابت له في تنهدة، صحيح هو والدها، ولكنها تميل إليه أكثر من زوجها.
دنا بكفه ليلمس منحني الكتف، ثم حوم حول النهدين اللذين ازدادا خصوبة.
- حاولي مرة أخري يا مها.
- لا أستطيع يا أبي.
وتحدث معها طويلا في محاولة لاقناعها ولكنها رفضت كل الحلول التي قدمها، وآمن بأن الحياة في بيت الزوج صارت مستحيلة.
فقام زاهدا، دون غضب، شد الباب وراءه، ونام إلي جوار زوجه، بقرف، وعقله هناك مع أم كريم التي تمنحه بهجة العمر، وتمده بشهوة لا نفاد لها، ظل يقارن فترة بين زمنه التعيس ويأس ابنته مع زوجها حتي غلبه النوم، فاستجاب له.
4
بعد لقائهما علي رصيف المحطة، هبطا إلي موقف السيارات، فالقطار لا يصلح لرحلتهما، لأن خطوطه في قلب المزارع، تنأي بنفسها عن آخر طريق للشرق، قليل من الأراضي المستصلحة، وكثير من الرمال التي تنتشر علي كثبانها وحدات للجيش وتقام علي سفوحها مصانع جديدة، هي واجهة لصناعات غربية ويابانية، والطريق يسمح لهما بدخول القاهرة عند حي المطرية، هنا سيكون المستقر لهما إلي حين، كان مترددا في استخدامها لأنها مغلقة ومهجورة، تفتقد النظافة التي تليق بإقامتها فهي غير نظيفة بالمرة، كان والده قد أجرها له حينما كان طالبا بجامعة عين شمس بعد التخرج رفض التفريط فيها، ربما استطاع استعادة ترميمها وتنظيفها، ورفع القاذورات من جوانبها، ليتمكن من الارتباط بابنة الحلال المناسبة، أو الإقامة بين جدرانها وها هو الوقت المناسب لها، ستكفي بالغرض، وكان يكتفي باللقاء بها، في حديقة بيته، أو سطح بيتها حين تأمن لغياب الأم والأب، وحيثما اتفق، مما تتيحه الفرصة المختلسة.
صعدا إلي عربة (الميكروباس) ال (تيوتا) وتخيرا المقعد الأخير الذي لا يتسع إلا لشخصين.
وقف السائق في مدخل الموقف، ينادي علي رحلته حتي جمع الأحد عشر راكبا، ضغط علي دواسة البنزين بعد أن وضع شريط القارئ السعودي الممل، إن صوته يحيي في ذاكرته طنين الذباب حول فتحات المقابر.
- توكلنا عليه، الفاتحة للنبي يا إخواننا.
ورطبت الفاتحة ألسنة الركاب الذين رددوها همسا.
كانت السيارة تطير فوق الأسفلت بخفة الريشة يستعرض السائق قدراته، في الاقتحام والكر والفر حول سائقي الميكروباس من زملائه القادمين من مدن أخري.
الترتيل، والصوت الكئيب للقارئ، تغلبا علي مشاعرهما، فجمدت جذوة الشهوة المتقدة. فمال برأسه نحو الزجاج الخلفي، ليكمل نومه، فقد قضي الليل مع الأصدقاء لتدبير خطة بديل، فعاطف النذل بدٌّل رأيه، عند نهاية السهرة.
- خالد .. لا أستطيع أن أتيح لك الفرصة التي طلبتها، فالأمر ليس بالسهولة التي تتصورها.
- لقد وعدتني يا عاطف.
- حصل، لكني لا أستطيع، ولا أريد القيام بهذا الدور.
كان يقفان في مدخل (البلوك) بعد أن فارقتهما جماعة السهرة.
- إنك تفتقد النخوة مع الأصدقاء.
- سمها ما شئت.
- وعد الحر دين يا عاطف.
- أنا لست حرا. لي جدة تقيم معي، ولي جيران لا تخفي عنهم خافية.
- وأين الجدعنة، والشهامة، كم من رسالة كتبتها إلي حبيبتك؟
- أتعيرني؟
- وأبصق في وجهك أيضا.
- الله يسامحك.
شجعه هذا علي دفعه، نحو الدرجات القليلة للدور الأرضي، فسقط عاطف علي ظهره، فلكثرة ما تناول من بانجو، لم تعد لديه القدرة علي المقاومة، وظل لفترة طويلة يجاهد عقله في استيعاب ما حدث، وخالد فارق المكان عائدا إلي بيته، في انتظار موعدها، لم تعد هناك فرصة للتراجع، ألقي نظرة علي البيت، فوجد الأم مستغرقة في نومها، وخادمتها العجوز، فردت السجادة الصغيرة لتؤدي صلاة الفجر، فانسحب بهدوء، يسير ببطء من شارع إلي شارع، محلات البرجين غلقت أبوابها، واطفئت الأضواء البهيجة، مر علي كثير من تجار الفاكهة، يفترشون الأرض أمام بضاعتهم، ورأي النور الشحيح لبائع الفول والطعمية، حين دنا منه امتلأت أذناه بضجيج الماكينة التي تطحن حبات الفول المبلولة مختلطة بالبصل والكرات والكزبرة، اشتهي الساندوتش الأول، فالزيت غير مستعمل ألقي نظرة عليه، فوجد الصينية الكبيرة السوداء زيتها علي نار وابور قوي، والرجل وقف خلفها، يكور العجين الطازج ويلقي به في الزيت المغلي، ثم صعد درجات المحطة، وجلس علي نفس الكرسي الذي التقيا عليه البارحة.
وفض ورقات الصحف، ليسحب منها ساندوتش الصباح الشهي، وكان يلقي النظرة من حين إلي آخر متوقعا قدومها في الموعد المحدد.
أخيرا رأي قوامها المثير، بخصوبة لا تنتمي إليه، كانت تعبر قضبان السكة الحديد بحذر، وترقب التحويلة الأرضية حتي لا تقبض علي قدمها.
جلست بهدوء إلي جواره، وهي تخفي وجهها في طرحة سوداء بلون كحل عينيها.
- كم أنت جميلة يا حبيبتي؟
- أنت الأجمل.
- كيف قضيت ليلتك؟
واستعادت محاولات الأب في اقناعها، فلم يفلح في مسعاه، قام عنها وهو غاضب، بعد أن قلب كل شلو من جسدها.
هل يريد إبقاء الأمر علي ما هو عليه، ليصل إلي أغراضه، عند الزيارة إليها، لا يخرج من الشقة، يمدد جسده المكشوف أمامها.
- رحلت إليك للعلاج.
- كيف يا أبي؟
- يرتاح الجسد بلمسك إياه، وأنا اعتدت علي ذلك.
- ولماذا لا تذهب إلي صاحبتك أم كريم.
- مع أم كريم الأمر مختلف، فهناك الشهوة التي تنعش شبابي.
- ولماذا لا تطلب هذا من أمي؟
- ما بيني وبين أمك انتهي من زمان.
- في الخفاء هي لا تريدني، وأنا لا أريدها، ولكننا نحفظ الود، بسبب العشرة الطويلة.
وتركت وحدها علي سرير طفولتها، يشملها ظلام خفيف، نسمة هواء لطيفة تتسرب من خصاص النافذة، تأتي الفكرة وتذهب، تحاول إقناع نفسها بالاستمرار معه، فهناك طفل برئ، تضمه أحشاؤها، منسوب إليه في النهاية، ما ذنبه، ولكن خالد يأخذها إلي عالم آخر، لا تملك تجاهه تبديلا، إنها مجذوبة إليه بكل ذرة من أعضائها، هو العليم بها، والعارف لكيفية التعامل معها. هناك فرق، بين الإجبار والاختيار، في بيت الزوجية الذي لم تختره، ولم يستشرها أحد في مدي قابليتها له. "أمر مختلف في اختياري لمن يتعشقه قلبي ويمتع عيني بمشاهدة عريه الأليف، برائحته الطبيعية التي تنهض الرغبة من عمقها".
وكان القرار حاسما لا رجعة فيه، سأذهب معه، ولو لآخر نقطة من الدنيا الواسعة، وليحدث ما يحدث، أبي الذي يلومني، ويرجوني العودة إليه، حفاظا علي مظهر اجتماعي زائف، واقع في نفس البئر التي لا قرار لها، إن أمي توارت من حياته، وصارت أم كريم هي بؤرة الوجود.
لماذا لا تسمحون لي بما تتيحونه لأنفسكم؟
وقامت في الصباح الباكر، بيضاء القلب، طاهرة من كل دنس، ومن كل شعور بالخطيئة.
- سأذهب مع حبيبي إلي أقصي حدود الشمس أصل الحياة، وجوهر الوجود.
وفي الصباح، ارتدت ثوبها الأسود وغطت شعرها ووجهها، وكتبت الورقة (آسفة يا أبي مضطرة للرحيل، أو الانتحار) وضعتها علي زجاج الكومودينو، ورفعت حقيبة صغيرة، بها غيار داخلي، وجلباب منزلي خفيف، مررت أصبع (الروج) علي شفتين دسمتين، ورسمت عينا فرعونية علي الكحل الأزلي.
كان السائق قد بدل القارئ بقارئ آخر. فصاح فيه خالد متوترا.
- يا أخي طريقة هذا المقرئ تزعجني.
- هذه هي القراءة الصحيحة يا أستاذ.
- المهم حلاوة الصوت.
- ليس هناك أفضل من السديسي قارئ المسجد الحرام.
- إن مصر تفيض بالأصوات الجميلة، أتعرف أن قرائنا هم من علموا المسلمين صحة القراءة.
- الوضع تغير يا أستاذ وخضوعا لأمر سعادتك. سنرفع الشريط، لتسمع شيئا يفيدك في دنياك.
وانطلق صوت غليظ معاد، يكره الدنيا ومن عليها يتحدث عن عذاب القبر، وماذا سيحدث للعيون الجميلة والشفاه المشتهاة، والشعر المنساب الذي لا يستره حجاب. سيأتي عيه الدور جميعا، إن المفاتن هي غذاء الدود في ظلمة القبر.
- ربنا يقرفك.
- إن هؤلاء الصبية جعلونا نكره حياتنا بمسراتها القليلة.
- حاولي نسيان الأمر برمته.
وقطعت السيارة الطريق المسفلت العريض، فبدت علي يساره ترعة، نمت علي جوانبها الكثير من أشجار الفاكهة، والقليل من محاصيل الأرض.
- أين نحن الآن يا خالد؟
- هذه بلبيس، عاصمة الشرقية في الأزمنة العتيقة.
- والترعة؟
- اسمها الحلوة.
- حلوة؟
- حفرت قبل القناة ليشرب منها عمال الحفر، وتمد الإسماعيلية وبورسعيد وما بينهما بالماء.
- ومن الذي قام بحفرها؟
- أجدادنا الفلاحون بأمر من ديليسبس، وبموافقة الخديو سعيد.
- كانت صحراء قاحلة، اليوم كما ترين الزراعة تنتشر حول واديها، تبدأ من شبرا وتنتهي في بورسعيد.
- مشوار طويل. أتعرف كأنني رأيت هذا المشهد في المنام.
- القناة أطول منها، تربط بين البحر الأحمر والأبيض.
- ياه ..
- كانت السبب في احتلال مصر، وأممها عبد الناصر
عام 56.
- اعرف هذا.
مرت السيارة أمام أبو زعبل، فسألت عنه مها.
- ما هذا المكان الكئيب؟
- سجن أبو زعبل.
- سمعت به.
- ثم مرت بالقرب من شعلة نار، تقوم علي عمود مرتفع، جذوة ناره لا تنقطع، تظل علي اتقادها، ليل نهار، وعلي مدار العام، أرادت مها السؤال عنها، وفضلت السكوت، فقدر أنه يذهب في غفوة، استجاب لها بهدوء.
- ياربي بالضبط كما رأيت في المنام رغم أنني لم أزر المكان من قبل.
بدل السائق الشريط، وادخل آخر، يشبه في صوته الأول. ضغطت علي أعصابها لما رأت يد السائق ترفع الزر، فيتضاعف الصوت، فقد لمح في المرآة العكسية، صمتها، وشعر أنها لن تعترض.
ثم ظهرت المباني من بعيد، دخلوا حيا، له شوارع ضيقة، وعمارات كالحة، وزحام من البشر، يتوزعون ما بين الشوارع، فاحت بالفجيعة "علي العموم لن أقيم فيه، يومان أو ثلاثة، ثم تبحث الأمر مع خالد، بعد عودتهما إلي البلدة، ولتواجه الأسرة، وليكن ما يكون".
لكزت خالد في جنبه، فانتبه في الحال، قام بعينين يبك الدم فيهما، وصاح وهو يتهيأ للنزول.
- السهرة كانت ثقيلة؟
- يعني.
استلما شارعا ضيقا، تتوزع الزبالة في أركانه، يقطعان الطريق بحذر، حتي لا يصطدما بسيارة (توك توك) أو بطفل يطارد آخر في شقاوة، يخشيان زجره، حتي لا يشتبكا مع أحد من أهله. فهم في النهاية مجرد غريبين، لا يعرفهما أحد.
ودخل شقة قديمة جدا، تآكلت جدرانها المدهونة بجير لم يقم أحد بتجديده منذ استلامه إياها. وأبواب تفيض بالقذارة، فاسودت جوانبها. فارغة، ليس بها غير حجرة، وصالة فرشت بسجادة تناسلت حوافها وحجرة أخري تضم سريرا، وطاولة لها كرسي وحيد، ولا شئ غير ذلك.
صاحت بهول: ياه .. عايزة عمال البلدية.
- المهم أننا لن نقيم فيها إلي الأبد، مجرد يومين أو ثلاثة لا غير.
- سأحاول تنظيف مكان يفي بالحاجة.
- وما هذه الحاجة؟
- يا قليل الأدب، وضربته علي ظاهر كفه بدلع.
- أعد مكانا (كل شي إن كان)، وركز علي الفراش، ضرب أركانه بفوطة قديمة، فهاج التراب الراكد.
- يكفي هذا .. فترابه يدفعني للربو.
- يعني مريضة بصدرك.
- يعني.
- لم أشعر بهذا أبدا.
- أحاول إخفاءه عنك .. حتي لا تكرهني.
- أنتظري هنا لبعض الوقت، لأحضر طعاما يكفي لمدة معقولة.
حين عاد وجدها في ثياب البيت التي زادها جمالا.
- ما هذا يا حبيبتي؟
- بعض ما عندكم.
- ولكني لم أحضر ملابس داخلية مثلك.
- الجو معقول .. ويمكنك أن تظل بهما ولا تخشي النظر اليك.
- ليتك تفعلين مثلي.
- عند اللزوم

أخبار الأدب : أسوأ عام ثقافي لرحيل يوسف أبو رية ومحمود العالم


السبت الماضي غيب الموت محمود أمين العالم وصباح الاثنين مات يوسف أبو رية. بثمانية وأربعين ساعة سبق الناقد الروائي إلي الراحة الأبدية، بينما كان قد سبقه إلي تعب الحياة بثلاثة وثلاثين عاما.
رحيلهما مفتتح سيء لعام جديد، بعد سنة وصفت بأنها الأسوأ بسبب عدد الراحلين خلالها.
وليس الموت وحده ما يجمع بين العالم وأبو رية، بل العيش والرحيل بكرامة وبقامة منتصبة، في زمن الانكسار.
....
المفكر والناقد محمود أمين العالمِ الذي رحل عن دنيانا عن ست وثمانين عاما قضي قسطا وافرا منها في السجون، ترك وراءة نحو عشرين كتابا وديوان شعر ومئات المقالات، والكثير من الاحترام والحب.
لكن من المؤكد أن الصورة التي ستبقي من محمود أمين العالم لدي جميع من عرفوه هي الابتسامة الواسعة التي لم تفارقه في أحلك الظروف.
للعالم ديوانا شعر هما "قراءة في جدران زنزانة" و"أغنية الإنسان" وهما، إن لم يعد أحد يذكرهما، يمثلان رحلة حياة المفكر والمناضل، الذي لم يكف يوما عن الغناء للإنسان بطريقته، ولم يكف عن الحلم.
شيوعي بقلب متصوف، والتصوف، لا الرؤية الأيديولوجية، هو الذي جعله علي مسافة من مغريات السلطة، علي الرغم من أنه لم ينظر إلي مؤسسات الدولة برفض تام. عمل موظفا إداريا في وزارة التربية والتعليم أثناء دراسته في قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) قبل أن يعين معيدا بها وينجز أطروحة ماجستير في "فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية" عام 1954، وهو ذات العام الذي فصل فيه من الجامعة مع عدد من أساتذتها، ليعمل في إعطاء دروس تقوية في الفلسفة قبل أن يبدأ العمل بالصحافة ويكتب مقاله الشهير مع صديقه عبدالعظيم أنيس يردان فيه علي مقال لطه حسين في جريدة الجمهورية حول مفهوم الأدب، وكان المقال بداية معركة أدبية تردد صداها في العالم العربي كله، وبداية لرحلة العالم مع الصحافة الأدبية والسياسية، تنقل فيها بين دار روزاليوسف والتحرير وأخبار اليوم، التي تولي رئاسة مجلس إدارتها، وكان بين هذه المحطات ضيافات علي السجون، قبل أن يسافر إلي إكسفورد للتدريس بها، ثم إلي باريس بطلب من صديقه الراحل جاك بيرك، حيث عين في جامعة باريس وظل بها منذ 1973 إلي 1984. وخلال تلك الفترة أصدر مع عدد من رفاقه مجلة "اليسار العربي" وعندما عاد إلي مصر أنشأ الكتاب غير الدوري "قضايا فكرية"
تاريخ طويل من الكتابة والعمل، في مناصب كبيرة، ولم يسع طوال حياته إلي امتلاك شيء مما أزاغ أبصار عشرات المثقفين، ولهذا تحول قرار فرض الحراسة علي أمواله إلي نكتة!

يوسف أبو رية، الذي دخل الحياة وخرج منها بعد العالم، متصوف بطريقته أيضا। المولود في 2 فراير 1952في ههيا بالشرقية تخرج في كلية الإعلام عام 1977، وبعد تجارب كتابة في بعض الصحف، آثر الابتعاد عن مهنة البحث عن المتاعب، وفضل عليها الوظيفة المنضبطة التوقيت في قسم الإعلام بالمركز القومي للبحوث العلمية।

....
وبعد نشاط سياسي حافل بدأ أبو رية يركز علي الكتابة، في فترة أغلقت فيها المجلات الأدبية، التي عوضتها مجلات الماستر، وفيها نشر يوسف قصصه إلي أن أصدر مجموعته الأولي "الضحي العالي" عام 1985، التي كانت بداية لقائمة ضمت ست مجموعات قصصية متميزة، بينما كانت "عطش الصبار" عام 1989أولي رواياته، في عقد من سبع روايات آخرها "ليالي البانجو" التي لم تصدر بعد وننشر فصولا منها في هذا العدد.
لم يكن يوسف أبو رية منعزلا، لكنه اختار لحياته إيقاعا هادئا، وضع الدنيا علي مسافة من بابه، لكن المرض الغادر اقتحم كبده منذ ستة أشهر. وبني يوسف مقبرة جديدة علي الرغم من وجود مقابر الأسرة، وكان سعيدا بها وبشجرات زرعها أمامها، علي الرغم من وجود مقابر الأسرة. ولم يكن هذا قرارا بالموت، لكن هكذا فكر. بينما كان يضمر الحياة حتي اللحظة الأخيرة، وآثر أن يحتفظ بصراعه مع المرض سرا، وعندما أصبح لا مفر من الإعلان، أطلع يوسف أصدقاءه وعائلته علي المرض الذي كان يتطلب جراحة زرع فص من الكبد.
والدولة التي تأتي متأخرة، أو لا تأتي علي الإطلاق، لم تمتلك أذنا تستمع للنداءات، هنا في أخبار الأدب، وفي الصحف الأخري، وفي التليفزيون عبر الإعلامي محمود سعد، وبرامج أخري. ووقفت عائلة أبو رية معه بصلابة، لإجراء الجراحة دون مساعدة من أحد، وتسابق أبناء أخوته لفدائه بقطع من أكبادهم، لكن الفحص كان يستبعد متبرعا بعد الآخر. ونفذت كلمة القدر في اليوم الذي امتدت فيه أيد من الخارج لتنتشله.

.....
أخبار الأدب
18 يناير 2009

الأربعاء، 14 يناير، 2009

د.أبو الليل يدافع عن ست الحسن والجمال

لم تكن ندوة مناقشة كتاب " المرأة والحدوتة " لد.خالد أبو الليل والتي نظمتها جماعة المرأة والذاكرة يوم 4 يناير 2009؛ مناقشة عادية يتم فيها سرد أجزاء من الكتاب واطراء من المناقشين للمؤلف . ولكنها كانت أشبه بمعركة وجهت فيها د.نادية الخولي رئيسة قسم اللغة اللغة الانجليزية في جامعة القاهرة سهام النقد إلى د. أبو الليل الذي صمد أمام أسئلتها واختلافاتها مما أثرى الندوة .


بدأت د.نادية بأن ذكرت صفات الحدوتة الشعبية كما ذكرها د.أبو الليل في كتابه وهي

1_ تحرص على البدايات التقليدية ( وحد الله _ كان ياما كان فيه _ صلوا عالنبي كان فيه .. ) . وهي تهدف إلى جذب المتلقي باشتراكه في الحديث بأن يطلب منه أن يوحد الله أو يصلي على النبي ، أو تطلب منه العودة بعقله إلى زمان ومكان بعيدين عن الواقع .

2_ تحتفي بالعبارات الايقاعية الجاهزة مثل " دخلت بِنَيَّة وخرجت بنية .. ما عرفت باابن السلطان تضحك علي " أو " البيت بيت أبونا والغرب يطردونا.
3_ تكرار الحدث ثلاث مرات ، والاحتفاء بأعداد معينة مثل " سبعة أو أربعين " . فالملك ينجب ثلاثة من الذكور يفشل اثنان بينما ينجح الثالث ، وهذه المرأة تواجه أربعين من اللصوص .

4 _ الشخصيات فيها موزعة بين الإنسان والحيوان والجماد والجان ومواطن الأحداث فيها بين الأرضي وتحت الأرضي وبين البر والبحر ، وزمانها غير محسوس ، وأحداثها تبدو كما لو كانت غير منطقية ، مما وجه إليها نقد بأنها " خيالية وغير غنية بالمغزى ، ولا يسودها نظام ، وإنما هي فيما تبدو خلط لا شكل له ولا بنية " ، وهنا يرد " جوتة مدافعاً عنها بأنها " هي بعينها الحكمة ، وإذا كنا نحن لا نعرف مصدر هذه الحكمة ، فإن هذا لا يرجع إلى بلاهة في الحكاية الخرافية ، وإنما يرجع إلى احساسنا البليد " .
وهذا النقد السابق الموجه للحدوتة يمكن أن يوجهه شخص لا ينتمي إلى جمهور الحواديت ( كالدارسين مثلا ) ، ولكن الأمر يختلف تماماً بالنسبة لجمهورها الأساسي ، هذا الجمهور الذي يتوحد تماماً مع عالم الحواديت ، كالأطفال مثلاً .

5_ تنطلق الحدوتة من الواقع حيث الاستقرار ، ثم تتطور الأحداث وتتعقد ، ويصاحب هذا التطور والتعقيد ، البعد عن الواقع ، الأمر الذي يفتح المجال لإعمال الخيال والاعتماد على الاحداث المختلقة والادوات الخارقة ، وذلك بهدف تحقيق الوظيفة الأساس . وهي العودة للواقع \ الاستقرار مرة أخرى .

6_ تتسم الحدوتة بانها عبارة عن أجزاء رخوة ( تسمح باندراج أفعال قصصية ثانوية في سياقها تتوالد باستمرار ، وتغذي الامكانات السردية للحكاية الإطارية " فالحدوتة تتألف من مجموة مقطاع سردية ( حكايات قصيرة ) قابلة للنتقال من حدوتة إلى اخرى ، كما انها قابلة للاستقلال عن الحدوتة الأم .

7_ إن شخصيات الحدوتة موزعة بين الخيرة والشريرة ، ولا وجود لهذه الشخصيات إل امن حيث علاقتها ( الايجابية او السلبية ) بالبطل . والبطل فيها مسلوب الإرادة ، خاضع لقوى خارجية تحدد مصيره ، وتساعده للوصول للنجاح .
8_ إن الحواديت تسعي منذ البداية للوصول للنهاية السعيدة .

9_ تحتفي الحواديت بصيغ الختام التقليدية ، مثل ( وتوتة توتة فرغت الحدوتة .. ولوما الطاقية المشروطة كنت جبت لكم شوية مخروطة ) . واحتفاء الحواديت بصيغتي الافتتاح والختام ، يميزها عن غيرها من الأنواع الأدبية الشعبية الاخرى .
10_ أكثر رواة الحواديت من النساء ، وهو الأمر الذي سبق وأكده رواة الأدب الشعبي .

11_ تتطلب هذه الحواديت جمهوراً معيناً ، وقد توفر هذا الجمهور في عالم الأطفال .

12_ أما بالنسبة للوقت الذي تروى فيه الحدوتة ، فهو اكثر ارتباطاً بوقت الليل ( ما قبل النوم ) .

13_ وظائف الحدوتة الأساسية هي ( المحاكاة والتسلية والتعليم ).
اتخذت الندوة شكل السؤال والجواب، مما جعلها فرصة لفهم الموضوع واحدة واحدة ،ولتفصيص آراء د.أبو الليل.
كان أول أسئلة د.نادية الخولي عن معيار اختيار الحواديت التي احتواها الكتاب وكان رد د.خالد أبو الليل أنه لا توجد معايير في الحواديت المختارة لأنه كان مهتم أكثر بضم الكتاب مجموعة كبيرة من الحواديت ، تظهرها على حقيقتها ، بدلًَا من محاولة تنقيحها لتظهر في صورة معينة فغرضه الأول بالأساس أن تصيب في القراء الانطباع الطبيعي لها وليس كما يجول في ذهن المؤلف.
فأبو الليل أراد أن ينقل الإبداع البسيط .
ثم استفسرت د.الخولي عن اختصاص النساء برواية الحواديت ، وأجاب د.أبو الليل أنه على الرغم من أن الرجال يملكون وقت قراغ أكثر من النساء، ولكنهم يعفون عن روايتها وذلك انطلاقا من منحى ديني أولًا، يعتبر فيه الحواديت من قبيل الخرافات والتي لا يصحها الدين ، وهناك منحى آخر متعلق بأن الحواديت للأطفال فقط لا تليق بمقامهم لأنها تمتلىء بالأحداث الغير معقولة والتي يرونها تستهين بعقول الكبار.
وعند هذه النقطة فتحت د.الخولي الباب للجمهور للإجابة عن سؤال طرحته متعلق بالحواديت التي أثرت في وجدانهم وهم صغار ليعلق عليها د.أبو الليل .
وكان هناك شبه اجماع من الحضور على حكاية"ست الحسن والجمال" واختلاف كبير حول قيمتها التعليمية للأطفال .
فرواها د.أبو الليل باختصار ، وهي أن ست الحسن والجمال عندما كانت تسير في الشارع كانت تعامل الكائنات معاملة حسنة، وعندما ألقت تحية الصباح على أبوقردان بأسلوب رقيق قال لها "ربنا يجعل بياضي في وشك ولا يجعله في عينيكي" ، ثم قابلت الغراب و ألقت عليه السلام فقال لها" ربنا يجعل سوادي في عينك ولا يجعله في وشك" وفعلًا عندما رجعت للمنزل كان دعاء الكائنين تحقق. وعلى العكس منها حدث لأختها . وكان من رأي د.أبو الليل أنها تعلم الطفل كيف يتعامل بطريقة رقيقة مع كل الكائنات الموجودة في الكون ما يعقل منها وما لا يعقل.
اعترضت احدى الحضور على هذا الكلام وقالت أن هذه القصة كانت مفزعة بالنسبة لها، حيث عندما كانت جدتها ترويها لها كانت تصف ست الحسن بأوصاف حسية جميلة لا تمتلكها المتحدثة مثل أن لها شعر أصفر طويل وأنها شاهقة البياض ، لدرجة أن المتحدثة اعتقدت أن الله يعاقبها على سمار بشرتها وأنها قبيحة ولا رجاء فيها.
كما أنها اعتبرتها شخصية منافقة، ففي تعاملها مع الغولة كانت تنافقها بحيث تضع بيديها حفنة من الأرز ثم تلتقط حشرات الغولة و"تمثل" أنها تأكلها بينما هي تأكل حبات "الأرز" ثم تقول لها " حشراتك حلوة قوي يا أمنا الغولة" . كما تنافقها وتخبرها أنها جميلة ..الخ
وكان الرد عليها من "دعاء صالح" باحثة في التراث وقالت بأن الموروث الشعبي استخدم الألفاظ الحسية للتعبير عن صلاح الإنسان ؛سببه أن الجمهور الذي يتلقى؛ ليس لديه القدرة على تمييز الصفات العليا ولذا فإن الراوية تضطر لاستخدام الصفات التي يسهل على الطفل حين يسمعها ادراك هل هذه الصفة مسيئة للإنسان أم جميلة له بالتبسيط الذي يناسب الأطفال. إذن لاضير من استخدام هذه الصفات الحسية.
كما أن الحدوتة لا تمدح هنا"النفاق "الذي حصل من جانب ست الحسن والجمال لصالح الغولة ولكنها تمدح "الذكاء في كيفية التصرف في الورطة" لأنها لو كانت تمدح النفاق لوصفت ست الحسن والجمال من البداية أنها شخصية متسلقة ولوضعت في موقف تريد فيه الحصول على مكاسب ليست من حقها بخداع من يسدي اليها جميلا ومن له سلطة عليها . ولكنها هنا لم تكن تريد أن تكسب شيئًا جديدًا وكل ما أرادته الخروج من مأزق خطف الغولة، كما أن الغولة هنا كائن شرير خطف ست الحسن ولم يكن يسدي إليها جميلا.
كما أن حكمة الحدوتة هي أن الإنسان يستطيع التعايش بسلام مع أقبح الكائنات ومع أكثرها ضررًا بالتعامل الحسن والأخلاق الرفيعة والذوق والاحترام .
واتفق معهاد.خالد ، الذي كرس وت الندوة المتبقي للإجابة حول سؤال د.نادية الهام جدًا وهو عن النماذج النسائية التي ظهرت في الحواديت الشعبية .. كم نسبة الحواديت التي أظهرتها في صورة مشرفة بالنسبة للحواديت التي أظهرتها في صورة مسيئة تحط من قدرها.
أجاب د.أبو الليل بأن الحواديت انتصرت لعدد من قضايا المرأة منها جرية المرأة في التعبير عن رأيها ومنها عدم التمييز بينا وبين اخوتها الذكور ومنها رجاحة عقل المرأة وأن ذكائها لا يقل عن الرجل في شيىء.
وذكر عددًا من النماذج منها شهرزاد ، والعديد من السيدات اللواتي ظهرن في قصة "أبو زيد الهلالي" مثل خضرة الشريفة والجازية، وأضاف بأن بعض البلدان تطلق على قصة الهلالي قصة "الجازية" بحيث تجعلها البطل الرئيسي وهذا تقديرًا لدورها .
كما أن "॥" كان لها ثلث الرأي ، والثلث الآخر لوالدها الملك ، والأخير لأبو زيد الهلالي ، أي أنها عوملت بالمساواة معهم।مما يدل على أن الحدوتة الشعبية لا تنتقص من حق المرأة.

وفي نهاية الندوة طلبت د.الخولي من د.أبو الليل أن يقص على الحضور احدى الحواديت ، ولكنه رفض وفضل أن يروي " مثل". وعلل ذلك بأنه أولًا الحضور من النساء والرجال الراشدين لن يكون مناسبًا له سماع حدوتة ، وهو بهذا يشير إلى معلومة ذكرها في كتابه تفيد بأن جمهور الحدوتة الرئيسي هو الأطفال حيث تمتلىء الحدوتة بالأحداث غير الواقعية. كما أن الحدوتة هي فن تبدع فيه السيدات أكثر من الرجال كما أن السياق العام لشكل الندوة لا يحتمل رواية حدوتة لأنها ستكون مفتعلة لا يهدف فيها الراوي لإمتاع الجمهور وتسليته وهو يفضل أن لا يجرح هذا الشرط من شروطها. اقتنعت الخولي بكلام أبو الليل وتركت له المجال ليروي مثلًا وهو الفن الذي يذكر المثل وقصته ، كما أنه يناسب الجمهور العاقل البالغ ويناسبه كرجل حيث يختص الرجال بهذا الفن في الوقت الذي تختص فيه السيدات بفن الحدوتة.

الاثنين، 12 يناير، 2009

المستشار طارق البشري يناقش ورقات د.كحيلة في الزمان الصعب






عقدت دار العين للنشر ندوة لمناقشة كتاب " ورقات في الزمان الصعب" لد.عبادة كحيلة والصادر عن الدار وذلك يوم 11 يناير 2009 . وناقش الكتاب المستشار الكبير طارق البشري وأدار الندوة د.فاطمة البودي .
في البداية قدم د.كحيلة عرضا للكتاب ، تحدث فيه باختصار عن الموضوعات الواردة فيه .
فبدايةً العنوان يدل على الزمان الذي نعيشه، وكانت هناك عبارة "الزمان الردىء" ولكني فضلت صفة" الصعب" لأن وصف الزمان بالردىء أصبح عتيقًا.
وأضاف د.كحيلة" أن هذا الكتاب عبارة عن منوعات. والكثير من كتابنا الكبار سلكوا هذا الاتجاه مثل طه حسين بكتابه "حديث الأربعاء " الذي كان عبارة عن مقالات لذا فأنا لم آتي بجديد . ربما كانت الموضوعات في كتابي والتي نشرت في الفترة من 2003 وحتى 2007 متفاوتة ،ولكن هناك خيط واحد يجمعها وهي أن لها علاقة على نحو ما بالزمان الصعب الذي نعيشه. والذي من معالمه العولمة القبيحة التي تستهدف مسخ هويتنا . وأغير في مقوله لينين التي تقول " الاستعمار أعلى مراحل الامبريالية" وأقول "العولمة أعلى مراحل الاستعمار" .
ثم أخذ د.كحيلة يعطي نبذات مختصرة عن مواضيع كتابه فالموضوع الأول الذي جال فيه هو عن ابن خلدون حيث يستعرض فيه تاريخ حياته ويحاول أن يقدم تعريفًا به وبرحلته شرقًا وغربًا. وفيه يوضح لنا حياته بالتفصيل ، يحكي عن كيفية انتقاله بين الأمصار المختلفة . ويتوقف قليلاً عند زيارته للقاهرة ورأيه فيها وفي أهلها وطبيعة شعبها .
لا يكتفي د. عبادة بذكر موجز للكتاب ، ولكنه يذكر ماله وماعليه ، فيذكر محاسنه ولا يخفي عيوبه التي يرى أن منها أن ملكة الوصف عنده خابية ،كما يأخذ عليه أيضاً ولعه بالاستطرادات اي تعور السياق بشكل لا يخدمه .أما الفصل الثاني فيفرده للحديث عن مكانه عبد الرحمن بن خلدون كمؤرخ .فيستفيض في وصف الفترة التي لاذ فيعا بقلعة بني سلامة بالمغرب الأوسط ،حيث انصرف إلى تأليف كتابه الشهير " العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " وهو الكتاب الذي يعرف اختصاراً ب"تاريخ ابن خلدون" .
ثم يستعرض الجدل المثار حول أسبقيةالكتابة بين كتاب ابن خلدون وبين مقدمته ، ويقدم الشواهد التي تجعل الكفة تميل لصالح الكتاب . حيث كتب المقدمة بعد الانتهاء من الكتاب
.ويحاول د. كحيلة الاجابة عن سؤال طرحه وهو " أين مكان ابن خلدون من علم التاريخ ؟" وذلك وهو متوخي الدقة ،فيعرض ما له ومعليه ،حتى لا يعطيه مكانة لا يسحقه وأيضا حتى لا يبخشه حقه
.أما الفصل الأهم في هذا الصدد فهو الفصل الثالث الذي يعني بمحاولة ايجاد اسقاطات من آراء ابن خلدون على ظواهر وقضايا زماننا وذلك تحت عنوان دال وهو " عبد الرحمن بن خلدون .. حاضر في زماننا" . حيث يتعرض فيه لفكرة ابن خلدون عن أسباب قيام الدول وفنائها. حيث يخيل ابن خلدون قام من مرقده وأخذ يتجول في شوار عالقاهرة ليجد ان ما تركه قديمًا مازال على حاله ، فيفضل مرة أخرى العودة إلى مرقده .
أما الموضوع الثاني الذي يتناوله د.كحيلة ،فهو عن جمال حمدان وذلك على مدار فصلين .أولاهما عن عروبة مصر في فكره ،والآخر في الدفاع عنه ضد النقد الموجه له من أحمد عباس صالح .يسير معنا الكاتب خطوة بخطوة ليقف على الشواهد والدلائل في فكر جمال حمدان بما يؤكد فكرة عروبة مصر .وهذه الشواهد لخصها في أن مصر لم تشهد هجرات أثرت في تكوينها العرقي أبدأً بخلاف الهجرة العربية التي كانت أول إضافة حقيقية إلى تكوين الشعب المصري ،كما كانت آخرها .كما أن هذه الهجرة لم تغير التركيبة الأساسية للسكان بشكل كبير ، لأن العنصر العربي يعود إلى أصل قاعدي واحد مشترك مع العرق المصري ، أي أن هناك قرابة جنسية .كما يؤكد حمدان على أهمية البعد الآسيوى لمصر "العربي أساساً " ،والذي يعتبره أهم أبعادها الحضارية ،فالنيل لا يجري في منتصف الصحراء ، إنما هو ينحاز إلى الشرق والدلتا مفتوحة على سيناء .كما يتميز هذا البعد بكونه بعد ارسال واستقبال معاً سواء على المستوى السياسي أو الحضاري أو التاريخي ،عكس البعد المتوسطي الذي يغلب عليه الاستقبال فقط .كما أن أعظم أمجاد مصر الوطنية تحققت في إطار القومية الكبير ،فتوسع القرن التاسع عشر أكبر من توسع الفراعنة ،وأعظم معارك مصر لم تكن معارك تحوتمس ورمسيس ، إنما كانت معارك صلاح الدين وقطز وبيبرس ..ومحمد علي .وفي الفصل الأخير في هذا الصدد والمعنون ب "متى نكف عن جحد العلماء " .يتعرض د.كحيلة بالتفنيد لكلام أحمد عباس صالح ،الذي يطعن في أساس فكرة كتاب حمدان " شخصية مصر " حيث يتهمه بأن مصر عنده فكرة غيبية هلامية لا علاقة بها بالمصريين . ويرد كحيلة عليه بأنه ليس مطلوباً من الجغرافي أن يكتب عن شخصية شعب ما فهذا من شأن المؤرخين وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والفولكلور ، المطلوب منه فقط أن يكتب عن شخصية وطن ما ،وهذا ما نهض به حمدان في مصر ونهض به جغرافيون غيره مثل زيجفريد وماكيندر في أقطار أخرى غير مصر .ومطعن آخر لحمدان موجه من عباس أحمد صالح متمثل في مغالاته من وجهة نظره ،في تأثر البيئة الجغرافية ،ويرد د.كحيلة على هذا الرأي بأنه في المراحل المبكرة من الحضارة الإنسانية تكون الجغرافيا هي العامل الأهم في نشأة هذه الحضارة وفي تطورها ،ومن خلالها يمكن أن نفسر العديد من وقائع التاريخ ،فالامكانات المحدودة للإنسان في تلك المرحلة كانت أدنى من أن يتحكم في البيئة حوله .هذه الإمكانات المحدودة كانت تنمو على نحو وئيد ،ولم يقدر لها أن يصبح لها شأنها إلا مع مطالع العصر الحديث ، أي قبل مئات قليلة من السنين ،ورغما عما جرى من تطورات هائلة في العلوم وتطبيقاتها على عصرنا هذا الذي نعيشه ،فما تزال الجغرافيا عنصراُ فاعلاً بين جملة أخرى من العناصر الفاعلة .كما فند اتهام آخر له متعلق بتوقيت كتابة "شخصية مصر " ،حيث اتهمه عباس أحمد صالح بأنه كتبه بعد هزيمة 1967 ،وما أحدثته من إحباط مفاجىء بلغ حد اليأس وكراهية الذات لدى غالبية المصريين ،وأنه في مثل هذه الظروف يكون رد الفعل إما بمواجهة كل ما حدث ونقده واكتشاف الأخطاء ،وإما بتقوية العزيمة بالإعتزاز بالنفس وبتاريخها وبث الحماسة في النفوس ،وخطورة الاتجاه الثاني هو أن تنسب الهزيمة للقوى التاريخية ويتولد نوع من المكابرة وتجاهل الأسباب الحقيقية . وعليه جاء كتاب حمدان بالحل الثاني ليعيد الثقة إلى المصريين .هذا الكلام يعتبره د. كحيلة لا محل له من الإعراب ولا علاقة له بالتحليل النفسي ولا أي تحليل آخر غير نفسي ،لسبب بسيط هو أن "حمدان " انتهى من تأليف كتابه "في طبعته الأولى "قبيل هزيمة 1967 . أي أنه ليس ردة فعل لهذه الهزيمة .......أما الموضوع الثالث فيتطرق فيه لسيرة رؤوف عباس الذاتية المعنونة ب"ومشيناها خطى " وهوالكتاب الذي أثار ضجة داخل وطنه وخارجه .يقوم د. كحيلة بعمل موجز لهذه السيرة ،بشكل يوضح ملامح رؤوف عباس كشخص ،وبشكل يضعه نموذجاً للمثقف الذي يقف في وجه الفساد ،وأستاذ الجامعة الذي يتصدي لطغيان جوقة الأساتذة المنافقين .....وهنا يترك د.كحيلة كل هذه الشخصيات ، ويتحول لموضوع يراه مهماً وهو عن الرقيق في العصور القديمة وذلك حسب ما ورد في كتاب ل "أحمد فؤاد بلبع " .يحاول الكاتب تتبع تاريخ الرق وأسباب ظهوره ،حيث ارتبط بالمرحلة التاريخية التي مال الإنسان فيها إلى الاستقرار بعد اختراع الزراعة واكتشاف المعادن حيث عندها اضطر لبذل جهد كبير لتأمين ما يحتاجه . وهنا فكر في استغلال المنهزم في الصراعات في استثماره كقوة عمل .ومن هنا ظهر الرق . ثم أخذ يعدد المصادر الأساسية للرق بعد ذلك ،والتي منها أسرى الحرب ،أو حيازتهم عن طريق الاختطاف .كما يوضح لمواقف الحضارات والديانات المختلفة من الرق .كما يتعرض لآراء بعض المفكرين والفلاسفة الذين دلوا بدلوهم في هذا الصدد مثل أرسطو الذي اعتبر الرق سنة من سنن الكون .
ما يفتح د.كحيلة موضوعاً عزيزاً على قلبه وهو مخاطر العولمة على بلدان العالم الثالث ،وذلك من خلال عرضه لكتاب "دكتاتورية رأس المال "للمفكر المصري "أديب ديمتري" .
ثم يتحدث د.كحيلة عن مقال آخر له عن مكتبة الاسكندرية القديمةو ، كما يفرد بعض اللحظات للحديث عن "نبيل الهلالي" والذي سماه بالخائن النبيل ، لأنه خان أهله من الأثرياء وذوي السلطة والنفوذ ، ولم يكن أمينًا لطبقته التي ابتعد عنها وانحاز لصالح قضايا العدالة وحقوق الفقراء .
....
وفي كلمة المستشار طارق البشري أثنى على مجهودات د.كحيلة في البحث التاريخي وخصوصُا كتاباته في التاريخ الأندلسي والتي لها أهمية خاصة. ثم يتحدث عن الكتاب محل المناقشة ، ويقول " كتابه الحالي هو كتاب " في الجاريات من الأمور " وليس كما اعتاد أن يكتب في التاريخ ،ومع ذلك فإننا نلمح فيها حس المؤرخ لأنه قادر على التقاط الخطوط العامة من التفاصيل الصغيرة ، حيث تكون الأحداث كلها أمامه كاملة متكاملة فيسطيع تقديرها تقدير موضوعي ، بعكس السياسي الذي يكون هو نفسه جزءًا من صناعة الحدث فلا يراه أمامه كاملًا ولذلك تكون أحكامه في بعض الأوقات غير موضوعية وغير صائبة.
وهذا الكتاب_أي ورقات_يمتلك حس المؤرخ وأنا أثني على اختياراته التي تتعلق جميعها بقضايا وطنية أو بقضية العدالة والفقراء أو الدفاع عن العروبة .
وعن مقدمة الكتاب يقول " المقدمة تتحدث عن الأحوال الجارية، وهي توضح الموقف المعارض الذي يتخذه د.كحيلة ضد الحكومة حيث يبدأها بقوله أنه لم يعد يحتمل الوضع الذي لا ينتمي إليه. ثم يتكلم عن ظاهرة تآكل الطبقة الوسطى ،وكبار السن يلاحظون هذه المشكلة جيدًا حيث أنهم وعوا على المراحل المختلفة لصعود الطبقى الوسطى ؛وعوا عليها وهي متماسكة وتستطيع أن تكون حائط الصد فيما يخالف تقاليد المجتمع ن ثم شاهدوها وهي تنهار أماهم .
ومعنى التآكل هو التفكك، الفردية بدلًا من الجماعية؛ الاهتمام بالحياة اليومية العابرة بدلًا من نظرة الأفق البعيد ؛ الاهتمام بالحسيات بدلًا من الروحانيات . وعلينا أن نعرف سبب هذا التآكل حتى نستطيع أن نعرف لماذا فقدناها.
وقد يقول القارىء ما هي علاقة المقدمة بالكتاب، وأنا أقول أن الرابط بينهما أن المقدمة تعبر عن رأيه في الحاضر أما الكاتب فيستعرض فيه نتفًا من الماضي.

ويضيف البشري" لفتتي نقطة في اختيارات كحيلة؛ وهي أن الشخصيات التي تكلم عنها سواء أحمد فؤاد بلبع أو أحمد نبيل الهلالي أو جمال حمدان أو رؤوف عباس تتسم جميعها بالتميز في مجالاتهم فضلًا عن اتصافهم بشيء من إنكار الذات وعدم الاهتمام لا بالشهرة ولا بالمال.
وأنا لي تعليق على" أحمد نبيل الهلالي" وهذا التعليق يمككنني أن أعتبره كلمة حق في حق والده والذي كان رئيس وزراء مصر في فترة ما. حيث قال الجميع عندما توفى أحمد نبيل ، أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب ، وفي هذا القول عدم انصاف لوالده الذي لا يصح أن نضعه في خانة الأغنياء وكفى ، ولكنه كان من رجال الوفد الشرفاءوكان عالمًا في القانوان وكان سلوكه المهني على مستوى رفيع من الالتزام بالموضوعية. وهو لا يمثل كبار الملاك الزراعيين في مصر بقدر ما ينتمي إلى فئة المثقفين.
وهنا علق د.كحيلة بقوله" أنه منذ أن كان يعمل محررًا ثقافيًا" كانت معظم كتاباته عن شخصيات بعيدة عن السلطة أو الثروة ،وهذا ما وطد علاقته بشخص مثل جمال حمدان ،فهو أول شخص كتب عنه في عام 1969 والذي شده فيه بعده عن السلطة ،وعندما زار شقته في الدقي كان يجدها عارية الأثاث ،الشيء الوحيد المتوافر فيها بكثرة هي كتبه."
ويكمل د.البشري "وبصراحة هناك كلمة أخرى أحب أن أقولها ، لقد فند د.كحيلة في كتابه انتقادات عباس صالح لجمال حمدان ، ولكني أحب أن أضيف أن عباس صالح خضع بدوره لمظلة النقد الماركسي والذي كان شائعًا وقتها، إذن فإن انتقاداته لجمل حمدان كانت ناتجة عن تأثيرات من هذا الفكر.
وفيما يتعلق ب" أحمد فؤاد بلبع" فهو من المحققين والمترجمين الذين نعتز بهم . حيث يجب أن يتحلى المحقق والمترجم بدرجة عالية من انكار الذات حيث يقدم مادة ليست ملكه.
كما أمنت د.فاطمة على أهمية دور المترجم والمحقق الذين يجب أن نلقي الضوء على المتميزين منهم مثلما فعل د.كحيلة الذي قال بأن د.بلبع كان يحقق نصوصًا يرجع تاريخها ل150 سنة وفي هذا الكثير من الجهد عليه لا يتحمله كل المحققين،وكل هذا في سبيل خدمة العلم.
وهو رجل مظلوم خرج من المعتقل وترجم عشرا الكتب وكلها ترجمات ممتازة ولم تكرمه الدولة ولم يأخذ حقه.
..
أما د.عبد المنعم عبيد فقال أنه بحكم مهنته كطبيب فإنه يقسم الإنسان لأعضاء وأنسج؛ وعليه فإنه يعتبر أن د.كحيلة من الأنسجة الضامة؛" حيث يقدم الجزء الوطني لليسار المصري؛ والذي سيعرف قيمته عندما تنهار الفقاعة الأمريكية ومعها الفقاعة العربية.كما ان اختيارات د.عبادة فيالترجمة هي اختيارات للزمن الصعب.
وأريد أن أعلق علىكلام المستشار البشري الذي قال أنه لم يعد هناك طبقة وسطى في صر ، ولكنني أقول أنها موجودة وتتوسع ولكنها لم تعد تمارس دورها الاجتماعي والإصلاحي في البلد. فمصر دخلت في عصر "اللاشيء" ؛ عصر هلامي تتشكل فيه الطبقات بحكم العولمة وبحكم تدخل الدول الأجنبية. الطبقة الوسطة مخصص لها 1.3 مليون عسكري أمن مركزي.
أما الطبقة الفقيرة فأكتفي بذكر واقعة عنها ، فانا في عمارتي عندنا 3 "سياس" واحد منهم أخبرني أنه لم يتعلم أي شيء والآخر معه دبلوم صنايع ولكنه لا يفقه من أمره شيئًا. والآخر قضى 6 سنوات في معهد أزهري ولكنه لا يستطيع القراءة والكتابة.
الطبقة الوسطى تفكر بنظرية " أنا عاوز أعيش" وتسير بمبدأ"أحيني النهاردة وموتني بكرة". فهي موجودة ولكنها ليست مترابطة وليس لها دور ؛ إنها تمشي جنب الحيط .
ومن جانبه علق د.كحيلة بأن وجود طبقة وسطى هو أمر هام جدًا لأنه مثلا كان من أكبر العوامل التي ساعدت على استقرار أمريكا هو وجود طبقة وسطى بها لا تقل عن 50% .
والطبقة الوسطى في مصر موجودة ولكنها منزوعة "الإنسان" . وكل فرد من أفرادها يبحث عن الخلاص الفردي ".
...
أما د.مصطفى فهمي فقد وجه سؤالا إلى د.كحيلة الذي تكلم عن قوة حضور الأخوان في مقدمة الكتاب ، ولكنه لم يحدد موقفه من وجودهم .
ومن جانبه كان رد د.كحيلة"أنا لا أنتمي للإخوان،مع أن والدي كان منهم. ولكن عندي رأي بخصوصهم وهو أنه يجب اعطائهم الفرصة ليعبروا عن أنفسهم.فالإخوان موجودن شئنا أم أبينا فلنعترف بهم وليكن لهم حزبهم الخاص فهم أحد مكونات الشعب المصري.
الأمر الآخر الذي يدعوني للاعتراف بهم هو :ما الذي ترتب على الاضطهاد المتواصل لهم ،وتعذيبهم في السجون ؛ وقف بجانبهم الشعب المصري في الانتخابات الأخيرة وفازوا ب88 مقعدًا وكانت هناك احتمالات للزيادة لولا تدخل الحكومة في المرحلة الثالثة.
إذن فهم قدرنا .. لابد أن نتعامل مع هذه الحقيقة، أما من يتكم عن احتمالات وصولهم للسلطة فأقول له أن ذلك صعب، لتغير الزمن.


صاحب الطواحين .... وداعًا


تنعي أسرة دار العين للنشر الكاتب الكبير يوسف أبو رية والذي انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم 12 يناير 2009
وترثى لفقد الأمة العربية واحد من أهم أدبائها ومثقفيها
ويوسف أبو رية هو كاتب وروائى من جيل الستينيات قدم أكثر من مجموعة قصصية وروائية.
ولد في في 2 يناير 1955 بمدينة ههيا محافظة الشرقية. وحاصل على بكالوريوس إعلام ،قسم صحافة ونشر ،جامعة القاهرة ،عام1977. وكان يشغل منصب كبير أخصائيين بدرجة مدير عام بالمركز القومى للبحوث.

المؤلفات: صدرت له ست مجموعات قصصية هى:
الضحى العالى، عام 1985.
عكس الريح، عام 1987.
وش الفجر، عام 1993.
ترنيمة للدار، عام 1995.
طلل النار، عام 1997.
شتاء العرى، عام 2003.

- صدرت له خمس روايات هى:
عطش الصبار، عام 1998.
تل الهوى، عام 1999.
الجزيرة البيضاء، عام 2000.
ليلة عرس، عام 2002.
عاشق الحى، عام 2005.
صمت الطواحين عام 2006 والطبعة الثانية 2008


- إصدار للأطفال:
خبز الصفار، عام 1988.
أسد السيرك، عام 1989.
طفولة الكلمات، عام 1995.
الأيام الأخيرة للجمل، عام 1998.
هكذا تكلمت الأشياء ، عام 2004.
الورد جميل، عام 2003.
مغامرات ماركوبولو، عام 2005.
أحلام عنترة (رواية للأطفال).
حقل صغير (قصص للأطفال).

ترجمات :
- ترجمت قصصه إلى الإنجليزية ترجمه دينس جونسون ديفز، الأولى، عام 1979.
- ترجمت قصصه إلى الإنجليزية ترجمه دينس جونسون ديفز، الثانية، عام 2000.
- ترجمت قصصه إلى الألمانية، (مختارات القصة المصرية القصيرة) ترجمة دوريس كلياس، الأولى، عام 1989.
- ترجمت قصصه إلى الألمانية، ترجمه المستشرق السويسرى هارتموت فانيدرتش، الثانية، عام 1991.
...
للمزيد عن يوسف أبو رية يمكن مطالعة حواره في الشرق الأوسط والذي تحدث فيه عن نشأته وكيف أثرت الأجواء الريفية التي عاش فيها على جميع أعماله بعد ذلك .

الأحد، 11 يناير، 2009

دار العين تدخل "مدينة اللذة" لعزت القمحاوي ..


صدر حديثًا عن دار العين للنشر في يناير 2009 رواية "مدينة اللذة " لعزت القمحاوي .
عندما تم نشرها مسلسة في أخبار الأدب ، تلقت استحسان العديد من النقاد عنها ، منهم جمال الغيطاني الذي قال عنها :
" تنتمي إلى كتابة جديدة ورؤية أجد، تمتزج فيها الأصالة بالمعاصرة، والثقافة الخفية السارية باللغة الحديثة المتدفقة، وهذه الرواية تمثل صوتا قويا متميزا ، تواكبه أصوات أخرى في الساحة الأدبية الآن تؤسس لكتابة جديدة ورؤى يمكنها أن تستوعب هموم الإنسان والواقع وتعبر عن نفسها بطرق مختلفة."
كما يعتبرها الكاتب فتحي أبورفيعة في كتابه "تفكيك الرواية" علامة فارقة في فن الفص العربي حيث :
"يقتحم بها عزت القمحاوي هذه الساحة شاهرا سيفه في جرأة نادرة وقدرة متفردة، مما يجعلها نصا بالغ الدقة والإحكام والحساسية. إنه نص تشعر للوهلة الأولى أنه نص مشحون بفلطية عالية High voltage تجعل الإقتراب منه أمرا محفوفا بالمخاطر إن لم يكن على القارئ فعلى المؤلف الذي يقتحم في جرأة مفتقدة وفي تمكن غير عادي تخوما مغلقة، أو مسورة، وفي مجالات تتجاوز السياسي والاجتماعي إلى الفكري والعقلاني بل والديني. ذلك أن هذه الأسوار تحجب وراءها تراكمات عفى عليها الزمن من التخلف والتواكل والعفن والزيف أدت بدورها إلى حالة من التفسخ والعهر تنبئ بالتفجر وبحدوث "طوفان يغرق المدينة".
مدينة اللذة" من جهة أخرى هي نص من النصوص التي يصفها رولان بارت بأنها تفرض عليك إحساسا بالفقد، نص يقلق القارئ، ويهز افتراضاته التاريخية والثقافية والنفسية المسلم بها، ونص يدفع بالعلاقة بين القارئ واللغة إلى مستوى الأزمة"
أما سمير الفيل ، فيعتقد أنه لا يمكن طرح قضية التجريب السردي في مصر دون التعرض لتجربة عزت القمحاوي " التي تحقق الكثير من الخصوصية عبر العوالم التي يطرقها، والرؤى التي يحقق من خلالها الشرط الجمالي حيث أنه يؤسس مشروعه الروائي على فكرة اللعب الفني الجميل عبر الأسطورة من ناحية وبالتعاضد مع قوة المخيلة التصويرية من ناحية ثانية.إنه يبني رؤيته للعالم انطلاقا من رؤيته الأسطورية التي يوظفها بصورة بارعة كي يحقق عنصري الابتكار والمفارقة مع واقع رث، متشظ، غير محتمل، وبتحديد مفهومه للزمن وتفتته، ومن ثم نراه يقوم بعملية محو وإضافة ، كما ينشط في تعديل النسب، وتحوير الأمكنة من خلال لغة رقيقة منسابة قادرة على الحفر بدأب في جيولوجيا السرد، والتوغل في أعماق التاريخ بنظرة نافذة موظفاً عشرات العناصر والموتيفات فكأنك تدخل حديقة لم يطأها سارد قبله."
ونقدم لكم كلمة ظهر الغلاف ، وهي في نفس الوقت عبارة عن شهادات بعض النقاد عن الرواية :
مدينة اللذة تدوين لرحلة الإنسان، من الطفولة، إلى العبودية، إلى الحلم بعالم جميل.
د.سعيد الوكيل "الجسد في الرواية العربية"
رواية لا تنتمي للروايات السابقة وإنما تبحث عن مشروعها الخاص
د. شعيب حليفي "ورقة في مختبر السرديات بالدار البيضاء"
تؤسس لطبيعة الشفرة الروائية وقواعد الإحالة المراوغة إلى كل ما عداها من المدن.
د.صبري حافظ/ مجلة "المصور" 9/1/1998
بخفة الثعبان الذي يخاف ويخيف، يستعير القمحاوي لغة المدينة، ليواجهها بأساطيرها نازعاً عنها عباءتها التي لاتستر عورة.
عبد الرحمن الأبنودي "آخر الليل .. الكتابات النثرية"
هجائية جديدة ـ تستعين باللغة التراثية الصافية ـ لواحدة من مدن الملح المنتشرة في صحارينا العربية.
فاروق عبدالقادر "المصور" 1/1/1999
تصدر القيمة الفنية لـ "مدينة اللذة" عن قدرتها على بناء عالم هجائي، وتتوسل الأدوات التي تحسن بناءه.
د. فيصل درّاج / جريدة "أخبار الأدب" 15/3/1998
لم تمنع السخرية المؤلف من إبراز الوجه النقيض للذة بصيغة القص الفاتن المستند إلى إسقاطات من صور الجنة.
كريم أبو حلاوة / جريدة "الثورة " السورية 21/2/1999
رواية الأفق الحر الذي لايعرف للزمن قيوداً ولا للمكان حدوداً.
د. محمد عبد المطلب "بلاغة السرد "
إنها مدينة العجائب التي تبدو الحقائق فيها ظلالاً لحقائق أخرى.
نبيل سليمان "الكتابة والاستجابة"