السبت، 31 يناير، 2009

مجتزأ .. من " الأرملة تكتب الخطابات سرًا"


الحلم لا يختلف كثيرا عما تفعله الأرملةُ المسنة .. فقبل ثلاث سنوات اتخذت مهنتها المعلنة كمدرسةٍ للغة العربية شكلاً آخر .. منح حياتها رعشة كانت بحاجة إليها ، كما منح يدها الفرصة لتعبِّر عن بلاغتها القديمة التي لم تسنح لها الفرصة من قبل للتعبير عنها .
في وقت متأخر جداً من حياتها ، اكتشفت ما يتعين عليها فعله حقيقةً في هذه الدنيا : أن تكتب خطابات غرامية ملتهبة لمُراهقات المدينة .. ليرسلنها إلى المُحبين ، مشفوعةً بأمنياتها الصادقة بحسن الطالع .
" بعد أن أستمع إلى حكاية كل واحدة ، و أحدد ـ بدقة ـ ما الذي عليها أن تكتبه .. و الأسلوب الملائم لشخصيتها و للشخص الذي تحبه ..سأشرع في كتابة الخطابات أولاً بخطي المنمق الجميل ، ثم أعطيها للفتيات ليُعِدن كتابتها بخطهن ".
هذا ما قالته الأرملة لنفسها . فكرت أن هذه المهنة تشبه ـ إلى حد بعيد ـ مهنتها كمدرسة ، مع فارق واحد يجعلها أمتع ..أنها هذه المرة في الخفاء .
بطريقة تفكير عملية بدأت تحصي الأشياء القليلة التي كانت لا تزال تربطها بالحياة : أنفاسها ، و صَفَّيْ أسنان مكتملين ناصعي البياض ، و يداً لا تزال تعمل .
كانت في نظر الجيران مجرد امرأة تنتظر الموت ، ترتدي على الدوام فساتين حداد سوداء ، لا تخلو من زهور لم تكن مرئية ـ رغم أنها مطرزةٌ بعناية ودقة ـ ذلك أن الزهور كانت سوداء أيضاً . لم يكن يخطر على بال أحد أن مثل هذه المرأة لا تزال تحتفظ بقلب مراهقةٍ تتهيأ للحب .. و لم يلحظ أحد أنها على الرغم من جسدها الشائخ ، فإن شفتيها كانتا لا تزالان مشدودتين .
كانت تعمل في رتابة ، مع مجموعات البنات غير المنتهية و التي أثارت حسد الجيران ، و في المساء تفتح الكراريس لتتسلى بتقييم تلميذاتها الصغيرات. ذات ليلة، وجدت خطاباً نائماً في كراسة فتاة . قرأته مندهشة ، و رغم ذلك أزعجتها ركاكته و عباراته غير المعبرة . كانت ملك امرأة لا تتهاون أبداً مع جمال الأسلوب و رصانته. لكي تتسلى ، بدأت تكتبه بالطريقة التي وجدتها مثالية ، محافظةً على المعاني الماثلة فيه. استغرق ذلك وقتاً ليس بالقليل .. و لكنها شعرت بمتعة سوداء. و نامت لأول مرة دون أن تنهي تصحيح الكراسات .
في الصباح التالي استيقظت ممتلئةً بما حدث. خرجت إلى البلكونة ، كان الصباح مظلما كأنه الليل . رأت أسراب فتيات في ملابس كحلية و بيضاء ، يتضاحكن ، و على شعورهن أحجبة مرتجلة . تحسست شعرها المطلق بقدر من الخجل .
قالت : بعضهن يحملن تلك التليفونات الصغيرة ، يتحدثن في أي وقت ، و يكتبن الرسائل أيضاً . أصابها حديثها ذاك لنفسها بشيء من الإحباط ، و لكنها عادت : ليس هناك ما يعوض خطابا كتبته يدك تلك ، وفردت كف يدها اليمنى أمامها في الشبورة الصباحية، فلم تر سوى بريق الخاتم الذهبي الغليظ. قربتها قليلا ، ورأتها مزرقة وشاحبة كأنها سبقت جسدها إلى الموت. غالبت الحسرة قائلة : هل تستطيع واحدة من هؤلاء أن تكتب ثلاث أو أربع ورقات على هذه الشاشة البخيلة ؟ إنها تصلح فقط للاتفاق على موعد أو لتوضيح موقف عابر. هؤلاء الفتيات بحاجة لمساعدة.. و لعلهن يفعلن ذلك بالفعل . داخل هذه الحقائب تنام أشواقهن .
قالت لنفسها : لقد كنت أرى أشياء مثل تلك في شبابي.. في فصول البنات ، عندما ألمح خطابات غرامية في الكراريس ، و في طيات الحقائب المدرسية .. غير أنني كنت قاسية للغاية . كنت أعاقبهن أو على أفضل تقدير أطالبهن بالاقلاع عن ذلك . رغم أنني كنت أتبادل خطابات لا تقل سذاجة مع شاب ! . لقد أحبطت آمال كثيرات بتمزيق أوراقهن و باستدعاء الآباء ، و لو فعلت ذلك الآن ، فسيكون تكفيراً غريباً مع حفيدات هؤلاء الطالبات بالذات ! .
غابت في وجل غامض ، و امتلأت عيناها الواسعتان بالدموع : كثيرات منهن عشن مع رجال لم يكن يحببهن .. و رغم أن القدر هو من يتسبب في ذلك .. إلا أنني ساعدته بكل الطرق ! .
في هذه اللحظة فقط تجرأت، و قررت أن تفض الحقيبة الصغيرة التي لم تفتحها منذ سنوات طويلة ، منذ تزوجت .
استبقت الفتاة بعد أن أنهت الحصة التالية ، ووبختها ، و لكنها كافأتها سراً .. فقد كان خطابها النموذجي نائماً في كراستها . أدركت الفتاة ذلك الجميل الأمومي ، و استمرت في فعلتها مانحة الأرملة الفرصة التي كانت تموت من أجلها. و لم ينقض وقت طويل حتى كانت العدوى السرية تنتقل لكراسات أخرى ، و التواطؤ الخفي يتخذ ــ يوماً بعد آخر ــ شكل اتفاق معلن .
ظهرت الشمس في اليوم التالي ، و جف الخطاب.
عندما اقتربت منه تأكدت أنه تحول إلى حطام .. و لكنها بمجرد أن أمسكت به و قربته من عينيها ارتعدت و كادت تقع .
ماالذي حدث ؟ لقد ظنت ملك أن ماتفعله منذ سنوات سيكون سرها الأخير الذي يجب أن تحافظ عليه إلى أن تغادر العالم . الآن هناك هذا الخطاب الذي باغتها هذا الصباح ، فقط ليوقظ الذكرى .
من أرسله ؟ و لماذا فعل ذلك ؟ . كانت الأسئلة تقتل ملك . و كان سؤال آخر يسيطر عليها منذ عادت للمدينة : أين هذا الحبيب ؟ . فتشت عنه في كل ركن ، وسألت كل من يمكن أن تسأله . و لكن أحدا لم يجبها .. كأنه تبخر.
جاء الخطاب ليكمل ماضيها فجأة ، و ليجعلها تتأمل من جديد خطاباتها القديمة بعين أخرى. كانت مدينة لمهنتها الجديدة بإخراج هذه الخطابات من حقيبة اليد المهملة، والتي ظلت دائما نائمة في عتمة دولاب زواجها .
عندما بدأت عملها ، و لكي لا تقع في أخطائها القديمة ، أخرجت كل خطابات غرامها المفقود و أعادت قراءتها . كاد الحنين أن يهزمها ، بينما تستنشق رائحة الخسارات التي غادرت الحقيبة المهترئة لتغمر غرفة نومها ..و لكنها قاومته بالنظرة الصارمة لامرأة ستحدد مصير أخريات .
بعد دقائق كانت الخطابات تفترش الملاءة ، بكل تراب السنوات التي علقت بتجاعيد الوريقات المسطرة .هالها ما وجدته في الخطابات من سذاجة وقلة حيلة وافتقاد لأبسط مباديء الحكمة و حسن التصرف .. و حمدت الله أن حبيبها الأول ـ والوحيد في الحقيقة ـ أعادها لها عند الفراق كنوع من الشرف .. كما حمدت الله أنها لم تحرقها انتقاماً من قلبها ، و احتفظت بها دائماً كعبء حقيقي كان هو المسئولية الوحيدة التي نجحت في تحملها بامتداد عمر عامر بالإخفاقات .اكتفت دائماً بقراءتها كطقسٍ سري أثناء زواجها من رجل لم تحبه أبداً ـ و لم تكرهه أيضاً ـ و هو ، من وجهة نظرها ، الأسوأ . لذا ، قررت أن تكون أول نصيحة تهديها لفتاة هي : " إذا فشلتِ في الزواج من رجل تحبيه ॥ تزوجي من رجل تكرهيه .. لكن إياك و الزواج من رجل لا تحملين له مشاعر خاصة .. لأن يوماً سيأتي عليك لتكتشفي أنك لاتملكين في حياتك ما يصلح للتذكر " .
.........
مجتزأ من رواية " الأرملة تكتب الخطابات سرًا"
طارق إمام
صادرة حديثًا عن العين للنشر
يناير 2009

ليست هناك تعليقات: