الأحد، 18 يناير، 2009

أخبار الأدب : أسوأ عام ثقافي لرحيل يوسف أبو رية ومحمود العالم


السبت الماضي غيب الموت محمود أمين العالم وصباح الاثنين مات يوسف أبو رية. بثمانية وأربعين ساعة سبق الناقد الروائي إلي الراحة الأبدية، بينما كان قد سبقه إلي تعب الحياة بثلاثة وثلاثين عاما.
رحيلهما مفتتح سيء لعام جديد، بعد سنة وصفت بأنها الأسوأ بسبب عدد الراحلين خلالها.
وليس الموت وحده ما يجمع بين العالم وأبو رية، بل العيش والرحيل بكرامة وبقامة منتصبة، في زمن الانكسار.
....
المفكر والناقد محمود أمين العالمِ الذي رحل عن دنيانا عن ست وثمانين عاما قضي قسطا وافرا منها في السجون، ترك وراءة نحو عشرين كتابا وديوان شعر ومئات المقالات، والكثير من الاحترام والحب.
لكن من المؤكد أن الصورة التي ستبقي من محمود أمين العالم لدي جميع من عرفوه هي الابتسامة الواسعة التي لم تفارقه في أحلك الظروف.
للعالم ديوانا شعر هما "قراءة في جدران زنزانة" و"أغنية الإنسان" وهما، إن لم يعد أحد يذكرهما، يمثلان رحلة حياة المفكر والمناضل، الذي لم يكف يوما عن الغناء للإنسان بطريقته، ولم يكف عن الحلم.
شيوعي بقلب متصوف، والتصوف، لا الرؤية الأيديولوجية، هو الذي جعله علي مسافة من مغريات السلطة، علي الرغم من أنه لم ينظر إلي مؤسسات الدولة برفض تام. عمل موظفا إداريا في وزارة التربية والتعليم أثناء دراسته في قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) قبل أن يعين معيدا بها وينجز أطروحة ماجستير في "فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية" عام 1954، وهو ذات العام الذي فصل فيه من الجامعة مع عدد من أساتذتها، ليعمل في إعطاء دروس تقوية في الفلسفة قبل أن يبدأ العمل بالصحافة ويكتب مقاله الشهير مع صديقه عبدالعظيم أنيس يردان فيه علي مقال لطه حسين في جريدة الجمهورية حول مفهوم الأدب، وكان المقال بداية معركة أدبية تردد صداها في العالم العربي كله، وبداية لرحلة العالم مع الصحافة الأدبية والسياسية، تنقل فيها بين دار روزاليوسف والتحرير وأخبار اليوم، التي تولي رئاسة مجلس إدارتها، وكان بين هذه المحطات ضيافات علي السجون، قبل أن يسافر إلي إكسفورد للتدريس بها، ثم إلي باريس بطلب من صديقه الراحل جاك بيرك، حيث عين في جامعة باريس وظل بها منذ 1973 إلي 1984. وخلال تلك الفترة أصدر مع عدد من رفاقه مجلة "اليسار العربي" وعندما عاد إلي مصر أنشأ الكتاب غير الدوري "قضايا فكرية"
تاريخ طويل من الكتابة والعمل، في مناصب كبيرة، ولم يسع طوال حياته إلي امتلاك شيء مما أزاغ أبصار عشرات المثقفين، ولهذا تحول قرار فرض الحراسة علي أمواله إلي نكتة!

يوسف أبو رية، الذي دخل الحياة وخرج منها بعد العالم، متصوف بطريقته أيضا। المولود في 2 فراير 1952في ههيا بالشرقية تخرج في كلية الإعلام عام 1977، وبعد تجارب كتابة في بعض الصحف، آثر الابتعاد عن مهنة البحث عن المتاعب، وفضل عليها الوظيفة المنضبطة التوقيت في قسم الإعلام بالمركز القومي للبحوث العلمية।

....
وبعد نشاط سياسي حافل بدأ أبو رية يركز علي الكتابة، في فترة أغلقت فيها المجلات الأدبية، التي عوضتها مجلات الماستر، وفيها نشر يوسف قصصه إلي أن أصدر مجموعته الأولي "الضحي العالي" عام 1985، التي كانت بداية لقائمة ضمت ست مجموعات قصصية متميزة، بينما كانت "عطش الصبار" عام 1989أولي رواياته، في عقد من سبع روايات آخرها "ليالي البانجو" التي لم تصدر بعد وننشر فصولا منها في هذا العدد.
لم يكن يوسف أبو رية منعزلا، لكنه اختار لحياته إيقاعا هادئا، وضع الدنيا علي مسافة من بابه، لكن المرض الغادر اقتحم كبده منذ ستة أشهر. وبني يوسف مقبرة جديدة علي الرغم من وجود مقابر الأسرة، وكان سعيدا بها وبشجرات زرعها أمامها، علي الرغم من وجود مقابر الأسرة. ولم يكن هذا قرارا بالموت، لكن هكذا فكر. بينما كان يضمر الحياة حتي اللحظة الأخيرة، وآثر أن يحتفظ بصراعه مع المرض سرا، وعندما أصبح لا مفر من الإعلان، أطلع يوسف أصدقاءه وعائلته علي المرض الذي كان يتطلب جراحة زرع فص من الكبد.
والدولة التي تأتي متأخرة، أو لا تأتي علي الإطلاق، لم تمتلك أذنا تستمع للنداءات، هنا في أخبار الأدب، وفي الصحف الأخري، وفي التليفزيون عبر الإعلامي محمود سعد، وبرامج أخري. ووقفت عائلة أبو رية معه بصلابة، لإجراء الجراحة دون مساعدة من أحد، وتسابق أبناء أخوته لفدائه بقطع من أكبادهم، لكن الفحص كان يستبعد متبرعا بعد الآخر. ونفذت كلمة القدر في اليوم الذي امتدت فيه أيد من الخارج لتنتشله.

.....
أخبار الأدب
18 يناير 2009

ليست هناك تعليقات: