‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن كتاب العين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن كتاب العين. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أبريل 2009

حوار مع طارق إمام بمناسبة صدور الأرملة

في حوار معه بروزاليوسف
طارق إمام :نعيش فوضى المصطلحات والولع بالتصنيف شغلنا عن الإبداع
_ لدينا ظاهرة عامة سلبية وهي تركيزنا على الكليات وإهمالنا للتفاصيل رغم أنها المكون الأساسي لنا كبشر
_لم نأخذ حقنا كجيل إلا منذ ثلاث أو أربع سنوات فقط،رغم أن جيلنا قام بمصالحة مع الأجيال السابقة


عن صراع الأجيال الأدبية وميله للكتابة الشعرية؛ حاورت رانيا هلال الروائي طارق إمام بمناسبة صدور أحدث رواياته "الأرملة تكتب الخطابات سرًا" عن دار العين للنشر، وذلك في جريدة روزاليوسف عدد 6 ابريل 2009.
صدرت رانيا الحوار ب
" في أجواء سردية تغلفها لغة شعرية، تبوح لنا بسر الأرملة التي تملك قلب مراهقة، وتكتب خطابات عاطفية لتلميذاتها وهي تصحح واجباتهن، وتضعها بين طيات الكتب المدرسية ، يطوف بنا الروائي طارق إمام في روايته "الأرملة تكتب الخطابات سرًا" والصادرة عن دار العين وهي الرواية الثالثة له بعد روايته الأولى"شريعة القطة" ثم روايته الثانية "هدوء القتلة" التي نال عنها جائزة ساويرس في الرواية لعام 2008".
وفي رد على سؤال وجهته رانيا له يقول" ألم تخش من الوقوع في مأزق الإغراق في التفاصيل الذي قد يضر بالنص خاصة إن كان قصيرًا كهذا؟"
أجاب إمام " الأدب مجموعة تفاصيل، وما يفرق بين كاتب كبير وآخر صغير هو إدراك كل منهما لتأثير التفاصيل التي يعمل من خلالها على نصه، ودائمًا فإن التفاصيل وحدها قادرة على كشف الظواره الكلية،ولدينا ظاهرة عامة هي أننا نركز على الكليات ونترك التفاصيل، رغم أنها المكون الجوهري لنا كبشر،وهناك مخاطرة لا أستطيع ضمانها في الحد من التفاصيل بالقدر الذي يجنبني الوقوع في آفة الرتهل في العمل الأدبي الذي قد يصيب القارىء بالملل وبين صنع عمل أدبي متماسك دون الجنوح إلى تفاصيل كثيرة".

أربعين يومًا على رحيله:حفل تأبين الطيب صالح

نشرت جريدة روزاليوسف تغطية لحفل تأبين "الطيب صالح" والذي أقامه المجلس الأعلي للثقافة.وأدار عماد أبو غازي الشهادات التي قدمها كل من الدكتور جابر عصفور ود.جلال أمينوصلح أحمد سفير السودان الأسبق بالولايات المتحدة ود.شهيدة الباز ود.محمود سالم.
الصورة تجدونها على هذا الرابط

الثلاثاء، 31 مارس 2009

العين تحتفل بالكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة


عقدت دار العين للنشر احتفال لتكريم الأستاذ سلامة أحمد سلامة وذلك يوم 30 مارس 2009 بنادي جاردن سيتي، وذلك بمناسبة صدور كتابه الجديد "الصحافة فوق صفيح ساخن".
بدأ الحفل أستاذ أيمن الصياد بقوله " إن هذا التكريم هو أقل واجب في حق قامة كبيرة بقامة أستاذ سلامة" .
وفي بداية كلمته دق أستاذ سلامة أجراس الخطر لمستقبل الصحافة المصرية التي تتهددها الكثير من المخاطر . وأضاف بأنه قد وضع في هذا الكتاب عصارة خبرته، وهي ليست خبرة نظرية فقط بل هي خبرة عملية في المقام الأول.
وهنا جاءن مداخلة من الكاتب يوسف القعيد الذي طلب منديل الأمان من أستاذ سلامة أو من محمد حسنين هيكل وذلك لأنه كتب مقالًا عن الكتاب في جريدتي الدستور والأهرام المسائي.وفسر موضوع منديل الأمان هذا بأنه في عصور الخلافةالإسلامية كان الشعراء والمتكلمون يطلبون من الملوك والأمراء أن يرموا إليهم منديل الأمان حتى يضمنوا أن لا تقطع رقابهم بعد أن يلقوا بقصائدهم أو شكاويهم.
وأضاف القعيد " أنا سعيد جدًا بصدور مثل هذا الكتاب في هذا العصر بالذات، وهو يعد إضافة حقيقية للمكتبة العربية".
وفي مداخلة أخرى من أحد الحضور ،وجه سؤالًا إلى الكاتب الكبير يقول " هل توجد في مصر صحافة مستقلة أم لا؟"
وكان رد سلامة" الصحافة تستطيع أن تعتمد على إمكانياتها حتى لو كانت ضئيلة . نعم بإمكانها أن تصبح مستقلة إذا أردات. يتكلم الجميع الآن عن الإعلام البديل وأنا أقول أنه لا يوجد شيء اسمه الإعلام البديل، ولكن أصبح هناك منظومة إعلام تحتوي داخلها الصحافة والتلفزيون والقنوات الفضائية والفيديو كليب والرايو .. الخ. كل هذه وسائل اتصال يصب بعضها في بعض.
لهذا لم تعد معاهد الصحافة العالمية تفصل بين دراسة الصحافة ودراسة التلفزيون ولا تقسم طلابها إلى شعب كل شعبة تعني بدراسة وسيلة اتصال واحدة، بل يدرس الصحفي كل الوسائل معًا، بحيث يصبح مؤهلًا لدخول أي مجال إعلامي . كله بينفد على كله.
ثم تدخل أيمن الصياد بقوله" لأستاذ سلامة تجربة فريدة من نوعها حيث أنه كان أحد أعمدة أكبر صحيفة قومية في مصر وهي الأهرام، ثم تولى منصب رئيس تحرير أحدث جريدة مستقلة في مصر وهي جريدة الشروق" وذلك تعليقًا على سؤال أحد الحضور حول مستقبل الصحافة القومية في مصر.
والذي رد عليه سلامة بقوله" الصحافة القومية إما أن ... وإما أن. إما أن تتعدل أحوالها وتصنع صحافة حقيقية تعمل دورها في تنوير الشعب وتحاول تطوير نفسها بحيث تستطيع أن تنافس الصحف المستقلة في مصداقيتها النسبية لدي القراء وإلا تكون نهايتها. العالم كله يتجه بعيدًا عن الاتجاه الذي تسير فيه الصحافة القومية.
إنها مازالت تسير بنفس الأسلوب الذي كانت تسير عليه منذ خمسين سنة لذا فعليها إعادة هيكلة إدارتها وأن تعيد النظر في طريقة التعامل مع محرريها.
أنا من الناس الذين يرون أنه لا مستقبل للصحافة القومية ولا للصحافة الحزبية التي لولا انها تأخذ إعانات من الدولة ماكانت استمرت. بالله عليك قل لي كيف تأخذ فلوس من الدولة وتعارضها ؟!. إنه أمر غير منطقي فهذا وضع غير سليم.
وعن الذين يتساءلون لماذا انتقلت من الأهرام للشروق. أقول لهم إنني انتقلت من بيت لبيت وهذا طبيعي كما يخرج الواحد من شارع ملىء بعوادم السيارات ليسكن في 6 أكتوبر. لقد آن الأون لتغيير العتبة.
وفي مداخلة شخص آخر وجه كلامه لأستاذ سلامة قائلًا" ذكرت أن هناك ثلاثة أنواع من الصحف :قومية وحزبية ومستقلة. وإذا كنت ترى أن الصحف القومية تخدم مصالح الحكومة والحزبية ضعيفة لأنها تأخذ إعانات من الدولة ،وأنا أقول ان المستقلة لا تخلو من الذلل هي الأخرى ،فطبيعي أن يكون لها أجندتها الخاصة وسؤالي هو " القارىء يروح فين؟".
ورد عليه سلامة بقوله "الحل أن يكون هناك مؤسسات إعلامية بها عدد كبير من المساهمين لا أن تكوم مملوكة لفرد واحد أو جهة واحدة.وذلك مثل المؤسسات الغربية مثل ال BBC والتي يكثر عدد المساهمين فيها وهي أحيانًا تعارض الحكومة على الرغم من أنها تأخذ أموال منها إلا أن لها مجلس غدارة مستقل ولا تنتمي للاحزاب ولا للحكومة وهي التي تضع سياستها الخاصة.
ولابد أن يكون هناك ضوابط معينة تمنع تلاعب الإعلام بالرأي العام.لابد ان يكون هناك مجلس أعلى مسؤول عن مسائل الإذاعة والتلفزيون ويكون منتقى من شخصيات لا سياسية ولا أصولية ولها مصداقية عامة.
وعن ارتفاع أسعار الجرائد كان استفهام آخر من أحد الحضور والذي قال "يتكلمون طوال الوقت عن أن الصحافة هي صوت الشعب وانها تعمل للصالح العام، فكيف تفسر ارتفاع أسعارها لدرجة أن الناس بطلوا يشتروا جرايد. كما وجه سؤالًا آخر متعلق بوظيفة الصحافة : هل ما زالت وظيفتها هي إحقاق الحق أم لا؟ في ظل سيادة مفهوم السبق الصحفي والذي يدفع الناس لقول أشياء مثيرة تثير المجتمع بغير حق.
فمثًل إذا كانت هناك قضية مرفوعة على أحد الأشخاص وبرأه القضاء ولكن الصحافة استمرت في الهجوم عليه، حينها كيف يعرف القارىء الحقيقة. إذا كان من الصعب على لجنة تحقيق أن تعرف الحقيقة فكيف تستسهلها الصحافة التي تهلل عندما يرسل أحد لها شكوى،وما النتيجة الآن؟
النتيجة أن البلاد العربية أصبحت لا تثق في أطباء مصر مثلًا بع ان أوسعتهم الصحافة هجومًا".
ولكن سلامة لم يرى في كل ما ذكره السائل انتقاصُا من حق الصحافة، حيث أن المشاكل التي ذكرها تخص نظام كامل،وإذا كان هناك عم ثقة فالمسؤول هو النظام العام الذي أصبح مليئًا بالثغرات ونظام التعليم الذي يخرج أطباءًا ومهندسين ليسوا على مستوى الكفاءة اللازم.
هناك حالة عامة من انخفاض المستوى الفكري في أماكن كثيرة والصحافة كمرآة للمجتمع فإنها تعكس ذلك.نعم الصحافة أحيانًا تنشر أشياءا غير صحيحة ولكن لا يجب أن نلقى اللوم على كاهل الصحافة وحدها.
واختتمت الندوة أستاذة ماجدة الجندي التي قالت بأنها لا تعتبر أستاذ سلامة ينتمي لصحيفة معينة ،ولكنه ينتمي لمنظومة وسياق من القيم يندر أن يتكرر هذه الأيام.
هو الأستاذ الذي علمنا أن الصحفي ينتخب يوميًا. حيث يذهب الناس إليه يوميًا حاملين أحلامهم إليه ومؤمنين بمصداقيته.
وأمن أستاذ أيمن الصياد على كلامها مضيفًا بأنه ليس مع التقسيم الثنائي(صحف قومية_صحف مستقلة) ففي نهاية المطاف هناك القارىء الذي يذهب في النهاية للقلم الصادق مثل قلم أستاذ سلامة.

الاثنين، 9 مارس 2009

طارق إمام: المجد ليس للحكاية.. بل لعناصر تصنع الدهشة!

حاورته: جيهان عبدالعزيز
في معرض الكتاب كان موعدي ولقائي بالروائي الشاب طارق إمام، الذي حازت روايته «هدوء القتلة» اخيرا المركز الثاني لجائزة «ساويرس» الأدبية، لقاء شاركته فيه فرحة استلام أولى النسخ لروايته الجديدة «الأرملة تكتب الخطابات سرا»، فيمازحني مرحبا بقوله «الخير على قدوم الواردين»، وما بين فرحة الجائزة والإصدار الجديد، كانت جلستي معه في المقهى الثقافي، ليتحدث معي بهدوء قاتل محترف يعرف كيف يجذب ضحاياه ويقوم بإغوائهم للوقوع في شرك رؤاه الغامضة.

• كيف كانت البدايات؟ وهل تعتبر نفسك كاتبا ينتمي الى جيل بعينه؟
- بداياتي كانت في التسعينات، حيث نشرت مجموعتين قصصيتين «طيور جديدة لم يفسدها الهواء»، و «شارع آخر لكائن»، لكنني أصنف حاليا بانتمائي الى ذلك الجيل الأدبي الجديد (الألفية الثالثة) الذي ينظر اليه كجيل روائي في الأساس، وبداياتي معه كانت بروايتي الأولى «شريعة القط» التي نشرت عام 2000، وتلك حالة انزياح شائعة، ربما ترتبط بفكرة النضج الأدبي، والمعرفة في الوسط الثقافي، لكن يظل ارتباطي بجيل التسعينات -دون الوقوع في شرك التسمية الضيقة لمصطلح الجيل- هو الأكبر لنشأتي الحقيقية وسط أفراد ذلك الجيل، وتربيتي في أجوائهم، حيث تأثرت برؤيتهم للأدب والفن والاشتغال على الكتابة، الاهتمام بتجويد وتنقيح الأعمال القصصية والروائية، وعدم التسرع في الكتابة والنشر، خلاف أجيال الستينات والسبعينات المشتهرين بغزارة كتاباتهم.
هناك كتاب بالذات ينتمون الى هذا الجيل، أشعر بالإعجاب والتأثر برؤيتهم الفنية وكتاباتهم مثل مصطفى ذكري و إبراهيم فرغلي البارع في المزج بين الواقع والخيال وياسر عبد الحافظ ومنصورة عز الدين وغيرهم، ومعظمهم بدأ بالكتابة القصصية أولا.
تكوين شعري
• ما مصادر الكتابة الروائية بالنسبة اليك، تأثراتك، اتجاهاتك؟
- تكويني الحقيقي وجزء كبير من تجربتي الذهنية، هو تكوين شعري وتأثر بالمشهدية السينمائية، قرأت الشعر أكثر من القصة، في كتاباتي أبحث عن أثر شعري أكثر من فكرة الحدوتة، فأي شخص عادي بإمكانه القص أو الحكي، وهذا أوقعني في عدة مفارقات أعتبرها طريفة منها أن مجموعتي القصصية الأولى، ترجمت فيها بعض القصص على أنها قصائد نثر، والمجموعة نفسها رفض الناشر كتابة أي تصنيف أدبي لها فنشرت هكذا بعنوان فقط دون تحديد جنس أدبي، وكأنها حالة هائمة بين الشعر والنثر. فليس المجد للحكاية ولكن لأشياء وعناصر أخرى قادرة على صنع الدهشة.
كتابي المفضلون هم من فعلوا ذلك في كتاباتهم منهم ماركيز، سارامجو، فوكنر وميلان كونديرا.
الكاتب الكوني
• قلت أن أفراد الجيل الحالي هم روائيون بالأساس، وهذا يمضي بنا الى سؤال ملح الآن، لماذا الرواية؟
- الرواية لأنها ذلك الكائن الاحتوائي القادر على استيعاب كل الأجناس الأدبية الأخرى، فكما أن السينما هي الفن السابع للفنون، الرواية كذلك في الأدب، تحتوي الأشواق الشعرية، الحوارات والتقريرية، القصة، اللغة، حتى الفلسفات الكبرى أصبحت توجد ضمن سياق روائي أكبر، في الرواية تستطيع أن تعبر عن رؤيتك للعالم، عن الهموم الكبرى، عن المسائل الوجودية الهامة، الزمن، الموت، الحياة، أنا مع أهمية هذا التعبير الإنساني الخاص والشامل في نفسي الآن، فمسألة كالزمن موجودة ومؤثرة في كل إنسان عادي ومن يبتعد عن تلك الأمور فهو مبتعد عن هموم الفرد، ورغم أن كل كاتب أو روائي سيعبر في النهاية، شاء ذلك أم أبى عن رؤيته الخاصة جدا جاعلا من الرواية في النهاية لسان حال شخصي، فإن التميز هنا لمن ينجح في جعل تلك الذاتية تجربة إنسانية عامة ومؤثرة، وأعتقد هذا ما استطاع كاتب -غير مرحلي ـ مثل نجيب محفوظ أن يفعله ببراعة، والمقصود بالمرحلية هنا أولئك الكتاب الذين ارتبطت كتاباتهم بمراحل وأحداث تاريخية معينة، إذا ما انتهت أو تغيرت نضب الخيال الروائي، وتوقف الإبداع، أما محفوظ فهو كاتب كوني ذو أسئلة وجودية، وهذا هو ما أحاول فعله في كتاباتي الروائية بقدر الإمكان. في حفل تسليمي جائزة «ساويرس» عن «هدوء القتلة»، أسعدتني حيثيات منح الجائزة، التي لم تتوقف عند فكرة القاتل المتسلسل رغم أن هذا هو الإطار الخارجي للأحداث، لكنها في الحقيقة كانت رؤية لمدينة القاهرة، وتصويرا لما فيها من متناقضات، تفكيرا أعمق كثيرا من فكرة الحدوتة، وهذا ما حاولت فعله أيضا في روايتي الجديدة.
• ماذا قدمت الجوائز لك، وما تأثيرها في الواقع الثقافي الحالي؟
- الجوائز أسهمت وقدمت الكثير لي، ولمسيرتي الأدبية، حصلت قبلا على جائزتين من وزارة الثقافة المصرية، وجائزة «سعاد الصباح «، لكن تلك الجوائز لم تكن بشهرة وانتشار الجائزة الأخيرة «ساويرس»، التي كان حصولي عليها بمثابة مولد جديد لرواية «هدوء القتلة». الفرق بين الجوائز الأولى والأخيرة كان فرقا ماديا في الأساس، وربما لعلاقة الناس بالسلطة، كان هناك تشكيك دائم في نتائج جوائزها، جائزة «ساويرس» كانت تتميز بالسرية وعدم الكشف عن الفائزين، أو تسريب المعلومات، إلا ربما، ليلة الإعلان عن النتائج.
ثم هناك فرق آخر في مستوى الانتشار والجماهيرية، فهي ومعها جائزة «البوكر» العربية، أصبحتا من أكثر الجوائز الأدبية تقديرا وانتظارا ومتابعة، وربما كان هذا لما يميز العصر الحالي، الدور الكبير للميديا والإعلام والمواقع الإلكترونية الشهيرة كـ «facebook»، الذي جعل من «قارئ الصدفة» يقبل على الرواية، ويكسبني جمهورا جديدا، ونجومية حتى في خارج الوسط الثقافي.
فوضى النشر
• هناك الآن انتشار لافت للعديد من المكتبات الجديدة، ودور النشر، وحتى النشر الإلكتروني، إلى أين يفضي كل هذا؟
- كل ذلك أصبح حوافز للكتابة، وللإقبال عليها من فئات كثيرة لم يكن الأدب أو الكتابة هدفا بالنسبة اليهم، أدى ذلك إلى حدوث حالة من الفوضى، قد تبدو مثمرة، لكنني أتخوف منها حين تقوم دور النشر ـ بعضها مهم ومعروف- بتمرير كتابات لا تصلح للنشر، كالتجارة، همها الوحيد الربح المادي، تعلمت التواضع حين قابلت كتابا كبارا متواضعين، وبينما تنتشر تلك الكتابات الرديئة يشعر «كاتبو الصدفة»، بنوع غريب من الاستعلاء على الغير، نجومية بلا أساس كمطربي الفضائيات الجديدة، حتى ظاهرة «أكثر الكتب مبيعا» ليست مقياسا حقيقيا للجودة، رواية «خريف البطريرك» لـ غابريل غارسيا ماركيز لم تحقق توزيعا لناشرها حين صدورها، رغم أنها من أفضل أعماله وأكثرها قيمة أدبية وفنية، ورغم فوضى النشر وانتشار «ثقافة الصدفة» فانني أثق بوجود الضمير الأدبي، فلم يعد النقد خاضعا للمعارف والصلات الشخصية، ومن المؤكد هناك عمليات فرز وتشريح وذوق أدبي سليم سيبرز من خلاله العمل الجيد من الرديء.

بانتظار «العربي» و«الأرملة التي تكتب سرا»!
أشار الروائي طارق إمام في حديثه الى أنه يستعد حاليا للحضور إلى الكويت للمشاركة في ندوة مجلة العربي التي تنطلق مساء الاثنين القادم، والتي ستكون بعنوان «الإبداع العربي المعاصر: تجارب جديدة .. رؤى متجددة».
وأضاف: «مازلت، أيضا، بانتظار ردود الفعل على روايتي الجديدة. أتمنى أن تستطيع التعبير عن أشواقي الروائية، وأن يجد القارئ فيها ما يشده للقراءة والمتابعة. أهتم بعامل الإمتاع في الرواية، كيف تحقق تلك الموازنة بين استغلال تيمة شعبية كموسيقى «البوب»، لتبرز من خلالها أفكارا أعمق وأكثر تعقيدا، هذا هو رهاني الذي نجح في «هدوء القتلة» وأتمنى أن ينجح كذلك مع «الأرملة التي تكتب الخطابات سرا»

الاثنين، 2 مارس 2009

"الموت يشربها سادة" رواية وجدي الكومي الثانية


انتهى الكاتب وجدى الكومى من كتابة روايته الجديدة، التى اختار لها عنواناً مبدئياً هو "الموت يشربها سادة"، وفيها يتحدث عن رجل إسعاف يقوم بقتل المرضى فى حالة الطوارئ، ويقول فى بدايتها:

أنا رجل الإسعاف الذى يخفق دائماً فى التصدى للموت فقرر أن يساعده.
أنا الآن أحد معاونيه.
ولا أتقاضى أجراً كى أمنح الراحة الأبدية لراغبيها من المتألمين.
أمنح هذه الراحة للجميع ولا أنتظر أن يطلبها أحد.
صدقونى أنا أشفق عليكم من الخراطيم التى يمدونها فى حجرات الإنعاش ويثبتونها فى فم المرضى.
هذه الخراطيم مؤلمة .. مؤلمة حقًّا.
فهم يجذبون الشفاه بملقاط ويدسون هذه الخراطيم الثقيلة فى الفم.
هذه هى حجرة العناية المركزة بكل قسوتها وجبروتها.
أنتم هنا فى الممر الذى يؤدى إلى الراحة والنعيم.
هكذا تظنون.

يذكر أن هذه الرواية هى الثانية للكاتب، وكانت روايته الأولى بعنوان "شديد البرودة ليلا"، وصدرت فى العام الماضى 2008، وحقق نجاحاً ملحوظاً.
............
موقع اليوم السابع
28 فبراير 2009

الأربعاء، 25 فبراير 2009

حاتم حافظ يتحدث عن .. الأشياء التي تحدث

أجرت جريدة "وشوشة" حوار مع "حاتم حافظ" وذلك بمناسبة صدور روايته الأولى " لأن الأشياء تحدث" عن دار العين للنشر .كان الحوار بتاريخ 24 فبراير 2009، وتحدث فيه حافظ عن علاقته بصمويل بيكيت ،وملابسات كتابته للرواية الحالية، وكيف أسهمت حياته الأسرية الهادئة في خلق مناسب للكتابة. كما يتطرق أيضأ الحديث لعلاقته بخيري شلبي.
اضغط على الصورة للتكبير وقراءة الحوار.

الأربعاء، 18 فبراير 2009

الطيب صالح.. في ذمة الله


تنعي دار العين للنشر الكاتب الكبير الطيب صالح لوفاته الأربعاء 18 فبراير 2009 عن عمر يناهز الثمانين عامًا.والطيب صالح هو صاحب الرواية الشهيرة" موسم الهجرة إلى الشمال" والتي نالت شهرتها من كونها من أولى الروايات التي تناولت، بشكل فني راق الصدام بين الحضارات وموقف إنسان العالم الثالث ـ النامي ورؤيته للعالم الأول المتقدم، ذلك الصدام الذي تجلى في الأعمال الوحشية دائماً، والرقيقة الشجية أحياناً، لبطل الرواية . وجدير بالذكر أن آخر طبعات هذه الرواية صادر عن دار العين.

. أديب عربي من السودان ولد عام (1348هـ - 1929م ) في إقليم مروي شمالي السودان بقرية كَرْمَكوْل بالقرب من قرية دبة الفقراء وهي إحدى قرى قبيلة الركابية التي ينتسب إليها، وتوفي في 18 فبراير 2009 الموافق:23 صفر 1430هـ) في لندن العاصمة البريطانية. عاش مطلع حياته وطفولته في ذلك الإقليم, وفي شبابه انتقل إلى الخرطوم لإكمال دراسته فحصل من جامعتها على درجة البكالوريوس في العلوم. سافر إلى إنجلترا حيث واصل دراسته, وغيّر تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية.
كتابته تتطرق بصورة عامة إلى السياسة، والى مواضيع اخرى متعلقة بالاستعمار, والمجتمع العربي والعلاقة بينه وبين الغرب. في اعقاب سكنه لسنوات طويلة في بريطانيا فان كتابته تتطرق إلى الاختلافات بين الحضارتين الغربية والشرقية. الطيب صالح معروف كأحد أشهر الكتاب في يومنا هذا، لا سيما بسبب قصصه القصيرة، التي تقف في صف واحد مع جبران خليل جبران، طه حسين ونجيب محفوظ. له العديد من المقالات ويشارك في العديد من المجلات والصحف ...
الطيب صالح كتب العديد من الروايات التي ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة وهي « موسم الهجرة إلى الشمال» و«عرس الزين» و«مريود» و«ضو البيت» و«دومة ود حامد» و«منسى».. تعتبر روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" واحدة من أفضل مائة رواية في العالم .. وقد حصلت على العديد من الجوائز .. وقد نشرت لأول مرة في اواخر الستينات من القرن ال-20 في بيروت وتم تتويجه ك"عبقري الادب العربي". في عام 2001 تم الاعتراف بكتابه على يد الاكاديميا العربية في دمشق على انه "الرواية العربية الأفضل في القرن ال-20.) أصدر الطيب صالح ثلاث روايات وعدة مجموعات قصصية قصيرة. روايته "عرس الزين" حولت إلى دراما في ليبيا ولفيلم سينمائي من اخراج المخرج الكويتي خالد صديق في أواخر السبعينات حيث فاز في مهرجان كان. في مجال الصحافة، كتب الطيب صالح خلال عشرة أعوام عمودا أسبوعيا في صحيفة لندنية تصدر بالعربية تحت اسم "المجلة". خلال عمله في هيئة الاذاعة البريطانية تطرق الطيب صالح إلى مواضيع أدبية متنوعة. منذ عشرة أعوام يعيش في باريس حيث يتنقل بين مهن مختلفة، اخرها كان عمله كممثل اليونسكو لدول الخليج.

الاثنين، 2 فبراير 2009

توقيع الأرملة يوم الثلاثاء بمعرض الكتاب



تقيم دار العين للنشر حفل توقيع لرواية " الأرملة تكتب الخطابات سرًا" للروائي طارق إمام والصادرة عن العين وذلك يوم الثلاثاء 3 فبراير 2009 الساعة الثالثة عصرًا بجناح دار العين بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في سراي ألمانيا "ب"
باقي التفاصيل تجدونها على الرابط الخاص بهذا الايفنت
يمكنكم قراءة الفصل الأول من الرواية على الجروب الخاص بها
كما يمكنكم قراءة مقطع آخر منها على مدونة العين للنشر
في انتظار حضوركم وتشريفكم .

الخميس، 22 يناير 2009

شهادات المفكرين عن مؤف كتاب "الصدام داخل الحضارات" .. الصادر حديثًا

عن المؤلف:دييتر سنغاس أحد أهم المنظرين الراديكاليين الألمان الذين أسهموا إسهاماً عظيماً في دراسات التنمية والأمن والسلام، ودييتر سنغاس باحث مهم تستحق كتاباته أن يطلع عليها الكثير من القراء.
يقدم هذا الكتاب تفسيراً فاهماً ومثيراً للجدل لتعددية الثقافات، وردود فعلها تجاه الحداثة، وصدام الحضارات، وإمكانية الحوار والتسامح بين الثقافات، والكثير من غير ذلك. الكتاب إسهام مهم لنقد النزاعات الجوهرية في الثقافات.
بوب جيسوب – أستاذ علم الاجتماع بجامعة لاتكستر.
لقد قدم كتاب "سينغاس" إسهاماً مهمٍّا في إحياء الدراسات المعنية بالحضارات والنظام العالمي ويرفض المؤلف الموضة الفكرية القائلة بأن الحضارات كيانات ثابتة وغير قابلة للتغير وأن الصدام قدر لا فرار لها منه، ويشير إلى اتجاهها نحو عدم التكافؤ كما يركز على الجانب الآخر على ديناميات تطورها من خلال الصراعات الداخلية للأفكار والمصالح فيما يخص كيفية التغلب على الفوضى في المجتمعات التي تموج بالتغيرات.
روبرت و.كوكس، جامعة يورك. كندا.
هذا الكتاب إسهام مهم ومثير للجدل في المناظرات المعاصرة المهمة التي أثارتها النظريات المؤثرة التي قدمها فرانسيس فوكوياما فيما كتبه عن نهاية التاريخ و صمويل هنتينجتون فيما كتبه عن صدام الحضارات. يبحث دييتر سينغاس بعض أهم القضايا السياسية التي نواجهها اليزم مثل :
•كيف تتأقلم المجتمعات مع التعددية؟
•هل يمكن أن يكون التسامح حلا ناجحا؟
•ما دور "الثقافة" في الصراعات الراهنة التي توصف بأنها وليدة الثقافات؟
•هل ستغرق السياسات العالمية في القرن الحادي والعشرين في الصراعات الثقافية على مستوى كبير؟
يستكشف دييتر سنغاس هذه الاسئلة في سياق المناطق الثقافية الرئيسية خارج منطقة الغرب – في الفلسفة السياسية الصينية، والإسلام، والبوذية والهندوسية – ويمضي في تأمل إمكانية ظهور شكل بناء من أشكال الحوار بين الثقافات، إن النهج المميز والراديكالي الذي ينتهجه سينغاس مواكب للأحداث وذو أهمية شديدة لكل العاملين بالسياسة، والعلاقات الدولية، والعلوم الاجتماعية، والدراسات الثقافية. ودراسات التنمية، والديانات، والاقتصاد السياسي الدولي.

لمحة عن المؤلف
دييتر سنغاس
أستاذ العلوم الاجتماعية – جامعة بريمين - ألمانيا. دَرّسَ العلوم السياسية وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ بجامعة تونبجن – كلية أمهرست – جامعة ميتشيجان وجامعة فرانكفورت. وزميلاً بمركز الشئون الدولية بجامعة هارفارد حتى عام 1970.
شغل أيضاً منصب أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فرانكفورت في عام 1972 وظل بها حتى انتقل عام 1978 إلى جامعة بريمين حيث عكف على بحوث قضايا السلم والصراع والتنمية، عمل أيضا مدير البحوث بمعهد بحوث السلم بفرانكفورت في الفترة (1970 – 1978).
صدرت له دراسات عديدة في العلوم السياسية وقضايا السلم والتنمية من بينها كتيبات في قضايا معرفية محددة علاوة على دراسات أشرف على تحريرها منشورة باللغة الألمانية وبالعديد من اللغات الأجنبية نذكر منها:- التجربة الأوروبية (1985)، الصدام داخل الحضارات (2002).
خصل على جائزة بحوث السلم الدولية عام 1987.

لمحة عن المترجم
شوقي جلال
من مواليد القاهرة 30 أكتوبر 1931، عالم سياسي واجتماعي وله ترجمات في عدة مجالات مثل الفلسفة والعلوم السياسية وعضو لكل من المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة والمجلس الأعلى للمعهد العربي العالي للترجمة – جامعة الدول العربية – بالجزائر.
ترجم العديد من الكتب لسلسلة عالم المعرفة بالكويت، كما ترجم أيضاً العديد من الكتب لمركز الدراسات العربية ببيروت
أثرى المكتبة العربية باثنى عشر مؤلفاً سياسياً وتاريخياً وله أوراق بحث في ندوات ومؤتمرات ومقالات ثقافية وفكرية وله أيضاً أكثر من خمسين كتابا مترجما،
حصل على جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي – الترجمة عام 1984.
....
عن كتاب" الصدام داخل الحضارات"
تأليف: دييتر سنغاس
ترجمةد।شوقي جلال
صدر حديثًا عن العين للنشر

الأربعاء، 21 يناير 2009

البديل تنشر مقدمة الأستاذ محمد حسنين هيكل لكتاب الأستاذ سلامة أحمد سلامة


هيكل في مقدمة كتاب سلامة الجديد: الصحافة التي أحببناها معاً تتعرض لتهديد ثنائي الخطر من الداخل والخارج
نعيش في ليل طويل كل السائرين فيه ينتظرون شعاعاً من الضوء لا يضيق بومضاته غير القراصنة الصغار لكي يتسللوا تحت خفائه
اعتزازك المهني إلي جانب حياء إنساني أحبه فيك يقيدان قلمك فيما يتعلق بنفسك فاكتب يا صديقي وانشر وتكلم ودع الأمواج تتكسر
....
كتب: المحرر الثقافي

حصلت «البديل» علي رسالة وجهها الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل إلي الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة بمناسبة بدء صدور سلسلة كتب جديدة لسلامة تحت عنوان «من قريب» تتضمن أبرز الأعمدة الصحفية التي يكتبها في صحيفة «الأهرام» تحت هذا العنوان خلال السنوات الماضية، الجزء الأول من الكتب يصدر غداً عن دار العين للنشر بمناسبة معرض الكتاب ومن المقرر إصدار بقية أجزاء السلسلة «تباعاً في ستة أجزاء» الجزء الأول يصدر بعنوان: «الصحافة فوق صفيح ساخن» ومن المقرر إصدار الجزء الثاني قريباً تحت عنوان: «الحريات السياسية وصدق الإنسان» فيما تقرر أن يتضمن الجزء الثالث أعمدة الأستاذ سلامة التي عالجت قضايا بيئية.
وعلي الرغم من أن رسالة هيكل تظهر في الكتاب الأول كمقدمة له فإن الكاتب الكبير رفض النظر إليها وفق هذا التعبير الدارج وفضل النظر إليها كـ «رسالة» إلي زميل وصديق يعتز بصداقته ويأتي نشر هذه الرسالة ليعيد الاعتبار إلي «أدب الرسائل» إذ تتضمن فضلاً عن الجانب الذاتي فيها مساحة كبيرة للتأملات الموضوعية بشأن واقع الصحافة المصرية وهنا نص الرسالة كما أوردها الأستاذ.

عزيزي الأستاذ «سلامة أحمد سلامة»

إنك تفضلت وأرسلت لي المسودة المطبوعة لكتابك الجديد «الصحافة فوق صفيح ساخن»، راغباً بطريقتك الرقيقة وأسلوبك الراقي أن أكتب مقدمة له، وكان أول ما خطر لي حتي قبل مطالعة الصفحات أن شيئاً تكتبه لا يحتاج إلي مقدمة تمهد له، لكني وقد عرفتك عن قرب وسعدت بزمالتك سنوات طويلة ـ قدرت أن نزاهتك واستقامتك الفكرية واعتزازك المهني، إلي جانب حياء إنساني أحبه فيك وأحترمه ـ كل ذلك ـ كله علي بعضه ـ كما يقولون ـ يفرض عليك نوعاً من الإباء والكبرياء يقيد قلمك فيما يتعلق بنفسك، ويمسك لسانك فيما يتصل بقيمتك، وتلك صفات الرجال الكبار الذين أصبح وجودهم نادراً في زمان امتلأ بالفراغ وتعمق في السطحية ـ علي حد تعبير صديقنا الكبير «كامل الشناوي»!
دعني أقل لك ـ في خطاب موجه إليك ـ وليس مقدمة لكتاب ـ إنني استمتعت بما قرأت، وظني أنه جاء في وقته موضحاً لقضية شغلتني كما شغلتك، وقد كتبت أنت عنها لأنك مازلت في الساحة الصحفية ـ وأما أنا فقد انصرفت عنها أتابع من بعيد، وكذلك فإني أستطيع أن أحس بهمومك ربما بأكثر قليلاً، مما يمكن أن يحس بها آخرون، فهذه المهنة التي أحببناها معاً تتعرض لتهديد ثنائي الخطر: من الداخل بسبب أحوالها الراهنة، ومن الخارج بسبب أحوال تكنولوجيا جاءت بها أزمنة جديدة.
إن كتابك عن «الصحافة فوق صفيح ساخن»، يعكس أسلوبك المستغني عن الإلحاح، فهي لمحات تعرض نفسها علي الناس، وتقوم بمهمتها في التنوير علي طريقة الفنار في اتساع البحر وعمقه، صرح يقوم شامخاً في قلب جزيرة من الصخر، وهو يدور علي ما حوله بومضات من ضوء نافذ إلي بعيد يهدي السائرين في الظلمات، والفنار بالطبيعة لا يثقل علي الباحثين عن شعاعه، وإنما هو يتحرك علي دائرة كاملة، محتفظاً بموقفه ثابتاً لا يتغير، وهو ماض في حركته بنظام وثبات، وحتي إن ضربت الأمواج صخوره فهو مستمر في أداء دوره لا يتوقف ولا ينحرف.
دعني ـ يا صديقي العزيز ـ أؤكد لك أن كل السائرين في هذا الليل الطويل ينتظرون الشعاع، لا يضيق بومضاته غير القراصنة الصغار، فهم يفضلون البحر ظلاماً دامساً معتماً، لكي يتسللوا تحت خفائه، كما يفعل هؤلاء الذين نسمع عنهم من قراصنة البؤس علي سواحل الصومال.
اكتب ـ يا صديقي ـ وانشر وتكلم، ودع الأمواج تتكسر علي الصخر، ودع ومضات النور تلمع علي سطح البحر في كل اتجاه، وتنير كل بقعة تصل إليها، وأما الأمواج فليس في مقدورها غير أن تغسل الصخور كل مساء، وترتد عنها كل صباح.
سلمت ـ يا صديقي ـ وسلم عطاؤك نوراً وتنويراً.

محمد حسنين هيكل
جريدة البديل المصرية
الصفحة الرئيسية،ص5
21 يناير 2009

الأحد، 18 يناير 2009

الشاعر الكويتي ابراهيم الكندري .. في دار العين الأحد القادم


تقيم دار العين للنشر احتفالية بمناسبة صدور كتاب " من وحي الحماقة" للشاعر الكويتي ابراهيم الكندري , و الصادر عن الدار ،حيث يقدم الكاتب قراءات شعرية من الكتاب و ذلك يوم الأحد الموافق 25/1/2009بمقر الدار 97 كورنيش النيل – روض الفرج الساعة السابعة مساءاً .
كما سيكون الكاتب متواجدًا بجناح دار العين للنشر بسراي ألمانيا "ب" يوم الجمعة القادم في معرض القاهرة للكتاب 2009 ، ليقوم بتوقيع نسخ من ديوانه الجديد.
نبذة


يقول الكندري عن كتابه "من وحي الحماقة، هي فكرة استولت على كل جوارحي لمدة ٤ سنوات، لم أكن أقصد منها سوى التعبير الحر، لم ألتزم بأي شيء وأنا أتعامل معها، كل ما أردت هو التعبير الحر المطلق، أما اليوم، فكل ما أرجوه أن تقرؤها في شكلها النهائي، كتابي الأول، كما هي تعبير أحمق عن حالة حمقاء كانت حالتي ".
يدير الندوة د. فاطمة البودى

ليالي البانجو :مجتزأ من آخر رواية كتبها الراحل يوسف أبو رية

عجز الأستاذ مصطفي الشيخ في الحصول علي شقة بالإيجار لأنه لم يقدر علي إنشاء بيت ملك، وكان قد تنقل من مكان إلي مكان، واستقر أخيرا في سكن قريب من عمله، ثم إن الإيجارات في ازدياد دائم، فافتقد حرية التنقل، يقيم مع زوجة، لا تعمل، لتعاونه علي تكاليف العيش، يذهب إلي عمله بالوحدة البيطرية، وهي تهبط إلي السوق لشراء ما تم الاتفاق عليه من طعام، تعمل علي ترضيته أبدا، كانت لها بنتان يعاونانهافي عمل البيت، وتم زواجهما وحين تنجب الواحدة منهما ترسل الرضيع لجدته، لمراعاته، أضف إلي هذا القيام بالكنس، والتنظيف، حتي يعود من مكتبه في الثانية ظهرا، وتكون البنتان قد عادتا إلي بيتيهما، حاملات وساحبات الأحفاد.
الآن حان موعد عودته الليلة، بعد ادعائه إنه يجالس أصدقاء وزملاء العمل، ولم يكن هذا مما اعتاده من قبل.
يقضي الأستاذ مصطفي الشيخ الوقت مع أم كريم، زميلة العمل، وكان قد فاتح مها في هذا الموضوع، لأنها موضع سره وخفاياه المستترة، ولأن لها أغراضا في رفض العريس القروي، أو لأنها تخطط للخروج من بيتهم، فتجد التعاطف الأبوي الذي تحتاجه.
فتحت له أم مها الباب حين دق الجرس، لا يشعر تجاهها بأي ذنب، فقد تقوض بدنها، وبانت عليه شيخوخة مبكرة، رفعت عن بدنه الجاكت، وحلت عقدة رابطة العنق، ثم وقفت خلف ظهره لتسحب القميص، ثم فردت أمامه البيجامة المطوية.
- جهزي لنا العشاء.
- انتظر قليلا حتي تعود (مها) من مشوارها.
- مها هنا؟؟ هل سيد أتي معها؟
- جاءت لوحدها، وذهبت لتشتري أغراضا لها. أرادت أن تفاتحه في رغبة البنت في هجر زوجها.
ولكنها آثرت الصمت (هي وأبوها شورة خير) فهي أحب بناته إليه، وبينهما أسرار لا تعرف عنها شيئا، وكثيرا ما تدخل عليهما الحجرة، فيصمتان، وكأنما يمتلكان خفايا لا تدرك مغزاها، بينما هي من جانبها مجرد فتاة غامضة لا تكاشفه بما يدور في عقلها، ثم سرعان ما دق الجرس مرة أخري ودخلت عليهما مها تلهث من صعود درجات السلم. فأقبل عليها يقبلها من وجنتيها.
- كيف حالك؟
- وأخبار السيد؟
- بخير.
وأعدت الأم مائدة العشاء بعد أن تركتها في الغرفة وحيدة تبدل ثيابها.
ودار الحديث أثناء العشاء.
قالت أم مها: إن مها لا تريد العودة إلي بيت زوجها.
- أنا لا أطيقه يا أبي.
- بعد أن وقعت الفاس في الراس.
- كنت رافضة له، ولكنك أجبرتني.
ثم أعلنت أم مها الخبر الذي أربك حسابات الأب.
- وهي الان في الشهر الثالث.
- يا خبر!!
- إن هذا سيعقد المشكلة.
- لا تعقيد ولا يحزنون.
- كيف؟ سندخل في سين وجيم، ومحاكم، ونفقة وما شابه، إن قلة خبرتك لا تسمح بمعرفة المشاكل.
- أنا لا أدري شيئا غير إن الحياة مستحيلة، إنه لا يحل ولا يربط، والأمر كله في يد أمه.
- لا دخل لي بهذه التفاصيل، إنني أحافظ علي كرامة هذه الأسرة، فلا تطليق في عائلتنا، إنها سابقة لم تقع من قبل.
ورفعت الأم بقايا الطعام إلي المطبخ، ولم تحاول مها معاونتها، ونظرت البنت إلي أبيها نظرة ذات مغزي. كأنما تقول في سرها (هذه مقابل تلك) (تطليقي في مقابل إخفائي لسرك مع أم كريم) فاهتزت عيناه، وأخفي نظرته بعيدا عنها.
أراد أن يشعل التلفزيون ليشغل نفسه، عما يدور في عقل كل منهما، أما مها، فقد غسلت يدها، ودخلت الحجرة التي ضمت جدرانها طفولتها، وصباها، قبل أن تججبر علي ترك بيت الأب، مددت علي السرير بكسل، وهي تفكر في تدبير خالد، هل سيوفق في البحث عن مكان، إن جسدها شغوف إليه، فكم جربت لمسه، وتقبيله، وكانت في أثناء ذلك تقارن بين الشابين، الزوج، والحبيب، فكانت نفسها تنزع إلي الآخر، وتتبلد بل تتقزز من الأول، إن خالد بعطره الفواح وخبرته، وحنكته، يعزف أجمل الألحان، أما الزوج فإنه ينام معها كالبهيمة، وهذه المقارنة دفعتها لاتخاذ القرار مها كانت خطورته.
ولحق بها أبوها الأستاذ مصطفي الشيخ منكسرا، ومهزوما. لا يريدها _ في لحظة تهور _ البوح بسرهما، ولكنه لن يوافق علي تطليقها مهما كانت الأسباب، فرد طوله إلي جوارها، وهو ينفث غضبا كظيما.
- حاولي مرة أخري.
- يا أبي وأنت سيد العارفين، مستحيل، فالرجل نفّس، وسلوك راق، ومن الرجال من لا يصلح للحياة الزوجية، حتي لو نثر أغلي العطور في كل قطعة من جسده.
إنه يتعاطف مع مشاعرها، ولكنه لا يستطيع اتخاذ القرار، فهو من اختاره، علي ظن أنه من السهل اعتياده، والسيطرة عليه، انقلب جسد الأب نحوها، وصارت العيون في مواجهة حقيقية استعاد بها لحظات قضاها علي نفس الفراش قبل زواجها، وحين افتقدها، وقع في غرام أم كريم، امرأة مطلقة، لا ولد لها، تلعب بالبيضة والحجر، وقادرة علي استثارة وخم الرجال، ابتاع لها الهدية بعد الهدية، وقربها من مكتبه الذي سمح لهما تبادل كلمات الغزل المكشوف، بحيث لا تلتقطها أذن الزميل أو الزميلة التي تجاورهما، وتواعدا علي اللقاء في شقتها، فهي امرأة غريبة لا تنسب لأهل البلدة، فلا خوف عليها، ولا خشية منها، أراد أن يعلن سره فلم يجد غير مها، لا لأنها تكره أمها، ولكن لأنها الأقرب اليه، صحيح أنه يسعد بالفضفضة معها كابنة، ولكنه لا يستطيع سماع ما يشبه قصتها، مد يده ليأخذها في حضنه، فاستجابت له في تنهدة، صحيح هو والدها، ولكنها تميل إليه أكثر من زوجها.
دنا بكفه ليلمس منحني الكتف، ثم حوم حول النهدين اللذين ازدادا خصوبة.
- حاولي مرة أخري يا مها.
- لا أستطيع يا أبي.
وتحدث معها طويلا في محاولة لاقناعها ولكنها رفضت كل الحلول التي قدمها، وآمن بأن الحياة في بيت الزوج صارت مستحيلة.
فقام زاهدا، دون غضب، شد الباب وراءه، ونام إلي جوار زوجه، بقرف، وعقله هناك مع أم كريم التي تمنحه بهجة العمر، وتمده بشهوة لا نفاد لها، ظل يقارن فترة بين زمنه التعيس ويأس ابنته مع زوجها حتي غلبه النوم، فاستجاب له.
4
بعد لقائهما علي رصيف المحطة، هبطا إلي موقف السيارات، فالقطار لا يصلح لرحلتهما، لأن خطوطه في قلب المزارع، تنأي بنفسها عن آخر طريق للشرق، قليل من الأراضي المستصلحة، وكثير من الرمال التي تنتشر علي كثبانها وحدات للجيش وتقام علي سفوحها مصانع جديدة، هي واجهة لصناعات غربية ويابانية، والطريق يسمح لهما بدخول القاهرة عند حي المطرية، هنا سيكون المستقر لهما إلي حين، كان مترددا في استخدامها لأنها مغلقة ومهجورة، تفتقد النظافة التي تليق بإقامتها فهي غير نظيفة بالمرة، كان والده قد أجرها له حينما كان طالبا بجامعة عين شمس بعد التخرج رفض التفريط فيها، ربما استطاع استعادة ترميمها وتنظيفها، ورفع القاذورات من جوانبها، ليتمكن من الارتباط بابنة الحلال المناسبة، أو الإقامة بين جدرانها وها هو الوقت المناسب لها، ستكفي بالغرض، وكان يكتفي باللقاء بها، في حديقة بيته، أو سطح بيتها حين تأمن لغياب الأم والأب، وحيثما اتفق، مما تتيحه الفرصة المختلسة.
صعدا إلي عربة (الميكروباس) ال (تيوتا) وتخيرا المقعد الأخير الذي لا يتسع إلا لشخصين.
وقف السائق في مدخل الموقف، ينادي علي رحلته حتي جمع الأحد عشر راكبا، ضغط علي دواسة البنزين بعد أن وضع شريط القارئ السعودي الممل، إن صوته يحيي في ذاكرته طنين الذباب حول فتحات المقابر.
- توكلنا عليه، الفاتحة للنبي يا إخواننا.
ورطبت الفاتحة ألسنة الركاب الذين رددوها همسا.
كانت السيارة تطير فوق الأسفلت بخفة الريشة يستعرض السائق قدراته، في الاقتحام والكر والفر حول سائقي الميكروباس من زملائه القادمين من مدن أخري.
الترتيل، والصوت الكئيب للقارئ، تغلبا علي مشاعرهما، فجمدت جذوة الشهوة المتقدة. فمال برأسه نحو الزجاج الخلفي، ليكمل نومه، فقد قضي الليل مع الأصدقاء لتدبير خطة بديل، فعاطف النذل بدٌّل رأيه، عند نهاية السهرة.
- خالد .. لا أستطيع أن أتيح لك الفرصة التي طلبتها، فالأمر ليس بالسهولة التي تتصورها.
- لقد وعدتني يا عاطف.
- حصل، لكني لا أستطيع، ولا أريد القيام بهذا الدور.
كان يقفان في مدخل (البلوك) بعد أن فارقتهما جماعة السهرة.
- إنك تفتقد النخوة مع الأصدقاء.
- سمها ما شئت.
- وعد الحر دين يا عاطف.
- أنا لست حرا. لي جدة تقيم معي، ولي جيران لا تخفي عنهم خافية.
- وأين الجدعنة، والشهامة، كم من رسالة كتبتها إلي حبيبتك؟
- أتعيرني؟
- وأبصق في وجهك أيضا.
- الله يسامحك.
شجعه هذا علي دفعه، نحو الدرجات القليلة للدور الأرضي، فسقط عاطف علي ظهره، فلكثرة ما تناول من بانجو، لم تعد لديه القدرة علي المقاومة، وظل لفترة طويلة يجاهد عقله في استيعاب ما حدث، وخالد فارق المكان عائدا إلي بيته، في انتظار موعدها، لم تعد هناك فرصة للتراجع، ألقي نظرة علي البيت، فوجد الأم مستغرقة في نومها، وخادمتها العجوز، فردت السجادة الصغيرة لتؤدي صلاة الفجر، فانسحب بهدوء، يسير ببطء من شارع إلي شارع، محلات البرجين غلقت أبوابها، واطفئت الأضواء البهيجة، مر علي كثير من تجار الفاكهة، يفترشون الأرض أمام بضاعتهم، ورأي النور الشحيح لبائع الفول والطعمية، حين دنا منه امتلأت أذناه بضجيج الماكينة التي تطحن حبات الفول المبلولة مختلطة بالبصل والكرات والكزبرة، اشتهي الساندوتش الأول، فالزيت غير مستعمل ألقي نظرة عليه، فوجد الصينية الكبيرة السوداء زيتها علي نار وابور قوي، والرجل وقف خلفها، يكور العجين الطازج ويلقي به في الزيت المغلي، ثم صعد درجات المحطة، وجلس علي نفس الكرسي الذي التقيا عليه البارحة.
وفض ورقات الصحف، ليسحب منها ساندوتش الصباح الشهي، وكان يلقي النظرة من حين إلي آخر متوقعا قدومها في الموعد المحدد.
أخيرا رأي قوامها المثير، بخصوبة لا تنتمي إليه، كانت تعبر قضبان السكة الحديد بحذر، وترقب التحويلة الأرضية حتي لا تقبض علي قدمها.
جلست بهدوء إلي جواره، وهي تخفي وجهها في طرحة سوداء بلون كحل عينيها.
- كم أنت جميلة يا حبيبتي؟
- أنت الأجمل.
- كيف قضيت ليلتك؟
واستعادت محاولات الأب في اقناعها، فلم يفلح في مسعاه، قام عنها وهو غاضب، بعد أن قلب كل شلو من جسدها.
هل يريد إبقاء الأمر علي ما هو عليه، ليصل إلي أغراضه، عند الزيارة إليها، لا يخرج من الشقة، يمدد جسده المكشوف أمامها.
- رحلت إليك للعلاج.
- كيف يا أبي؟
- يرتاح الجسد بلمسك إياه، وأنا اعتدت علي ذلك.
- ولماذا لا تذهب إلي صاحبتك أم كريم.
- مع أم كريم الأمر مختلف، فهناك الشهوة التي تنعش شبابي.
- ولماذا لا تطلب هذا من أمي؟
- ما بيني وبين أمك انتهي من زمان.
- في الخفاء هي لا تريدني، وأنا لا أريدها، ولكننا نحفظ الود، بسبب العشرة الطويلة.
وتركت وحدها علي سرير طفولتها، يشملها ظلام خفيف، نسمة هواء لطيفة تتسرب من خصاص النافذة، تأتي الفكرة وتذهب، تحاول إقناع نفسها بالاستمرار معه، فهناك طفل برئ، تضمه أحشاؤها، منسوب إليه في النهاية، ما ذنبه، ولكن خالد يأخذها إلي عالم آخر، لا تملك تجاهه تبديلا، إنها مجذوبة إليه بكل ذرة من أعضائها، هو العليم بها، والعارف لكيفية التعامل معها. هناك فرق، بين الإجبار والاختيار، في بيت الزوجية الذي لم تختره، ولم يستشرها أحد في مدي قابليتها له. "أمر مختلف في اختياري لمن يتعشقه قلبي ويمتع عيني بمشاهدة عريه الأليف، برائحته الطبيعية التي تنهض الرغبة من عمقها".
وكان القرار حاسما لا رجعة فيه، سأذهب معه، ولو لآخر نقطة من الدنيا الواسعة، وليحدث ما يحدث، أبي الذي يلومني، ويرجوني العودة إليه، حفاظا علي مظهر اجتماعي زائف، واقع في نفس البئر التي لا قرار لها، إن أمي توارت من حياته، وصارت أم كريم هي بؤرة الوجود.
لماذا لا تسمحون لي بما تتيحونه لأنفسكم؟
وقامت في الصباح الباكر، بيضاء القلب، طاهرة من كل دنس، ومن كل شعور بالخطيئة.
- سأذهب مع حبيبي إلي أقصي حدود الشمس أصل الحياة، وجوهر الوجود.
وفي الصباح، ارتدت ثوبها الأسود وغطت شعرها ووجهها، وكتبت الورقة (آسفة يا أبي مضطرة للرحيل، أو الانتحار) وضعتها علي زجاج الكومودينو، ورفعت حقيبة صغيرة، بها غيار داخلي، وجلباب منزلي خفيف، مررت أصبع (الروج) علي شفتين دسمتين، ورسمت عينا فرعونية علي الكحل الأزلي.
كان السائق قد بدل القارئ بقارئ آخر. فصاح فيه خالد متوترا.
- يا أخي طريقة هذا المقرئ تزعجني.
- هذه هي القراءة الصحيحة يا أستاذ.
- المهم حلاوة الصوت.
- ليس هناك أفضل من السديسي قارئ المسجد الحرام.
- إن مصر تفيض بالأصوات الجميلة، أتعرف أن قرائنا هم من علموا المسلمين صحة القراءة.
- الوضع تغير يا أستاذ وخضوعا لأمر سعادتك. سنرفع الشريط، لتسمع شيئا يفيدك في دنياك.
وانطلق صوت غليظ معاد، يكره الدنيا ومن عليها يتحدث عن عذاب القبر، وماذا سيحدث للعيون الجميلة والشفاه المشتهاة، والشعر المنساب الذي لا يستره حجاب. سيأتي عيه الدور جميعا، إن المفاتن هي غذاء الدود في ظلمة القبر.
- ربنا يقرفك.
- إن هؤلاء الصبية جعلونا نكره حياتنا بمسراتها القليلة.
- حاولي نسيان الأمر برمته.
وقطعت السيارة الطريق المسفلت العريض، فبدت علي يساره ترعة، نمت علي جوانبها الكثير من أشجار الفاكهة، والقليل من محاصيل الأرض.
- أين نحن الآن يا خالد؟
- هذه بلبيس، عاصمة الشرقية في الأزمنة العتيقة.
- والترعة؟
- اسمها الحلوة.
- حلوة؟
- حفرت قبل القناة ليشرب منها عمال الحفر، وتمد الإسماعيلية وبورسعيد وما بينهما بالماء.
- ومن الذي قام بحفرها؟
- أجدادنا الفلاحون بأمر من ديليسبس، وبموافقة الخديو سعيد.
- كانت صحراء قاحلة، اليوم كما ترين الزراعة تنتشر حول واديها، تبدأ من شبرا وتنتهي في بورسعيد.
- مشوار طويل. أتعرف كأنني رأيت هذا المشهد في المنام.
- القناة أطول منها، تربط بين البحر الأحمر والأبيض.
- ياه ..
- كانت السبب في احتلال مصر، وأممها عبد الناصر
عام 56.
- اعرف هذا.
مرت السيارة أمام أبو زعبل، فسألت عنه مها.
- ما هذا المكان الكئيب؟
- سجن أبو زعبل.
- سمعت به.
- ثم مرت بالقرب من شعلة نار، تقوم علي عمود مرتفع، جذوة ناره لا تنقطع، تظل علي اتقادها، ليل نهار، وعلي مدار العام، أرادت مها السؤال عنها، وفضلت السكوت، فقدر أنه يذهب في غفوة، استجاب لها بهدوء.
- ياربي بالضبط كما رأيت في المنام رغم أنني لم أزر المكان من قبل.
بدل السائق الشريط، وادخل آخر، يشبه في صوته الأول. ضغطت علي أعصابها لما رأت يد السائق ترفع الزر، فيتضاعف الصوت، فقد لمح في المرآة العكسية، صمتها، وشعر أنها لن تعترض.
ثم ظهرت المباني من بعيد، دخلوا حيا، له شوارع ضيقة، وعمارات كالحة، وزحام من البشر، يتوزعون ما بين الشوارع، فاحت بالفجيعة "علي العموم لن أقيم فيه، يومان أو ثلاثة، ثم تبحث الأمر مع خالد، بعد عودتهما إلي البلدة، ولتواجه الأسرة، وليكن ما يكون".
لكزت خالد في جنبه، فانتبه في الحال، قام بعينين يبك الدم فيهما، وصاح وهو يتهيأ للنزول.
- السهرة كانت ثقيلة؟
- يعني.
استلما شارعا ضيقا، تتوزع الزبالة في أركانه، يقطعان الطريق بحذر، حتي لا يصطدما بسيارة (توك توك) أو بطفل يطارد آخر في شقاوة، يخشيان زجره، حتي لا يشتبكا مع أحد من أهله. فهم في النهاية مجرد غريبين، لا يعرفهما أحد.
ودخل شقة قديمة جدا، تآكلت جدرانها المدهونة بجير لم يقم أحد بتجديده منذ استلامه إياها. وأبواب تفيض بالقذارة، فاسودت جوانبها. فارغة، ليس بها غير حجرة، وصالة فرشت بسجادة تناسلت حوافها وحجرة أخري تضم سريرا، وطاولة لها كرسي وحيد، ولا شئ غير ذلك.
صاحت بهول: ياه .. عايزة عمال البلدية.
- المهم أننا لن نقيم فيها إلي الأبد، مجرد يومين أو ثلاثة لا غير.
- سأحاول تنظيف مكان يفي بالحاجة.
- وما هذه الحاجة؟
- يا قليل الأدب، وضربته علي ظاهر كفه بدلع.
- أعد مكانا (كل شي إن كان)، وركز علي الفراش، ضرب أركانه بفوطة قديمة، فهاج التراب الراكد.
- يكفي هذا .. فترابه يدفعني للربو.
- يعني مريضة بصدرك.
- يعني.
- لم أشعر بهذا أبدا.
- أحاول إخفاءه عنك .. حتي لا تكرهني.
- أنتظري هنا لبعض الوقت، لأحضر طعاما يكفي لمدة معقولة.
حين عاد وجدها في ثياب البيت التي زادها جمالا.
- ما هذا يا حبيبتي؟
- بعض ما عندكم.
- ولكني لم أحضر ملابس داخلية مثلك.
- الجو معقول .. ويمكنك أن تظل بهما ولا تخشي النظر اليك.
- ليتك تفعلين مثلي.
- عند اللزوم

أخبار الأدب : أسوأ عام ثقافي لرحيل يوسف أبو رية ومحمود العالم


السبت الماضي غيب الموت محمود أمين العالم وصباح الاثنين مات يوسف أبو رية. بثمانية وأربعين ساعة سبق الناقد الروائي إلي الراحة الأبدية، بينما كان قد سبقه إلي تعب الحياة بثلاثة وثلاثين عاما.
رحيلهما مفتتح سيء لعام جديد، بعد سنة وصفت بأنها الأسوأ بسبب عدد الراحلين خلالها.
وليس الموت وحده ما يجمع بين العالم وأبو رية، بل العيش والرحيل بكرامة وبقامة منتصبة، في زمن الانكسار.
....
المفكر والناقد محمود أمين العالمِ الذي رحل عن دنيانا عن ست وثمانين عاما قضي قسطا وافرا منها في السجون، ترك وراءة نحو عشرين كتابا وديوان شعر ومئات المقالات، والكثير من الاحترام والحب.
لكن من المؤكد أن الصورة التي ستبقي من محمود أمين العالم لدي جميع من عرفوه هي الابتسامة الواسعة التي لم تفارقه في أحلك الظروف.
للعالم ديوانا شعر هما "قراءة في جدران زنزانة" و"أغنية الإنسان" وهما، إن لم يعد أحد يذكرهما، يمثلان رحلة حياة المفكر والمناضل، الذي لم يكف يوما عن الغناء للإنسان بطريقته، ولم يكف عن الحلم.
شيوعي بقلب متصوف، والتصوف، لا الرؤية الأيديولوجية، هو الذي جعله علي مسافة من مغريات السلطة، علي الرغم من أنه لم ينظر إلي مؤسسات الدولة برفض تام. عمل موظفا إداريا في وزارة التربية والتعليم أثناء دراسته في قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) قبل أن يعين معيدا بها وينجز أطروحة ماجستير في "فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية" عام 1954، وهو ذات العام الذي فصل فيه من الجامعة مع عدد من أساتذتها، ليعمل في إعطاء دروس تقوية في الفلسفة قبل أن يبدأ العمل بالصحافة ويكتب مقاله الشهير مع صديقه عبدالعظيم أنيس يردان فيه علي مقال لطه حسين في جريدة الجمهورية حول مفهوم الأدب، وكان المقال بداية معركة أدبية تردد صداها في العالم العربي كله، وبداية لرحلة العالم مع الصحافة الأدبية والسياسية، تنقل فيها بين دار روزاليوسف والتحرير وأخبار اليوم، التي تولي رئاسة مجلس إدارتها، وكان بين هذه المحطات ضيافات علي السجون، قبل أن يسافر إلي إكسفورد للتدريس بها، ثم إلي باريس بطلب من صديقه الراحل جاك بيرك، حيث عين في جامعة باريس وظل بها منذ 1973 إلي 1984. وخلال تلك الفترة أصدر مع عدد من رفاقه مجلة "اليسار العربي" وعندما عاد إلي مصر أنشأ الكتاب غير الدوري "قضايا فكرية"
تاريخ طويل من الكتابة والعمل، في مناصب كبيرة، ولم يسع طوال حياته إلي امتلاك شيء مما أزاغ أبصار عشرات المثقفين، ولهذا تحول قرار فرض الحراسة علي أمواله إلي نكتة!

يوسف أبو رية، الذي دخل الحياة وخرج منها بعد العالم، متصوف بطريقته أيضا। المولود في 2 فراير 1952في ههيا بالشرقية تخرج في كلية الإعلام عام 1977، وبعد تجارب كتابة في بعض الصحف، آثر الابتعاد عن مهنة البحث عن المتاعب، وفضل عليها الوظيفة المنضبطة التوقيت في قسم الإعلام بالمركز القومي للبحوث العلمية।

....
وبعد نشاط سياسي حافل بدأ أبو رية يركز علي الكتابة، في فترة أغلقت فيها المجلات الأدبية، التي عوضتها مجلات الماستر، وفيها نشر يوسف قصصه إلي أن أصدر مجموعته الأولي "الضحي العالي" عام 1985، التي كانت بداية لقائمة ضمت ست مجموعات قصصية متميزة، بينما كانت "عطش الصبار" عام 1989أولي رواياته، في عقد من سبع روايات آخرها "ليالي البانجو" التي لم تصدر بعد وننشر فصولا منها في هذا العدد.
لم يكن يوسف أبو رية منعزلا، لكنه اختار لحياته إيقاعا هادئا، وضع الدنيا علي مسافة من بابه، لكن المرض الغادر اقتحم كبده منذ ستة أشهر. وبني يوسف مقبرة جديدة علي الرغم من وجود مقابر الأسرة، وكان سعيدا بها وبشجرات زرعها أمامها، علي الرغم من وجود مقابر الأسرة. ولم يكن هذا قرارا بالموت، لكن هكذا فكر. بينما كان يضمر الحياة حتي اللحظة الأخيرة، وآثر أن يحتفظ بصراعه مع المرض سرا، وعندما أصبح لا مفر من الإعلان، أطلع يوسف أصدقاءه وعائلته علي المرض الذي كان يتطلب جراحة زرع فص من الكبد.
والدولة التي تأتي متأخرة، أو لا تأتي علي الإطلاق، لم تمتلك أذنا تستمع للنداءات، هنا في أخبار الأدب، وفي الصحف الأخري، وفي التليفزيون عبر الإعلامي محمود سعد، وبرامج أخري. ووقفت عائلة أبو رية معه بصلابة، لإجراء الجراحة دون مساعدة من أحد، وتسابق أبناء أخوته لفدائه بقطع من أكبادهم، لكن الفحص كان يستبعد متبرعا بعد الآخر. ونفذت كلمة القدر في اليوم الذي امتدت فيه أيد من الخارج لتنتشله.

.....
أخبار الأدب
18 يناير 2009

الاثنين، 12 يناير 2009

صاحب الطواحين .... وداعًا


تنعي أسرة دار العين للنشر الكاتب الكبير يوسف أبو رية والذي انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم 12 يناير 2009
وترثى لفقد الأمة العربية واحد من أهم أدبائها ومثقفيها
ويوسف أبو رية هو كاتب وروائى من جيل الستينيات قدم أكثر من مجموعة قصصية وروائية.
ولد في في 2 يناير 1955 بمدينة ههيا محافظة الشرقية. وحاصل على بكالوريوس إعلام ،قسم صحافة ونشر ،جامعة القاهرة ،عام1977. وكان يشغل منصب كبير أخصائيين بدرجة مدير عام بالمركز القومى للبحوث.

المؤلفات: صدرت له ست مجموعات قصصية هى:
الضحى العالى، عام 1985.
عكس الريح، عام 1987.
وش الفجر، عام 1993.
ترنيمة للدار، عام 1995.
طلل النار، عام 1997.
شتاء العرى، عام 2003.

- صدرت له خمس روايات هى:
عطش الصبار، عام 1998.
تل الهوى، عام 1999.
الجزيرة البيضاء، عام 2000.
ليلة عرس، عام 2002.
عاشق الحى، عام 2005.
صمت الطواحين عام 2006 والطبعة الثانية 2008


- إصدار للأطفال:
خبز الصفار، عام 1988.
أسد السيرك، عام 1989.
طفولة الكلمات، عام 1995.
الأيام الأخيرة للجمل، عام 1998.
هكذا تكلمت الأشياء ، عام 2004.
الورد جميل، عام 2003.
مغامرات ماركوبولو، عام 2005.
أحلام عنترة (رواية للأطفال).
حقل صغير (قصص للأطفال).

ترجمات :
- ترجمت قصصه إلى الإنجليزية ترجمه دينس جونسون ديفز، الأولى، عام 1979.
- ترجمت قصصه إلى الإنجليزية ترجمه دينس جونسون ديفز، الثانية، عام 2000.
- ترجمت قصصه إلى الألمانية، (مختارات القصة المصرية القصيرة) ترجمة دوريس كلياس، الأولى، عام 1989.
- ترجمت قصصه إلى الألمانية، ترجمه المستشرق السويسرى هارتموت فانيدرتش، الثانية، عام 1991.
...
للمزيد عن يوسف أبو رية يمكن مطالعة حواره في الشرق الأوسط والذي تحدث فيه عن نشأته وكيف أثرت الأجواء الريفية التي عاش فيها على جميع أعماله بعد ذلك .

الأحد، 11 يناير 2009

مبروك لحسام فخر وطارق إمام ..


ذهبت جائزة نجيب ساويرس للرواية إلى الروائي محمد البساطي عن روايته «دق الطبول». بينما ذهبت جائزة القصة القصيرة إلى حسام فخر (حكايات أمينة). وتبلغ قيمة كل جائزة حوالى 18 ألف دولار.
أما في جوائز الكتاب الشباب (أقل من 40 عاماً)، فقد ذهبت جائزة الرواية إلى هدرا جرجس (مواقيت التعري) واحتلّ طارق إمام المركز الثاني عن روايته «هدوء القتلة». أما جائزتا القصة القصيرة، فذهبتا إلى بسمة عبد العزيز عن «علشان ربنا يسهل»، وشريف عبد المجيد عن «خدمات ما بعد البيع».
....
يذكر أن لحسام فخر رواية صادرة عن العين وهي رواية "حواديت الآخر" ، كما تصدر قريبًا رواية" الأرملة تكتب الخطابات سرًا " لطارق إمام على معرض القاهرة للكتاب يناير 2009

الأحد، 4 يناير 2009

من كتاب "توابع الفتنة الكبرى ": مقدمة الابن عمر الخالدي

كان الدكتور أبو النصر محمد الخالدي عالمًا هنديًا رائدًا من حيدر آباد، وكان متخصصًا في التاريخ الإسلامي والهندي। وُلد أبو النصر محمد الخالدي عام ١٩١٦ من عائلة ينحدر نسلها من الجنود الذين رافقوا الألف والأربعمئة وليّ الذين جلبوا من دلهي إلى هضبة الدكن في القرن الرابع عشر, عندما أمر السلطان محمد طغلق بنقل هذه النخبة من العاصمة دلهي إلى دولة آباد في جنوب الهند. لم يُعرف الكثير عن العائلة حتى القرن التاسع عشر. في فترة حكم نواب ناصر الدولة (١٨٢٩-١٨٥٧), كان جد أبي النصر عبدالله حيدر خان وحاكم حيدر آباد جنديًا في الجيش, لكنه ترك الخدمة الحكومية وبدأت ثروات العائلة في الانحدار.كان ابنه حسين خان, وابن حسين خان كان محمد علي الذي اشتهر باسم كلان خان وكان تاجرًا. بعد أن حج كلان خان إلى مكة في ١٨٧٠, وفي طريق العودة تخلى عن الحياة العامة النشطة وسلك طريقًا روحانيًا. عُرف بعد ذلك باسم كال شاه وكان له ابنان, محمد حسين خان وأحمد خان وكان الأول هو والد الخالدي. ومن أجل أن يعول أولاده الأربعة عشرة أدار محمد حسين خان محلاً صغيرًا في لاد بازار, قرب منطقة شار مينار في حيدر آباد؛ لكن عددًا من أولاده ماتوا في الصغر نتيجة الفاقة. كان أبو النصر واحدًا من بين أربعة أولاد بقوا, وسُمِّي في الأصل محمد شرف الدين على اسم مولانا بابا شرف الدين عراقي؛ والذي عرف بأنه وصل الهند قادمًا من بغداد. في هذا الوقت وصل أحد الرماة المسلمين ويسمى غلام رسول خان من راجبوتنا إلى حيدر آباد. بعد أن تزوج من امرأة من حيدر آباد ولم ينجب منها قام بتبني أبي النصر. وفرَّ الابوين بيئة تربوية للولد.

تعليمه

درس أبو النصر في مدرسة محلية حتى الصف السابع, وأدى نجاحه في الأردو إلى دراسة الفارسية بتشجيع من عمه بالتبني. بعد وفاة والده بالتبني وعودته إلى عائلته اضطر أبو النصر إلى ترك المدرسة؛ لكنه درس في مسجد شوك. في ١٩٢٦ التقى أبو النصر بأحد شعراء الأردو المعروفين وكان اسمه صفي أورنكـَ آبادي. وبمساعدة من الشاعر التحق أبو النصر بمدرسة دار العلوم وحصل على شهادته المؤهلة للجامعة عام ١٩٢٨. في هذا الوقت سماه صفي أورنكـَ آبادي بأبو النصر نتيجة لتفوقه وتفانيه, وكان الاسم كناية عن الفيلسوف وعالم الرياضيات الفارابىَّ, وكان هذا هو الاسم الذي أطلقه عليه أيضًا زملاؤه في حياته بعد ذلك. كان حبه للتاريخ الإسلامي سببًا في أن أطلق عليه أحد معلميه لقب الخالدي, كتشريف له باسم القائد العربي خالد بن الوليد.

حصل أبو النصر على شهادة البكالوريوس من الجامعة العثمانية عام ١٩٣٤ وعمل كمدرس خاص للعديد من العائلات. وبالرغم من نصح الكثير له بالعمل في مجال الحقوق؛ إلا أن حبه للتاريخ الإسلامي قاده لاحقًا إلى الدراسة مع مولوي جميل الدين أحمد (توفي عام ١٩٥٦), وهو هندوسي الأصل دخل في الإسلام، وأصبح عالمًا فذًا في العربية والفارسية بالإضافة إلى عمله كقاضي. شجع جميل الدين أحمد؛ الذي عرف باسم "راجا حضرت", أبا النصر على دراسة القرآن والصوفية, وبتأثير منه دخل أبو النصر الصوفية على يدي الشيخ محمد حسين (توفي عام ١٩٤٥) وهو أحد تابعي مشالي ولي شاه (توفي عام ١٩٢٣). حصل أبي النصر خلال هذا الوقت على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي عام ١٩٣٦, وبعد أن اتبع تعاليم ونصائح رجل تقي يدعى سيد نظام الدين(1), تزوج أبو النصر من ابنته خير النساء زبيدة عام ١٩٣٨. انحدر نسل عائلة سيد نظام الدين من سيد حبيب الله شاه (توفي عام ١٦٣١) وهو أحد أولياء بيجابور المعروفين. وكان من علامات الاحترام البالغ الذي كنه سيد نظام الدين للخالدي أن وافق على تزويج ابنته من غير سيد, كما كانت العادة في الهند.

في عام ١٩٣٩, عانى أبو النصر من خسارة شخصية حين توفي حموه سيد نظام الدين. وحين سارت جنازته قرب قبر سيد محمد محمود مكي في كيشان باغ, ذهل أبو النصر من عدد المتشيعين، حتى أنه رقد في القبر للحظة بجانب حماه المتوفى, وقال زوج ابنته خواجه معين الدين عزمي أنه كان يحتذي بالرسول عندما حضر جنازة زوجته السيدة خديجة. في هذه الفترة احتل أبو النصر مركزه في دار الترجمة بالجامعة العثمانية وتفانى في إنتاج النسخ الأردية من الأعمال الكلاسيكية من كلا اللغتين العربية والإنجليزية. وهناك خالط أبو النصر مشاهير الأدب الأردي مثل مولوي عبد الحق (المتوفى عام ١٩٦١) وسيد أبو الخير المودودي (توفي عام ١٩٧٩) ومن خلاله قابل العالم الإسلامي سيد أبو العلاء المودودي (توفي عام ١٩٧٩) الذي تجادل معه واتفق. وحين خلت وظيفة في قسم التاريخ بالجامعة العثمانية عام ١٩٤٢, تم توظيف أبي النصر ليحل محل المدرس السابق المولوي جميل عبدالرحمن. بقي أبو النصر في هذه الوظيفة حتى تقاعده عام ١٩٧٦.

حياته في القاهرة

في يوليو من عام ١٩٤٦ عرضت حكومة نظام حيدر آباد على أبي النصر فرصة الدرسات العليا في القاهرة كي يحسن من لغته العربية ويتقنها. وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) عام ١٩٥٠, وكان بحثه عن القائد الشيعي المختار بن عبيد الثقفي الذي توفي عام ٦٨٦ من الميلاد, وكان المشرف على رسالة الدكتوراه البروفيسور حسن إبراهيم حسن. وهذا الكتاب هو رسالة الدكتوراه التي قدمها الخالدي عن المختار إلى جامعة فؤاد عام ١٩٤٩. كان هذا كتابه الوحيد باللغة العربية وباقي ما نشره كان بالأردية. كان اختياره للغة الأردية دائمًا عن عمد؛ حيث أراد أن يثري لغته الأم؛ فقد قال أبو النصر ذات مرة أن الكتابة بالإنجليزية كانت أكثر ربحًا, لكن الكتابة بلغته الأم كانت أهم واكثر إرضاءً.

كانت بيئة القاهرة الفكرية والأكاديمية في الأربعينيات متألقة بشخصيات مرموقة مثل طه حسين, وخالد محمد خالد, وحسن البنا شهيد (١٩٠٦-١٩٤٩) وآخرون. استغل أبو النصر وقته لأقصى حد في حَّضور محاضرات هذه الشخصيات اللامعة والتقى بالدارسين من أجزاء العالم العربي المختلفة، وأيضًا بزيارة الأكاديميين من أمريكا الشمالية مثل دبليو سي سميث (١٩١٦-٢٠٠٠)، وكان يصلي كل جمعة في مسجد مختلف لكي يرتوي من نبع العمارة الإسلامية في المدينة العامرة بالآثار من مختلف العصور والطرازات. لم تُصقَل لغته العربية فحسب بل وتحسنت أيضًا معرفته بالتاريخ الإسلامي من المصادر العربية. وخلال معيشته في القاهرة تدهور الحال السياسي في بلده حيدر آباد بسبب إصرار حكومة الهند أن تنضم لها حيدر آباد بعد أن كانت دولة مستقلة. وبمجرد أن رفض النظام الحاكم لحيدر آباد ذلك؛ فرضت الهند العقوبات الاقتصادية عليها في ١٩٤٨. وكان للعقوبات الاقتصادية على بلده تأثير بالغ لدرجة أثرت على الطالب الفقير الذي يعيش بعيدًا عن بلاده. توقفت منحته وانقطع المرتب الذي يصل عائلته في حيدر آباد مما تسبب في مشاق كبيرة. وخلال هذه الصعاب التي عاناها أبو النصر, آتاه العون من الحاج سيد أمين الحسيني (١٨٩٥-١٩٧٤) مفتي فلسطين. وتذكر المفتي الذي زار حيدر آباد العديد من المرات في الثلاثينيات والأربعينيات حب المسلمين الذي قابله في زيارته, والمعونات الكبيرة التي أعطاها له والي حيدر آباد من أجل شراء الأراضي الفلسطينية لكي يمنع الاحتلال الصهيوني للأراضي المقدسة بفلسطين. كان المفتي شخصيًا في المنفى بعيدًا عن فلسطين وكان يعيش في القاهرة حينها, وفر المفتي المال لأبي النصر كي يتعايش مع الظروف القاسية التي فرضتها حكومة نهرو. وانتهت معاناته عندما انتهت حرب الهند ضد حيدر آباد بهزيمة الوالي في سبتمبر ١٩٤٨. وعندما رجع إلى بلاده واصل مهامه في الجامعة العثمانية.
ما نشر من أعماله

تعددت أعمال أبي النصر وتحددت في ثلاث مواضيع: التاريخ الإسلامي والعصور الوسطى في الهند, والدراسات القرآنية والآدب الإسلامي في اللغة الأردية। حتى قبل أن ينتهي من رسالة الدكتوراه قام بنشر العديد من الترجمات للأعمال الإنجليزية الكلاسيكية عن التاريخ الإسلامي باللغة الأردية. لم تنشر العديد من أعماله في حياته نظرًا لفقر النشر العلمي في الهند. في ١٩٧٥, وصى الخالدي عائلته بنشر كتاباته وأعماله, وعملاً بوصيته نشرت عائلته سبع كتب له بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٦ حول الدراسات القرآنية, بالأردو الدكني وأيضًا تراجم لشخصيات مهمة ومعروفة من التاريخ الهندي والإسلامي مع الإشارة إلى أعمالهم الأصلية. في حياته تم نشر أربعة من كتبه. وقد كتب محمد حميد الله (١٩٠٨-٢٠٠٢), وهو عالم مشهور كتب بالعربية والأردية وعدد من اللغات الأخرى, تعريفًا وشرحًا لكتاب أبي النصر.
...............
مقدمة الابن عمر الخالدي
لكتاب توابع الفتنة الكبرى
لمؤلفه :د.أبو النصر عمر الخالدي

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2008

المؤرخ عبادة كحيلة يكتب ورات في الزمان الصعب


هنــا
عرض موقع محيط لكتاب ورقات في الزمان الصعب
لد.عبادة كحيلة والصادر عن دار العين للنشر
....
د.عبادة كحيلة أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة ،وصدر له العديد من الكتب في هذا المجال ،منها "الخصوصية الأندلسية وأصولها الجغرافية" و"تاريخ النصارى في الأندلس " و"عن الشعر والتاريخ:قراءة في القصائد السلفية " .

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

وجدي الكومي عن شديد البرودة ليلاً

كلنا شركاء في الجريمة
حوار :أحمد ناجي
......
يحكي وجدي الكومي صاحب رواية شديد البرودة ليلا ، والمولود سنة 1980 حكاية تستحق التوقف وتفسر كتابته للرواية التي يمكن وصفها برواية حرب لم يخضها، فقد تخرج وجدي من قسم الآثار المصرية بجامعة القاهرة عام 2001 ليعمل في مجال السياحية، ومع بداية الحرب الأمريكية علي العراق، تعرض سوق السياحية في مصر للكساد، وبالتالي فقد وجدي وظيفته بشكل مؤقت، حتي هدأت الأجواء السياسية وعادت حركة سوق السياحية لأدائها الطبيعي، لكن ما حدث كشف له تأثير الحرب الذي لا يقتصر علي الطرفين المتحاربين، فقط بل يمتد ليشمل الجميع خصوصا في البلدان العربية، وهو ما حاول أن يعكسه في روايته الصادرة مؤخرا عن دار العين .
ورغم أن وجدي يعترف أنه لم يسبق له السفر خارج مصر لأي مكان، لكن الرواية تدور أحداثها في عدد من البلدان العربية بداية من الكويت والصحراء العراقية وحتي قصور المغرب، فبطل الرواية المصري والذي سبق أن شارك في حرب تحرير الكويت في التسعينات، يحصل أخيرا علي عقد عمل مغري في إحدي الدول الخليجية، وحينما يسافر ليستلم وظيفته يكتشف أنه متورط داخل شبكة دعارة ضخمة، مهمته فيها جلب الفتيات من المغرب العربي ومختلف البلدان وتسفيرهم إلي الخليج من أجل توفير المتعة للشيوخ، لكن بطل الرواية جايل الآخري تبدأ في إفساد الأمر وتحويل الفتيات إلي عصابة من القتلة يقومن بتصفية الشيوخ وإلقاء جثثهم في مياه الخليج العربي لينهار كل شيء في النهاية، وفي خلفية الأحداث تبرز حرب الخليج التي يسجل عنها وجدي الكثير من التفاصيل التي تم التعميم عليها طوال السنوات الماضية.
تطلبت الرواية من وجدي أكثر من عام سعي فيه لجمع كل المعلومات الممكنة عن حرب الخليج أعتمدت بشكل أساسي علي كتاب محمد حسنين هيكل عن حرب الخليج (أوهام القوة والنصر) كما لجأت لتسجيل شهادات شخصية لضباط مصريين شاركوا في الحرب، ومعظمهم كان يرفض في البداية الحديث، لذلك فقد كنت أخبرهم أني أقوم ببحث عن الحروب العربية العربية بداية من حرب اليمن وحتي حرب الخليج ومشاركة الضباط المصريين فيها، ومن حديث معهم وجدت عدة إشارات لحوادث إبادة جماعية حدثت للجنود العراقيين، فقد أخبرني أحد الضباط المصريين أن الحرب تم فيها استخدام مركبات هادمة للخنادق، كانت تهدم خنادق الجنود العراقيين، وهم فيها أحياء، بالإضافة إلي قصة قديمة أثرت في منذ كنت طفلا حيث مات أحد جيراني بعد مشاركته في الحرب بسبب السرطان الذي أصابه نتيجة لتعرضه للإشعاع أثناء الحرب، لكني في النهاية لم أرد أن أقدم رواية حرب، بل اردت أن استخدم الحرب فقط كضفيرة، بحيث تأتي في خلفية الأحداث .
في مقابل صورة الجنود العراقيين المظلومين والمدفونين أحياء تحت مدرعات جيوش التحالف التي قدمها وجدي في الرواية، جاءت صورة الإنسان الخليجي سلبية، فهم غالبا شيوخ بجلابيب بيضاء وكروش ممتلئة وأعين جاهزة دائما للالتهام لحم الفتيات، لكن الكومي يدافع عن شخصيات روايته قائلا ليس لدي أي كراهية شخصية لشيوخ الخليج، أنا فقط أخذت لقطة واحده وهي الجانب الاستهلاكي في شخصية الإنسان الخليجي، لكن كل الشخصيات أخذت نصيبها من القسوة، فالجميع اشترك في الجريمة التي حدثت وتحدث حتي الآن، بطل الرواية المصري لم يأتي بصورة أفضل من الآخرين، بل ظهر كقواد .
أحد التيمات الفنية التي استخدمها وجدي في روايته كان تيمة الفصام. فبطل الرواية مطارد دائما ومنذ كان ضابطا في الحرب من شخصية أخري تدعي جابل، يظهر له في فترات متباعده لينهال عليه بالسباب والكلمات، لنكتشف في نهاية الرواية أن الراوي هو نفسه جايل الذي كان مجرد انعكاس وصورة أخري لضميره أو روحه التي فقدها في صحراء العراق، وهي نفس التيمه التي ظهرت مؤخرا في عدد من الروايات التي حققت نجاحا ملحوظا، لكن وجدي يبرر استخدامه لتلك التيمة قائلا فكرة الفصام ليست ملك للأعمال الروائية السابقة واستخدامها ليس مقصور علي روائيين بعينهم، ففي رأي كلنا لدينا قدر من الفصام، وأنا حاولت تقديمه بشكل مختلف عن التجارب السابقة، فليس المهم هو تكرار التيمة بل كيفية تقديمها، نجيب محفوظ مثلا قدم هذه التيمة لأول مرة في سيناريو الاختيار مع يوسف شاهين، لكن هذا لم يمنع روائيين آخريين من تكرارها واستخدامها .
اعتمد الكومي في روايته علي الحوار بشكل أساسي، والذي أحيانا يتحول لمونولوج طويل من شخصية لأخري يحمل خلاصة معني الرواية، مثل مونولوج الرواي لشيوخ الخليج في نهاية الرواية الذي يكشف فيه كل شئ.
ورغم تعدد جنسيات شخصيات الرواية إلا أنها كلها كانت تتحدث الفصحي وبطلاقة لا تعكس لهجتها المحلية، ويفسر وجدي اعتماده علي الفصحي قائلا لم أرغب في كتابة الحوار بالعامية لأن اللهجة المصرية في رأيي محلية جدا، وأنا شخصيا أثناء بحثي وتجهيزي للرواية واجهت كلمات مغربية وجزائرية صعبة جدا لم استطع فهمها، لذلك كانت اللغة العربية منقذي، بالإضافة لاعتقاد أن الأدب من الأفضل أن يكون مكتوبا بلغة يمكن لأي شخصي عربي أن يقرأها ويحكي الكومي قصة أخري تؤكد وجهة نظرها ذات مرة في إحدي القطارات قابلت مواطنا عمانيا يقرأ رواية وردة لصنع الله إبراهيم، الرجل كان معجبا كبيرا بأعمال صنع الله وبالرواية لكن تخيل لو كانت الرواية مكتوبة بالعامية المصرية ما كان من الممكن أن يقرأها هذا الرجل بسهولة
تعرضت الرواية للرفض من قبل صاحب إحدي المطابع نظرا لاحتوائها علي بعض المشاهد الجنسية بالرغم من أن الكومي يقول حاولت كتابة المشاهد الجنسية بشكل مقبول، فأنا لم أرغب في كتابة رواية جنسية، بل أردت أن تكون المشاهد الجنسية معبرة عن حالة إذلال الفتيات، والفجاجة التي يمارس بها الشيوخ الجنس، لذلك لم أكن قلقا من تعرض الرواية لمشاكل رقابية بسبب الجنس كان هاجسي الأكبر بسبب الأراء السياسية في الرواية والمعلومات الحربية الموجودة فيها لذلك اندهشت من رفض صاحب المطبعة الذي كان بالمناسبة أحد الأسباب التي جعلت الناشرة د।فاطمة البودي أكثر تمسكا بنشرها
...
أخبار الأدب _ 10أغسطس२००८
العدد787

الاثنين، 14 يوليو 2008

يحيي الطاهر عبد الله .. كما وردنا عن عبد الرحمن الأبنودي

الأعمال الكاملة ليحيي الطاهر عبد الله
الآن صادرة عن دار العين
ذات صباح شتائي منذ حوالي أربعين عاما أو أكثر دلف إلي مكتبي بمحكمة قنا الشرعية شاب نحيل الجسم جدا ضعيف البنية، قلق النظرات كأن به مسا وقال في 'عظمة'"هل أنت عبد الرحمن الأبنودي أنا يحيي الطاهر عبد الله من كرنك الأقصر،جئت للتعرف عليكما أنت وأمل دنقل" ।
يحيي الطاهر .. الذي كان عقادياً
أغلقت الدوسيهات التي أمامي ودفعت بها إلي أحد الأدراج وقلت له إذن هيا بنا حتى هذا الوقت لم أكن قد عرفت شيئا عن يحيي الطاهر عبد الله ولكني كنت أعرف عن عمه الحساني عبدالله وهو شاعر كلاسيكي ومن تلامذة العقاد ومن أتباعه وأشياعه المتطرفين في الطريق الى البيت اكتشفت أن يحيي الطاهر 'عقادي' أكثر من عمه، حين تأتي سيرة العقاد تستطيل سبابته لكي تصبح في طول ذراع وتخترق عيوننا ويتشنج وجهه الذي لم يكن ينقصه جنون، ويخرسنا جميعا ويستمر في قوة يحاورنا من طرف واحد ونحن .صامتون خوفا منه أو خوفا عليه أو إشفاقا علي جسده النحيل من تلك التشنجات القاسية.
فردأ من عائلة الأبنودي
।في ذلك اليوم أخذنا المسير الى منزل الشيخ الأبنودي ولم أكن أعلم أن يحيي الطاهر عبد الله لن يغادر هذا البيت إلا بعد ثلاث سنوات .
ينادي أمي (يا أمه) ويتعامل مع الشيخ الأبنودي كأنه والده واستولي مني علي أخوتي. وكان أينما يذهب تمشي الشجارات والمشاكل بين .أمل دنقل وأنا أن يحيي شديد النهم للقراءة وأن اطلاعاته الأدبية تفوقنا بكثير، ربما لأنه أتيح له أن يقرأ في مكتبة عمه. ولأول مرة في حياتنا نكتشف إنسانا ينتمي حقيقة الى الثقافة يدافع عن آرائه حتى الموت، بحميمية وصدق مما يدل علي أنه اتخذ الثقافة أهلا ومنهج حياة ودارا وعائلة ويتحزب تحزبا مصيريا لما يعتقده. كان قد استقال لفوره من عمله في مديرية زراعة الأقصر، فقط ليأتي إلينا، كان يعاني من مشاكل رهيبة مع زوجة أبيه التي هرب بعض أبنائها من هيمنتها الرهيبة الى الوادي الجديد وغيره وترك بقية أخوته تحت سطوتها وجاء يحتمي بنا.
بين يحيي .. وأمل دنقل
لم يكن أمل دنقل كما يعرف معظم من عرفه رقيقا مع يحيي وإنما كثيرا ما كان يترجم حبه له في شكل إثارة وشجارات ومعارك لاشك أفادتنا كثيرا إذ كانت تكشف عن مساحات رائعة في ثقافة يحيي وخيالاته الجنونية الجامحة التي لا حد لحريتها كذلك كان سلوكه 'كوارثيا' إذ كان يطبق نفس هذا الخيال الجامح علي الحياة الواقعية للبشر، وفيما بعد حين كتب القصة كان يستعمل بسطاء الناس والمغفلين والمندهشين موضوعات يكتبها بصوت عال ويمارس عليهم ألاعيبه الخارقة التي هي مزيج من العبقرية والعبث الواعي والجنون.في عام 1962 .
وحيداً في قنا
غادرت إلي القاهرة بعد أن استقلت من عملي بمحكمة قنا وتلا ذلك استقالة أمل واتجاهه إلي القاهرة مثلي وهكذا فرغ الكون حول يحيي في قنا وان كان استمر مقيما في بيت الشيخ الأبنودي عاما آخر بدوني، وقد توثقت علاقته بأهل البيت واعتبر ابنا سابعا للشيخ الأبنودي وفاطمة قنديل التي كانت تحبه شديدا وتعطف عليه شديدا ويخيل لها يوميا أنه سيموت في اليوم المقبل، فقد كان يحيي يجبد التمارض واستحلاب عواطف الآخرين وكان بارعا في ذلك ومعظم ممارساته في ذلك الشأن كانت مقصودة.
يحيي .. يصارع الغباء
كان يحيي يكره الغباء كما لا يكره شيئا آخر وكانت معاركه وصراعاته مع الأغبياء سواء أكانوا أناسا عاديين أو مثقفين أو مبدعين خائبين منطفئين فيما بعد تقلقني سواء في فترة الصعيد أو في فترة القاهرة فيما بعد حين جاء ولكني كنت أدخل معاركه الى جواره دون أن اسأل من المخطئ، فقد كنت اعتقد أن من حق العبقري يحيي الطاهر أن يفعل ما يشاء بالبشر وعليهم الاحتمال.
بعد عام جاء يحيي إلي القاهرة مصطحبا أخي كمال الذي يصغرني مباشرة واضطررت أن أغير سكني بجوار سينما اوديون لأسكن معهما في شقة حقيرة مليئة بالأسرة في بولاق الدكرور وهي الشقة التي كانت أشبه بالملكية العامة والتي كان يتردد عليها أصدقاؤه من أمثال طارق عبد الحكيم، وأحمد فؤاد نجم في ذلك الوقت إلي كمال الطويل كانت هذه الشقة أشبه بالمقهى الشعبي وحولها يحيي الطاهر الى ما يشبه سوق الثلاثاء، فكانت الأسرة تزدحم بالمشردين والغرباء من المثقفين والمبدعين وكان علي أنا أن أطعم كل هذا الجيش من الجنيهات التي أتكسبها من الأغنيات التي كنت اكتبها في ذلك الوقت حيث كان من النادر ان تجد أحدا من أبناء جيلي قادرا علي الكسب.
اسكافي المودة
كان يحيي الطاهر مدخنا بطريقة مفرطة وكنت رغم أني كنت أدخن أنا أيضا لا أطيق الدخول الى غرفته المعبأة بالدخان والتي كان ينام فيها كأنه لن يقوم أبدا.وكنا ننطلق لشراء الكتب من سور الأزبكية وتعلم يحيي الانفلات من 'سطوتي' ليبيت بعض الليلات عند بعض الأصدقاء لكنه كان دائما حبيب الأمهات جميعا وفتاهن المفضل لمعسول لسانه ولصدقه الشديد في المودة التي تحول فيما بعد إلي 'اسكافي' لها وكتب رائعته (اسكافي المودة).
الأبنودي ودنقل .. مشكلة في وجه يحيي الطاهر
حتى رحيلنا من قنا أمل دنقل وأنا لم يكن يحيي الطاهر قد كتب قصة واحدة بعد، وعلي ما يبدو فإن وجودنا بثقلنا الإبداعي في قنا كان يعوقه عن التعبير عن نفسه خاصة بعد أن 'توبناه' من التحزب للعقاد وأسهمنا في 'فتح مخه' علي الثقافة الإنسانية الرحبة دون الوقوع في حبائل أحد بالذات.وكأنه وجدها فرصة في ذلك العام الذي قضاه بمفرده في بيت الأبنودي.ليكتب رائعته الأولي 'محبوب الشمس' قصته الأولي التي نشرها ثم توالت أقاصيصه العجيبة عن عالمه الأعجب وبدأ يحيي الطاهر شيئا فشيئا يكتشف لغته الساحرة التي مازالت محط أنظار كل القصاصين الكبار والصغار وحلمهم في أن يتملوكها وقد شابهوها وقلدوها ولكن سوف تظل هذه اللغة العظيمة مرتبطة بساحرها الأعظم يحيي.
عن صعيد مصر الذي فيه يتألق
ثم بدأ اتجاهه للكتابة عن صعيد مصر فسحر العالم وقدمه يوسف إدريس في مجلة الكاتب بمقدمة ساحرة وكنت دائما أقول ليحيي الطاهر إنني محظوظ أنه لم يكن شاعرا فهو الوحيد الذي كان يمكن له ان يشكل خطرا علي إبداعي لأنه كان يغترف من نفس البئر وعاشر نفس الواقع بمخلوقاته وعلاقاته ومشاكله ومفارقاته وأساطيره لم أكن اخشي أمل دنقل فأمل لم يتجه للكتابة عن الريف أو عن قرانا وحياتنا رغم انه عاش نفس الحياة ولكنه كان يؤمن بالفصل بين الذات والموضوع سواء علي مستوي التجربة الحياتية والسلوك الشخصي।إما يحيي فكان ابنا مخلصا لتجربته مثلي تماما ووهبته قريته الكرنك القديمة حبها واحتضنته بحب وأطلعته علي اسرارها وفتحت لها صندوقها وأطلعته علي حليها الموروث وأشيائها الخاصة جدا وحين تقرأ 'جبل الشاي الأخضر'، 'العالية'، 'طاحونة الشيخ موسي' أو حتى روايته ' الطوق والأسورة' التي كتبت لها الحوار في الفيلم المعروف الذي يحمل اسمها سوف تكتشف انه ينزح من بئر لا ينضب وأن لديه من الكنوز ما لو كان القدر انتظر عليه بعض سنوات لأدهشنا أكثر مما أدهشنا।



الادوار بينهما ॥ شقيق أم أب ؟
مازلت أعود الى قصص يحيي الطاهر عبد الله كلما أردت الاتصال به ولقد كانت علاقتنا أكثر من حميمة وكان بالنسبة لي أكثر من شقيق وكانت القاهرة تتعامل معنا علي هذا الأساس بل لقد دعت غرابة محبتنا كلا للآخر الى أن تندهش القاهرة لمثل هذه العلاقة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بين أبناء الصعيد وبالذات في الغربة فيما بعد تركني يحيي ليتزوج وينجب وبدأنا نلتقي كلما وضعته الأيام في مأزق كنت دائما ألعب في حياته دور الوالد بشقيه الجانب الذي كرهه وهو جانب الناصح والمحجم والمنظم للسلوك، والجانب الحنون الذي كان يوقن أن كل ما ملكه هو ملكه في أية لحظة إذا ما احتاجه.
وأغرب ليلة عرس ..
في ليلة عرسه وزواجه من السيدة مديحة أخت الدكتور عبد المنعم تليمه اختفي يحيي ولم يأت وكنا هناك الدكاترة جابر عصفور وعبد المحسن طه بدر وسيد البحراوي والأساتذة فاروق شوشة وسليمان فياض والكثيرون।ولم يكن هناك إلا ان اجلس علي كرسي العريس بجوار العروس الى ان جاءنا في آخر الليل يصطحب طفلا فقيرا وجده ملقي مشردا تحت أحد الكباري التي ذهب عندها ليحتسي بعض زجاجات البيرة وبجهد جهيد وضعناه علي كرسي العريس وأتممنا الليلة بهرولة قبل أن يرجع في قوله.يعتبر يحيي الطاهر عبد الله أصدق من عبر عن عالم الصعيد بلا منافس في أدب شديد الحيوية متوهج الأداء خاصة اللغة وقد تكون هناك محاولات لطه حسين أو يحيي حقي لكنها لا يمكن أن تصل الى حرارة صدق التوغل والمعايشة ووحشية الأداء ورقته التي تمتع بها أخونا القاص الفذ يحيي الطاهر عبد الله، ومازلت أري أن حصوله علي جائزة الدولة التشجيعية شي ء قليل جدا بالنسبة لما يستحقه ومازلت أري أن الكثير من أبناء جيله يمارس غيرته منه حتى في موته ويسهم في إسدال ستائر التجاهل والتورية والأبعاد عن يحيي حتى لا تكتشف قيمته الحقيقية بصفته معني القصة القصيرة .
السيرة الهلالية في عهدة يحي الطاهر



يحيي في السنوات الأخيرة شديد الاهتمام بالملاحم المصرية وبدأ بالزير سالم فلما أفسدها عليه أمل دنقل في قصيدته العبقرية لم يدع مجالا لأن يستفيد منها شخص آخر في نفس الفترة، فاستعان يحيي بي في فهم السيرة الهلالية وانكب علي قراءة السيرة التونسية بلهجتها الصعبة التي جمعها عبد الرحمن قيقة من الجنوب التونسي، والتي قدم لها ونشرها الطاهر قيقة وكيل وزارة الثقافة التونسية السابق।وكما كان يحضر بعض الجلسات التي اشرح فيها لأصدقائي مواقف من السيرة واسمعهم بعض التسجيلات।إن علاقتي بأخي يحيي الطاهر أعمق بكثير من أن تحضر في كلمات يظل يحيي جرحا عاطفيا غائرا في عواطفي الصادقة وضميري وكلما تذكرته اعتصرني وجدانيا بطريقة خاصة جدا، واعتبر إنني قد فقدت جناحي طيراني حين فقدتهما أحدهما بعد الآخر: يحيي الطاهر عبد الله وأمل دنقل



...........



أخبار الأدب- 22 ابريل 2001