الأحد، 4 يناير، 2009

من كتاب "توابع الفتنة الكبرى " : مقدمة المؤلف


اخترت لرسالتي لنيل درجة الدكتوراه موضوع قصة المختار وأسباب ثورته ونتائجها، اخترت هذا الموضوع لأني أردت الكشف عن جزء غامض في تاريخ الحوادث التي مرت بالعراق في العصر الأموي، ولأنه مع صغره يشبه المركز الذي تتجمع حوله أشعة الحياة التي اضطرب فيها المسلمون في العصر الأول.

يعرف كل منا أن المسلمين فتحوا بلاد الدولة الفارسية بأجمعها كما فتحوا أطرافًا من بلاد الدولة الرومانية الشرقية في عهد أبي بكر وعمر، ثم جاء عهد عثمان، وسرعان ما تطورت الحوادث فقتل هو وانقسم المسلمون فرقًا، فريق مع علي في العراق وفريق بزعامة معاوية في الشام

وكتب على العراق أن يصبح موطن المعارضة للدولة الأموية طوال عهدها تارة بالقلم وتارة بالسيف، ونحن نعرف مقتل حجر بن عدي كما نعرف مقتل الحسين بن علي، وقد كان هناك الخوارج يشهرون سيوفهم في وجوههم ووجوه ولاتهم؛ فحجر بن عدي من أصحاب علي والحسين قد قتل لأنه كان يريد الخروج على رأي الأمويين فحسب بل على كل الأحزاب السياسية؛ فثورتهم إذن واضحة المعالم لا اعوجاج فيها ولا التباس.

أما ثورة المختار فإنها إلى الآن لم تحلل ولم تدرس درسًا علميًا منظمًا، وأقصد بالدرس العلمي أن تبحث أسبابها القريبة والبعيدة بحثًا يقوم على استقصاء الأسباب والعلل، ويعتمد على الحقائق كما يعتمد على البيئة والثقافة أو بعبارة أدق أن هذه الدراسة ينبغي أن تعتمد على الحقائق التاريخية والجغرافية، وعلى وصف المجتمع العراقي وحياته الاقتصادية والنظر في الحركات السياسية التي انبعثت منها هذه الثورة ليس في العراق فقط بل في الشام والحجاز أيضًا.

وإذا عرفنا أن المختار قد قام بدور هام في العراق أثناء دعوة عبد الله بن الزبير وأنه جهر بالدعوة أولاً ثم دعا إلى محمد بن الحنفية سرًا عرفنا إلى أي حد اتصلت ثورته بمبادئ الأحزاب الثلاثة الهامة في العصر الأموي وهي حرب الزبيريين وحزب الشيعة وحزب بني أمية، وذلك بحكم اتصاله وتمثيله بالحزبين الأوليين بل الخوارج أنفسهم، فقد قيل أنه بدأ حياته على مذهبهم، ومعنى ذلك أن شخصيته كانت مستودعًا إن صح ما يقول المؤرخون للحزبين الأوليين ثم لحزب الخوارج من ناحية، كما كانت ميدانًا للصراع مع الحزب الأموي من ناحية أخرى.

فالمختار بهذه الصورة كان ملتقى للآراء المختلفة في عصره، كما كان صورة ناطقة لهذه الآراء وما كان يسودها من الاختلاط والاضطراب بين العناصر جنسيًا ولغويًا ودينيًا؛ لذلك ظهرت ثورته في فترة اضطراب من الوجهة الزمنية والمكانية والشخصية.

لذلك أردت أن أبين أسباب ثورة المختار وعواملها ونتائجها وتوفرت على دراسة هذه الثورة بما تواضع عليه الباحثون في درس المسائل التاريخية دراسة علمية؛ ولهذا قدمت للبحث بتمهيد تحدثت فيه عن التاريخ ومكانه بين الفنون والعلوم وما يمتاز به من سمات وخصائص.

ثم تحدثت عن التاريخ الإسلامي ومراجعه التي تتصل بهذه الثورة مباشرة، وحللت هذه المراجع وبينت مدى قيمتها في الاعتماد عليها حتى إذا استوفيت ذلك انتقلت إلى الباب الأول من البحث؛ فحللت عوامل الثورة ولاحظت أنها تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين: العوامل المباشرة والعوامل غير المباشرة. أما العوامل غير المباشرة فقد انتظمت ثلاثة عوامل: العامل الجغرافي والعامل التاريخي والعامل الزمني؛ فتكلمت عن العراق جغرافيًا وأنثروبولجيًا وثقافيًا ولغويًا واجتماعيًا، ثم انتقلت إلى ما قام قديمًا من صراع بينه وبين الشام وبين الفرس والروم وبين عرب الحيرة والغساسنة، ثم بحثت ما وقع من حوادث بعد وفاة يزيد بن معاوية وما سادها من الاضطرابات وهو ما سميته بالعامل الزمني، وتركت ذلك إلى الحديث عن العوامل المباشرة ولخصتها في أربعة عوامل: وهي العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي؛ فدرست في إسهاب العناصر التي كونت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في العراق قبيل الثورة، وفي أثنائها. أما العامل الثاني وهو العامل المباشر فيتعلق بالموالي، ثم ذكرت موقف الأتقياء من الأحزاب السياسية حتى ظهور حركة التوابين الذين مهدوا السبيل لثورة المختار.

ثم انتقلت إلى الباب الثاني وفصلت فيه الحديث عن ثورة المختار وحوادثها وبدأته بالكلام عن أسرة المختار وبيئته وثقافته، ثم تحدثت عن علاقته بابن الزبير وابن الحنفية، كما تحدثت عن أعوانه، ثم فصلت الكلام عن ثورته واستيلائه على الكوفة وموقف أهلها منه، وموقف هؤلاء الثائرين ممن قتلوا الحسين وما آل إليه أمرهم في موقعة خاذر.

ولما انتهيت من هذا الباب تحدثت في الباب الثالث عن النتائج المباشرة لثورة المختار فتحدثت أولاً عن محاولة جعل إمارته على الكوفة شرعية، ودعاني ذلك إلى أن أتحدث عن علاقة عبد الله بن الزبير مع بني هاشم الذين كانوا يصطفون وراء المختار ويحثونه على الثورة، ثم تكلمت عن موقف العرب من حكومته التي كانت تعني بشئون الموالي وتعطف عليهم، ثم تحدثت عن الحرب بين مصعب بن الزبير والمختار، وما كان من موقف العرب العدائي من الثوار، وانتهيت من هذا الباب بالحديث عن الدور الذي قام به ابن الأشتر وابن الحنفية وحاولت أن أحلل عمل كل منهما.

ولما صورت ذلك كله أخذت في بيان نتائج الثورة فبحثت أولاً في مذهب المختار السياسي وتساءلت عما إذا كان قد ادعى النبوة، وهنا وقفت قليلاً فتحدثت عن نظرية الإسلام السياسية بالإجمال واستطردت من ذلك إلى الحديث عن فرقة الكيسانية، وحققت ذلك كله مستندًا في ذلك إلى الوثائق وتطور الحوادث، ثم تحدثت عن تأثير الثورة في السياسة والدين وأخيرًا نظرت في الثورة نظرة عامة لكي استخرج منها العظة والعبرة.

وأنا في هذه الدراسة كلها أرجع دائمًا إلى المراجع العربية التاريخية والأدبية والدينية، وإلى المراجع الفارسية والأردوية والإفرنكية،وما تركت شيئًا يمكن الانتفاع به في هذا البحث إلا رجعت له لاستقصاء هذا الموضوع.

والحق أن المرجع الأساسي، وفي رأيي مرجع المراجع في كل هذا هو العلامة حسن إبراهيم حسن، دام فيضه، وقد بذل لي الكثير من وقته ونفسه في كل ما صادفني من الصعوبات والعقبات في سبيلي، وأنا أقدم له شكري الجزيل الخالص من صميم فؤادي.

مقدمة المؤلف :أبو النصر محمد الخالدي

ليست هناك تعليقات: