الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

دار العين تحتفل بمرور २०० عام على ميلاد داروين

د.فاطمة البودي : أكثر معارضي داروين لم يكونوا من رجال العلم .. بل كانوا من رجال الدين وهذه مشكلة
د.صلاح قصنوة
: البورجوازية هيأت المناخ لظهور نظرية التطور
د.أحمد شوقي: نعاني من مليون" عبد التواب في حياتنا الثقافية الذين يخلطون العلم بالدين
د।صلاح قنصوة ينتقد مقال لأنيس منصور في الأهرام :" الناس مش ناقصة خوف من العلم" فيرد عليه د.محمود عطية ب" ربنا يبعد عنك الفكر"



.....
نظمت دار العين للنشر ندوة لمناقشة "الداروينية ونظرية التطور" وذلك بمناسبة مرور 200 عام على ميلاد عالم الأحياء المشهور تشارلز داروين. عقدت الندوة يوم الأحد 22فبراير 2009،بمقر دار العين بكورنيش روض الفرج.
في البداية أكدت د.فاطمة البودي رئيسة مجلس إدارة العين على اهتمامها بنشر الثقافة العلميةالمؤلفة أو المترجمة ،وهو المجال الذي دخلت منه العين لعالم النشر،ومع أنها تجاوزته إلى مناطق ثقافية أخرى كالأدب والفن والتشكيلي والفلسفة والاجتماع ..الخ، إلا أن المجال العلمي مازال له حظوته في خطتها.
بدأ المناقشة د.مصطفى فهمي_والذي صدر له عن العين من قبل كتاب الدراوينية الجديدة_ ،حيث ركز على نقطتين فيما يخص التطور. النقطة الأولى هو التأكيد على أن التطور لم يعد مجرد فرض أو نظرية بل انه أصبح حقيقة علمية،فمثلما نقول أن الأرض كروية ،لا يستطيع أي بيولوجي أن ينكر حقيقة التطور. ومثلما قالوا أن القرن العشرين هو قرن الثورة الكيميائية والفيزيائية، فإن القرن الواحد والعشرين هو قرن البيولوجيا. التطور حقيقة مثل تسليمنا بأن هناك زلازل وبراكين،فهو يحدث مهما اختلفت آلياته سواء كانت بالانتخاب الطبيعي أو الانتخاب الجنسي أو غير ذلك.والتطور ليس مقصورًا على علم البيولوجيا بل هو موجود في كل العلوم الحديثة،هناك دائمًا أشكال طبيعية جديدة تنشأ عن الأقدم،فالنجوم تولد وتكبر وتتطور مثلًا. هناك العديد من الدراسات التي أثبتت أن 99,9% من أشكال الحياة الحالية لم تكون موجودة منذ مولد الأرض،حيث يحدث باستمرار انقراض لأنواع معينة وحدوت تعديلات للبعض الآخر. النظرية الوحيدة التي تفسر اختفاء أنواع وبقاء أنواع هي نظرية الانتخاب الطبيعي وشعارها "البقاء للأصلح".
نعم هناك نظريات أخرى حاولت أن تحسب عمر الأرض وأن تقدم تاريخًا لحياة الإنسان عليها ولكنها كانت من السذاجة بحيث لا يعتد بها . مثل النظرية التي يعتنقها "التكونييون" وهم الذين يؤمنون بسفر التكوين إيمانًا قاطعًا ويحاولون تأويل ما فيه ليتوصلوا إلى عمر آدم على الأرض ومتى أنجب ابنه شيث ومتى كان مولد نوح ، حتى يصلوا إلى عيسى ابن مريم ، ويؤكدوا ان عمر الأرض هو 4000 عام قبل ميلاد المسيح، يضاف فوقهم أربعة أخرى لأن فترة صلب المسيح صاحبها إظلام في الكون مدته 4 سنوات، بل ويحددوا تاريخ ميلاد الأرض بالضبط وهو الأحد 26 أكتوبر الساعة التاسعة صباحًا وهذه حذلقة تثبت سخف هذا الهذر،وهذا التجديفات تحدث من حين لآخر عندما يحدث خلط بين مناهج البحث العلمي وبين المسلمات الدينية.
أما النقطة الثانية فهي الخاصة بالتجارب العلمية الحديثة التي أثبتت صحة هذه النظرية.فعندما ظهرت النظرية اعتمد العلماء في البدء على دارسة وصفية بتشابه الملامح وتشابه التشريح،سواء في الكائنات المسجلة في الحفريات أو الموجودة فعلاً على الأرض ولكن هذه الدراسات كان فيها الكثير من الحدس والتخمين كما أن سجل الحفريات الذين كانوا يعتمدون عليه ليس كامل.
بعد داروين تم اكتشاف أبحاث ماندل وكان يدرس الوراثة في البسلة ،لو كان داروين اهتم بهذه الأبحاث بشكل جيد لجعلت أبحاثه أكثر توفيقًا.
وهناك الأبحاث التي قامت على طائر الهويدا ،حيث تنجذب الأنثى للذكر صاحب الريش الأطول ، فقام الباحثون بلعبة تقصير لبعض الذيول الطويلة في الذكور وتطويل لبعض الذيول الأخرى بإضافة ريش أو ماشابه، فوجدوا الأنثى تنجذب لصاحب الريش الصناعي الطويل. إذن هناك انتخاب جنسي يحدث يؤدي إلى تركيز على نوع معين من الجينات وتطور في ناحية معينة. وهناك أبحث مشابهة لها قامت على أنثى الطاووس التي تنجذب لصاحب الريش الطويل الملون أيضّا على الرغم من أن الريش الطويل هنا يعوقه عن الطيران وعن الحركة بكفاءة.
أما الاكتشاف الأعظم الذي أثيت صحة هذه النظرية فهو اكتشاف جزىء الDNAهذا الحامض المكون الأساسي للجينات التي تحمل الصفات الرئيسية،وهو يتكون من خيطين طويلين يلتفات حول بعضهما البعض كلولب مزدوج،وهو يتميز بوجود قواعد هيدروجينية عليه تحمل حروفًا أبجدية أربعة (أ،ب،ج،د).
فمجرد وجود الDNA في جميع الكائنات الحية من أبسطها إلى أكثرها تعقيداً، يعتبر دليل قاطع على حدوث التطور،ويبين أن الحياة لها أصل واحد.
كما أن الدراسات الخاصة بالجينوم (وهي الخاصة بتحديد موقع الجينات ووظيفتها" تبين من مقارنة هذه الجينات ببعضها أن هناك نموذج واحد للجينوم مثلًا المسؤول عن تطور الأعين ، ونموذج واحد للجينوم المختص بالنمو وهكذا لآخر الصفات. ومن مقارنة جينات الشمبانزي مثلًا بجينات الكائنات الأخرى نجده أكثر قربًا من الإنسان منه مثلًا إلى الغوريللا.
وهناك دليل آخر يقول بأن جميع الكائنات تستخدم نفس الحروف ،بل إن هناك بعض الكلمات المتكررة في جميع الكائنات ، أليس في هذا دليل على وجود أصل واحد للأحياء؟
علقت د.فاطمة البودي بأن داروين كان يدرس اللاهوت وتخصص فيه ولكن بدون حماس، وأضافت بأن أكثرمعارضيه لم يكونوا من رجال العلم بل كانوا من رجال الدين.
كما علقت على إشارة د.مصطفى للولب المزدوج بأن هناك كتاب يصدر قريبًا عن العين تحت اسم" اللولب المزدوج" وهو كتاب مترجم بالتعاون مع مشروع كلمة، تُشرح فيه قضية الجينات والأحماض النووية.
كما أشارت إلى كتابين آخرين من اصدار العين في هذا المجال وهما كتابا" مولد الزمان" و"الداروينية الجديدة" اللذان فازا بجائزة معرض الكتاب في عام صدورهما.
أما د. صلاح قنصوة
، فقد بدأ مداخلته بتعريف للفلسفة بأنها البحث عن المشترك في التفاصيل المتعددة ،ثم انتقد مقال لأنيس منصور في جريدة الأهرام يوم انعقاد الندوة ، تحدث فيه عن داروين بشكل غير علمي .حيث علق بأن " الناس مش ناقصة خوف من العلم" فرد عليه د.محمود عطية_صاحب كتاب مصر المفروسة_ب"ربنا يبعد عنك الفكر".
ثم تحدث قنصوة في أن الناس تخلط ما بين كلمة الحقيقة Truth وبين كلمة الواقع أو Reality،وعليه فمن غير المعقول أن نسبغ على القوانين العلمية صفة الحقيقة، إنها مجرد حكم يطلقه الباحث على معطى. لا يوجد شيىء اسمه الحقيقة،إنما هناك الواقع وهو ما يقع.
كما أننا بحاجة للتفرقةما بين الموضوعية والمواضعة.فنظرية داروين في وقتها كانت صادقة،لأن الموضوعية هي اتقاق العلماء على مناهج بحث بعينها يتم استخدامها في التجارب لنتأكد منحيادية الباحث. فالموضوعية هي الطريق أو الأسلوب ولكنها تتغير عن طريق المواضعات ، التي تتحكم فيها السياقات الثقافية التي تخرج فيها الأبحاث. والثقافة هي كل شئون الحياة التي تميز الإنسان عن الحيوان في إشباع حاجاته.إذن فالأبحاث تكون وليدة السايقات الثقافية التي توجد فيها. فالفكر العلمي لا يطلع بالصدفة.
إذن ففكرة داروين كان لا يمكن أن تصدر إلا في عصرها. وهناك بيت شعر يليق بالفكرة التي أود توضيحها يقول" أمور كثيرة تظهر في أماكن متفرقة في وقت واحد.. كما يتفتح بنفسج الربيع" .
فكرة داروين ظهرت في عصر البورجوازية
(وهي الكلمة الآتية من برج بمعنى المدينة أو سكان المدينة)،بعد مرحلة الحروب الصليبية عندما بدأ الناس يعتمدون في نشاطهم الاقتصادي على التجارة والبيع والشراء مما أدي إلى امكانية أن يكون بعض الناس ثروات ترفعهم من أسفل السلم الاجتماعي إلى أعلاه .. أي حدث لهم تطور .. هناك حركة وديناميكية في المجتمع . بعكس المجتمع الاقطاعي الذي سبقه،الذي كان يُسَكِّن الناس في خانات مسبقة ، فهناك الحكام والاقطاعيين ذوي النفوذ والمال وهناك الفلاحين .. هذا المجتمع كانت تسود فيه الأحكام القاطعة والجازمة ، لذا يعتبر مناخ غير مناسب لظهور نظرية مثل نظرية التطور.
فلولا هذا التغير في الفكر الثقافي ماظهرت نظرية التطور. ومثلًا في مجال الكيمياء الحيوية ، كان المناخ الثقافي المناسب لاكتشاف فكرة أن المركبات العضوية وغير العضوية يمكن تحويلها من بعضها ،هو أيضًا عصر البرجوازية.
وأورد هنا قول لانجلز صديق ماركس حيث قال" داروين قدم لنا التطور البيولوجي ، وماركس قدم لنا التطور التاريخي للإنسان " إذن فالمجالات كلها ظهرت فيها هذه النظرية بأشكال مختلفة . ماركس نفيه حاول مع داروين ليكتب له اهداء على كتابه " أصل الأنواع" إلا أن داروين لم يوافق.
هناك نظرية ممشهورة وهي نظرية " الباراديم أو paradigm لصاحبها الفيلسوف توماس كون تقول بأن هناك باراديم لكل مرحلة أي هناك نمط تفكيرضمن أي تخصص علمي لمرحلة ما . وهي تفترض أن العلم لا يتغير بالتراكم بل بثورات والثورة معناها هنا تغيير النظرة إلى العالم أي تغيير الإطار المفاهيمي له. وكل ثورة تقدم البارادايم الخاص بها. حيث تميل النقلات في النماذج الفكرية إلى أن تتخذ طابعا دراماتيكيا في العلوم التي تبدو راسخة وناضجة.
فباستمرار.. الثورة العلمية تغير مفاهيمنا. وكلمة البارادايم هنا قريبة من كلمة " الإشكالية" والتي استخدمها الفيسلسوف الفرنسي جاك ماريتان بمعنى الأسئلة الجديدة التي تختلف عن الأسئلة القديمة ،التي تسيطر على مجال معين في مرحلة معينة ، بحيث تصب جميع الاسهامات نحو إجابة هذه الأسئلة.
نحن نعاني كثيرًا حين ظهور اكتشاف جديد ممن يأتي ليقول لنا .."قديمة" .. لقد اكتشفه القدماء المصريون أو اكتشفه عبد الحفيظ في العصر الأموي أو عبد التواب في العهد العباسي ، وهم لا يفهموم استحالة حدوث هذا إلا في سياق ثقافي معين . نعم تكون هناك ارهاصات للاكتشافات في عصور سابقة ولكن لت تظهر بوضوح وبدقة إلا في عصرها المناسب.
فمثلًا في مجال الفلسفة ، كانت العصور الإسلامية الوسطى مشغولة بفكرة " العقل والنقل" أي هل نستخدم عقلنا أم فقط نطبق ما نقل إلينا من التراث الإسلامي ، وكان هذا السؤال المحوري لمعظم المؤلفات في هذه الفترة. لكن الآن هل ما زال هذا السؤال موجوداً؟
أما د.أحمد شوقي فقد وجه سؤالاً للحاضرين يقول: كم واحد يجلس هنا في القاعة ليس مؤمنًا بنظرية التطور؟ . وأضاف بأن سبب توجيهه هذا السؤال أن هناك داسات أثبتت أن نسبة المؤمنين بنظرية التطور في مصر لا يتعدى 11 % فقط . فعلق د. سليمان العطار على ذلك بأن " والله كويس.. افتكرتهم أقل".
فرد عليه د.شوقي ب" أنا شخصيًا لست مؤمنًا بالتطور" واستدرك سريعًا " لأنني مقتنع به .. فالنظريات العلمية لا تطلب منا أن نؤمن بها لأنها ليست دينًا ولا مسلمات ربانية .. بل فقط نقتنع بها إلى أن يأتي شيء يهدمها أو يثبتها" .
نحن نعاني من مشكلة تحويل أي قضية علمية إلى قضية فقهية. وأرجو أن تلقوا نظرة على الكتب المؤلفة حول موضوع الاستنساح ستجدون أغليها ذا طابع ديني، ولا يحاول أن يناقشها علميًا.
وأضاف شوقي بأن عالم الأحياء المشهور" جانسكي" قال بأنه لا يوجد شيء في البيولوجيا يمكن فهمه إلا في ضوء نظرية التطور والانتخاب الطبيعي. فرد عيله علام آخر بانه لا يوجد شيء في الحياة أساسًا لا يمكن فهمه إلا في ضوء نظرية داروين.
وحكى حكاية طريفة خاصة بموضوع اكتشاف الDNA وكيف ساهم في اثبات نظرية التطور . كان هناك ماسح أحذية اسمه كريك ، كان عنده شغف بأبحاث داروين لدرجة أنه وهو يمسح مرة حذاء فتاة وجد عليه حشرة غريبة ، فاحتفظ بها وجري على داروين ليعطيها له ، وكانت مساهمة جيدة منه حيث كانت موضوع آخر مقال لداروين في حياته .
أنجب كريك هذا ولدًا اسمه هاري وأنجب هاري ولدًا اسمه فرانسيس، لتمر الأيام ويكتسف فرانسيس هذا الحمض النووي ال DNA ويكون أعظم اسهام في اثبات نظرية داروين وأحد أعظم اكتشافات القرن العشرين.
وعلق د.شوقي على كلمة د.قنصوة بأننا نعاني ممن يطلع لنا ليقول هذا الاكتشاف اكتشفه من قبل عبد التواب بن فلان في العصر العباسي ، وقال بأن تاريخ البشرية ملىء بعبد التواب هذا . بداية من أرسطو وعبد التواب بتاعنا " ابن مسكويه" ،واخوان الصفا وغير ذلك. وهناك رجل أحترمه كثيرًا وهو الدكتور عبد الحافظ حلمي عمل دراسة على كيفية استقبال اخوان الصفا لفكرة التطور.
وأنهى د.شوقي كلمته بان هناك دراسة حديثة ، صدرت بمناسبة الاحتفالات بداروين هذا العام ، تركز على الدافعية التي جعلت داروين ،يخوض في البحث في نظريته. وهي الدراسة التي جاءت في صالح داروين في الحقيقة ،وخير احتفال بعيد ميلاده ، لأن هناك الكثير من الناس الذين يتكلمون عن عنصرية داروين ،ولكن الدراسة خلصت إلى أن دافعية داروين هي رفضه للعبودية وللعنصرية.

ليست هناك تعليقات: